رووداو ديجيتال
أوضح رائد فهمي، سكرتير عام الحزب الشيوعي العراقي، بأن "المحكمة الاتحادية لم تتسلّم الرد بشأن الدعوى التي رفعناها على رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي حول خرق التوقيتات الدستورية بشأن اختيار رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة". وكان المحامي زهير ضياء الدين قد أكد بأنه "رفع دعوى قضائية إلى المحكمة الاتحادية صباح الاثنين (9 شباط 2026)، كوكيل عن رائد فهمي سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، وعلي الرفيعي الأمين العام للتيار الاجتماعي الديمقراطي، وذلك لطلب الحكم بثبوت مخالفة مجلس النواب العراقي في انتخاب رئيس الجمهورية وفقاً لأحكام المواد الدستورية (13/أولاً) و(54) و(70) و(72/ثانياً/ب) من دستور جمهورية العراق".
فهمي قال لشبكة رووداو الإعلامية اليوم، السبت 21 شباط 2026، إن: "المحامي راجع المحكمة الاتحادية قبل ثلاثة أيام وقالوا له نحن أحلنا الشكوى إلى رئيس مجلس النواب المفروض يرد علينا، ولحد الآن ليس هناك أي رد منهم، الواضح هم (يجرجرون) بالقضية، والمفروض يردون خلال أيام، لذلك نفكر بعقد مؤتمر صحفي عن هذا الموضوع ومجلس النواب ملزم بالجواب حتى المحكمة تنظر بالأمر". مضيفاً أن: "رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان كان قد أصدر بياناً بعد ظهور نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة شدد فيه على احترام التوقيتات الدستورية وأكد عليها، واليوم كل التوقيتات الدستورية ضُربت عرض الحائط. أليس من المفروض، ولو أن القضية تخص المحكمة الاتحادية، أن يتخذ القضاء موقفاً وأن تكون له وجهة نظر؟ صحيح ليست هناك إجراءات جزائية في الدستور تنص على خرق التوقيتات الدستورية، لكن هذا لا يعني أن نستهين بهذه التوقيتات، وإلا ما جدوى ذكرها في الدستور؟ في الأقل يجب أن يكون هناك موقف من قبل المحكمة الاتحادية وأن يدعو رئيس مجلس القضاء إلى اتخاذ إجراءات لحسم هذا الموضوع. الآن بدأت تترشح أفكار جديدة منها إمكانية تمديد حكومة تصريف الأعمال المنتهية صلاحياتها، والبعض يتحدث عن منحها صلاحيات إضافية، والمقترحات مفتوحة. نحن لا نعرف متى سيجتمع مجلس النواب ومتى يتم اختيار رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وكل شيء مؤجل بعد شهر رمضان". منبهاً إلى أن العراق "لا يعيش ظرفاً اعتيادياً، بل هناك تهديدات في المنطقة والتوتر غير مسبوق.. أزمة عسكرية واقتصادية حادة كلها مهمة، وحتى الآن العقبات أمام تشكيل الحكومة ما تزال قائمة كما هي.. لا في إقليم كوردستان متفقين على رئيس الجمهورية، ولا الإطار متفق على رئيس الوزراء، ويبدو لاعتبارات عدم الاتفاق التي لا علاقة لها بالمصلحة العامة بل بعلاقات بين هذه الأطراف. سيبقى البلد معلّقاً وحياتنا السياسية الآن معلّقة، في الوقت الذي يحتاج العراق فيه إلى حكومة تنهض بمهامها، بالرغم من أنه ليس عندنا وهم بأن الحكومة القادمة ستُحدث أي تغيير لأنها ستأتي بنفس النسق وسنبقى بنفس الدوامة، وهذا يعكس أن المنظومة السياسية الحاكمة غير معنية بالهم العام ولا بواقع الشعب ولا بمستقبل البلد بحيث تغلّب مشاكلها الداخلية والخاصة على المصلحة العامة.. الشكوى التي رفعناها تدخل ضمن هذا السياق وليس مجرد أن نأخذ موقفاً، بل نريد أن نقول يجب أن يُسلّط الضغط وأن يلعب القضاء دوره في هذا الأمر".
وحول المتسبب بهذا التأخير والخروقات الدستورية، أوضح فهمي: "واضح أن المشاكل والأزمات التي تعيشها الكتل السياسية الحاكمة في العراق قد وصلت إلى انقسامات وتباينات، وتجد اليوم صعوبة في إيجاد التوافقات والشروط لإعادة إنتاج نفسها، وهذا انعكاس إلى حد كبير للتقاطعات وتوزيع المصالح والنفوذ وتقسيم السلطة والمنافع، لكنه أيضاً له علاقة بالأزمات والضغوطات المحيطة بالبلد وما هو مطلوب من الحكومة العراقية، والواضح أن المواقف داخل هذه التحالفات ليست موحدة في كيفية التعامل مع هذه الضغوطات. بالتالي عندنا مشكلة تكاد تكون مركّبة: أولاً مشاكلهم الداخلية وكيفية التوفيق بين مصالح المتنافسين، وما أريد أن أقول شيئاً آخر، ثانياً الضغوطات، والبعض يعتبرها مسألة وجود بالنسبة لهم، وتدعو لاتخاذ قرارات تمس جوهر نظامهم السياسي وطبيعة صلاتهم مع إيران وتوجهاتهم وتركيبة منظومة السلطة بما فيها قضية الفصائل والحشد. هذه من الأمور الأساسية في بنية وجودهم، لذلك أمام هذه التحديات الكبيرة ما يشغلهم هو بقاؤهم ومصالحهم وكيفية تجنب الضغوطات والضربات والعقوبات، ولكن في مجرى هذه العملية ستتعطل الدولة".
وفي رده عن سؤال: هل من المعقول أن يتوقف البلد لأن هناك شخصاً يريد أن يحقق طموحه الشخصي؟ قال: "هذا ليس مرتبطاً فقط بطموح شخص يريد أن يكون رئيس وزراء، هذا الطموح يغطي تحته كل هذه المشاكل التي ذكرناها. ربما عندهم مشكلة إيجاد البديل، والبديل المتوافق والإصرار عليه.. الأمر بيدهم. نفترض أن نوري المالكي، زعيم ائتلاف دولة القانون، لا يريد أن ينسحب، لكن ما الذي يمنعهم من اتخاذ القرار، وهو يقول أنا أحترم قرار الإطار التنسيقي؟". مشيراً إلى أن: "قوى الإطار ترى الأوضاع والمخاطر التي تهدد البلد، فلماذا لا يتخذون القرار؟ هل هذا يعني عدم الاتفاق، أو يخشون من اتخاذ القرار؟ هناك عوامل كثيرة. وأنا أضيف لسؤالك وأقول: هل من المعقول أن كل هذه المخاطر التي تحيط بالبلد اليوم ونحن كلنا معلّقون على أن قوى الإطار، وهي عملياً 12 أو 13 شخصاً مجتمعين حول طاولة، كيف يمكن أن يتوافقوا على شخص معيّن وكيف يتخذون القرار؟! فهم يجتمعون منذ أسابيع، اجتماعات تلو الأخرى، ويبدو أنهم يدورون في نفس الحلقة لأنهم لا يستطيعون اتخاذ قرار، وهذه قضية وطنية. هناك مخاطر تواجه العراق ولا تواجه طيفاً معيناً، الإطار التنسيقي أو غيره، بل تشكل خطورة لكل العراقيين. هناك الأزمات الاقتصادية التي تمس كل مواطن وتحتاج إلى إجراءات مهمة، وحكومة تصريف الأعمال إذا بقيت ضمن هذا التعريف لا تمتلك الصلاحيات لاتخاذ الإجراءات المطلوبة. الآن البعض يتحدث عن فرض ضرائب وإجراءات تمس مداخيل الناس وأوضاعهم المعيشية، إذن كيف لحكومة تصريف الأعمال وبصلاحياتها المحدودة أن تتخذ الإجراءات؟".
مضيفاً: "هذا يعكس أزمة نظام المحاصصة، والذي يعاني منذ البداية من تناقضات كبيرة ومنافسات داخلية. اليوم وحتى هذه اللحظة كانوا يستطيعون إدارة هذه التناقضات وحلها والتوصل إلى توافقات وتوزيع للمنافع والسلطة ويبقون يتصارعون ضمن سقف معين، لكن يبدو أن الأمور وصلت إلى حد يجدون فيه صعوبة في إدارة هذه الصراعات على خلفية واقع محلي وإقليمي ودولي ضاغط بشدة، والبلد معطل، الحياة الاقتصادية معطلة، السوق متوقف تقريباً، والاستثمارات مشلولة، وأي جهة لا يمكنها الآن أن تقدم على استثمار أو على قرارات اقتصادية ومالية كبيرة بعيدة المدى لأن هناك درجة عالية من اللايقين وعدم وضوح في آفاق الوضع. وهم أضافوا عاملاً آخر وهو عدم استطاعتهم اتخاذ القرار وتشكيل الحكومة، وهذه كلها تؤشر أن تغيير نمط الحكم وفق المحاصصة ونمط تقاسم السلطة وتوزيعها بهذا الشكل قد فشل تماماً". واستطرد بقوله: "الآن اتضح أن الأزمة التي كنا نحن وغيرنا نؤشرها أصبحت بيّنة واتضحت آثارها الضارة لكل مواطن، والأزمة بينهم وبين المواطنين. وأقولها بكل صراحة: اليوم لا أعتقد أن هناك مواطناً عراقياً يعوّل الكثير على أي حكومة تنبثق من هذه التشكيلة، خاصة إذا كانت هذه الحكومة تسير على نفس النهج الذي سارت عليه لحد الآن. اليوم يقولون الخزينة فارغة، الموازنة (رايحة)، المديونية واصلة لحدود غير معقولة، والصناديق تستنزف أموالها لصالح تمشية أمور الدولة. باختصار عندنا مشاكل نعرف بعضها والبعض الآخر غير مكشوف تماماً عن واقعنا المالي والاقتصادي".
وفيما إذا كانت ضغوط واعتراض الرئيس الأميركي دونالد ترمب على ترشيح المالكي هي السبب في هذه الأزمة؟ قال رائد فهمي: "هذا أكيد وهو العنصر الأساسي في الأزمة الراهنة.. من الواضح أن الولايات المتحدة الأميركية، وفي ظل إدارة ترمب، تريد إدارة النفوذ الذي كانت واشنطن تتقاسمه مع إيران داخل العراق وتريد لنفسها هذا النفوذ". مضيفاً: "من الواضح جداً اليوم أن خطة واشنطن ومشروعها الكامل، الشرق الأوسط الجديد أو ماذا نسميه، إضافة إلى المشروع الإسرائيلي الصهيوني، أنهم لن يعودوا يتقبلوا—سواء كان هذا صحيحاً أم لا—وحسب عقلية الإدارة الأميركية، المعادلة التي كانت سابقاً في العراق. ومعروف موقفهم من إيران، لكنهم يربطون بين الواقع الإيراني والعراقي وعملياً يتعاملون مع الأمر كأنه ملف واحد. وفي داخل العراق كانوا، الأميركيون، حاضرين وقدموا قتلى وأنفقوا مليارات الدولارات وقبلوا لفترات طويلة بتقاسم النفوذ مع إيران، لكن يريدون اليوم أن يستأثروا بالنفوذ ولن يعودوا يتقبلوا النفوذ الإيراني. هذا يعني أن العلاقات التي كانت موجودة وطبيعة الروابط بين إيران وجزء كبير من الحكومة العراقية والقوى السياسية النافذة في العراق—بين قوسين (الشيعية) أو جزء كبير منها—هذه العلاقة لم تعد مقبولة من قبل الأميركيين. الآن المطلوب منهم، ليس فقط موضوع شخص المالكي، وإنما يبدو أن ما رشح من المطالب الأميركية هو أنهم يريدون تغييراً عميقاً في طبيعة العلاقة مع إيران أو قطع هذه العلاقة وتغيير الروابط كلياً. وهذا بالنسبة لأطراف عديدة في الإطار التنسيقي يعتبرونه—على ما أعتقد—تغييراً كبيراً في طبيعة السلطة ونفوذهم بالحكم وفي توجهاتهم. وبالتالي الموضوع أكبر من قضية شخص يريد أن يكون رئيساً للوزراء، ويبدو حتى الآن لم يتوصلوا إلى صيغة مقبولة منهم أو من الأميركيين المصرّين على مواقفهم، وهي تطالبهم بتقديم تنازلات والإقدام على خطوات من الصعب اتخاذها، وإذا اتخذوها سينشأ وضع جديد في العراق والموازين سوف تختلف. إذن الإشكاليات ليست قليلة بالنسبة لهم".
وخلص سكرتير عام الحزب الشيوعي العراقي رائد فهمي إلى القول: "بالنسبة لنا يجب أن نتحدث عن المطالب العراقية، عندما نتحدث عن قضية الفصائل ومحاربة الفساد وعدم تدوير الشخصيات التي كانت موجودة في هذه العملية السياسية، والعلاقة مع إيران ينبغي أن تتخذ على أساس الاستقلالية والاحترام المتبادل وأن يسيطر العراق على قراره الوطني.. هذه مطالب عراقية وليست أميركية، تقتضيها بناء الدولة. في ظل المشروع المطروح حالياً على المنطقة كلها، يفترض الحفاظ على مصالحنا الوطنية أو في الأقل الدفاع عنها، وهذا يفترض وجود دولة متماسكة تحظى بمشروعية كبيرة تتحدث بصوت واحد، وهذه شروط غير متوفرة. اليوم نحن عندنا نظام سياسي مفكك ولا يوجد موقف موحد إزاء هذه التحديات والأزمات التي ذكرناها حتى في داخل المنظومة الحاكمة.. ليس هناك صوت واحد ممكن التعامل معه. في ظل هذا الوضع وهذه الخطورة نجد أن الموقف الوطني الذي يعبر عن المصلحة الوطنية العليا غائب، وهناك تنازعات. إذن نحن أمام نظام سياسي لم يعد قادراً—منذ البداية—لكنه اليوم وصل إلى حد غير قادر على مواجهة هذه التحديات. وعندما نقول يجب إحداث تغيير في بنية هذا النظام فهو ليس تجنّياً ولا تعسفاً ولا الركض وراء إرادات ذاتية، ولكن استجابة لواقع موضوعي. وبالتالي من الأفضل أن تأتي التغييرات داخلياً من أن تأتي عبر ضغوطات خارجية وثمنها يكون عالياً جداً.. إحداث التغيير ملح وضروري ويجب أن يكون بإرادة داخلية ويستجيب للمصالح العراقية بدلاً من أن يتماهى مع الضغوطات الخارجية.. هذه المعادلة الحالية والتي يبدو أن المنظومة الحاكمة الآن غائبة عنها ومشغولة بمشاكلها الخاصة".