بدأ شريط الذكريات يعيدني الى زمن الوجود... لقد تذكرت انني كنت مستلقيا في حديقة كلية الفنون الجميلة وأنا استمتع بأحاديث فائق حسن وإسماعيل الشيخلي وإبراهيم جلال وجعفر علي... وجموع الطلبة حولهم ينظرون اليهم بشوق ومحبة وسمو، وأتذكر انني شهدت مباراة جميلة بين اساتذة قسمي الفنون التشكيلية والفنون المسرحية و وكان من بينهم محمد غني حكمت وإسماعيل فتاح الترك وجعفر السعدي وعوني كرومي وغيرهم يتجمع الطلبة حولهم سعداء على الرغم من احساسهم بقيمة الحياة تزامنا مع انتهاء حرب مع ايران امتدت لثماني سنوات وفي سنتين كانت تتأرجح ما بين السلام الوهمي والمناكفات الدولية ما بين النظام السياسي آنذاك والولايات المتحدة الامريكية وحلفاءها من جهة اخرى وكان الطلبة يخشون التخرج خوفا من دخولهم معترك الخدمة العسكرية والحروب القادمة... كانت قربي مصطبة صغيرة يجلس عليها حبيبان قالت له: العطلة ستبدأ وأنت سوف تلتحق بالتدريب الصيفي للطلبة في الموصل لشهرين وهو يقول لها متذمرا ماذا عساي ان افعل كل صيف نذهب للتدريب في هذا الحر الشديد، ذات يوم كانت الحرارة لاهبة جدا اضطراب في الاجواء لقد احتل العراق دولة الكويت يا له من قدر مؤلم ومستنقع لا مفر منه، اذن لأنام في مكاني عسى ان افقد احساسي بما يجري بعد اشهر مضت من سبات قسري جلست من جديد فوجدت الحديقة فارغة... بدأت اتذكر هؤلاء الاساتذة الكبار منهم من رحل وغادر العراق بسبب المرض والبؤس والحصار وقلة الرزق. اتذكر هؤلاء الطلبة الذين هربوا من البلد خوفا من البطالة وضريبة الموت في الخدمة العسكرية الابدية بعد خسارة فادحة وهزيمة لا حجم لتأثيراتها في تلك اللحظة كان هناك كتاب على الارض اصابه الحريق من الاعلى فتحته وقرأته احسست اني داخل سحابة بيضاء كبيرة... لقد شاهدت عبرها ايام قد خلت ولكنها عالقة في ذاكرتي لقد وجدت اصدقائي المفقودين منذ سنوات.. كم كانت فرحتي كبيرة بهم.. وانهم الاعلام الكبار لكليتنا الذين بحثت عنه بشوق زهاء ثلاثة عشر عاما خلت منذ غزو الكويت نعم انهم الاحبة بقي منهم من بقى مقاوما ذلك الحصار اللعين لقد احسست ان هذا اليوم كانت احداثه تدور في الماضي لكنه الان لقد جمعتنا المحبة من جديد سمعت اغنية لفيروز من بعيد، تغني في صباح يوم جميل دخلت النادي الطلابي لكنه لم يتغير ابصرت الى جدرانه انها ما تزال قوية جميلة... ولكن المقاعد والكراسي فارغة تماما لا يوجد أحد ركضت نحو الملعب الرياضي، حيث كنت ارقب الطلبة وهم يلعبون بحب وسلام... وتجمعني معهم الذكريات منها من قام بتحويل هذا الملعب لساحة عسكرية جمع فيها الطلبة وإرسالهم لمحرقة الكويت... آه يا له من كابوس مزعج ومرعب لا يمكن نسيانه.. لا اريد تذكرها، وأنا ابصر مباني الكلية وهي مسودة بسواد النفط المحترق في آبار الكويت حزن عميق هم كبير.. لابد ان اعود للسبات من جديد لا اكاد احتمل ذلك.
اه... آه ضجيج... هرج ومرج.. يا الهي ما هذا احدهم صعد فوق قدمي ما هذا... اناس تحركون صغارا وكبارا، حتى كبار السن أشم رائحة حريق ما الملعب تحول الى ثكنة عسكرية تغطيها وسائل الخفاء، قاعة جعفر علي تحترق هل هذه حقيقة ام انني ما زلت احلم في سباتي الابدي انهم يحملون منضدة القراءة انهم يحرقون الكتب التي تعلمنا منها انهم يحرقون كليتنا الجميلة، قاعة المطالعة... اجهزتها الخدمية باتت في ايدهم العابثة لقد سرقوها جميعا لقد بدأ الخوف ينتابني فبقيت ممدا على الارض ابكي من حرقة ما رأيت لقد حرق الاوغاد مكتبتها لقد سرقوا كل ما كان قد بقي من الذكرى الجميلة وسط الظلام الأسود لم يبق منها سوى الذكريات المسودة الممزوجة بحطام وركام الجدران المحترقة وبقايا النار التي التهمت كل الذكريات انه كتاب "فهم السينما" و"علم عناصر الفن والتخطيط والألوان" و"فن الالقاء"، ماذا حصل يا عراق؟ بدأ اللصوص بالانسحاب بعد سرقتها وفجأة وفي ظلمة ذلك الليل الاسود انقطاع تام للكهرباء والطاقة حتى غدت السماء منيرة بالنجوم الجميلة عم الهدوء والسكون الله أكبر.. الله أكبر انه آذان الفجر حمدت الله على كل شيء... ذهبت للنوم من جديد وذات يوم وبعد نوم طويل وعميق استيقظت من جديد على صوت الطلبة في صباح مشمس جميل. رأيتهم وهم يلبسون زيهم المعروف يحملون كراريسهم وأدوات الرسم وكاميرات التصوير وهم يدخلون الى الكلية. صرخت بفرح كبير لا يسمع ذلك الصراخ غيري لقد عاد الطلبة من جديد لقد عاد الاصدقاء لقد عاد ما تبقى من اساتذة الكلية ليبدأوا بالعمل وما ان كنت اتأمل هذا المشهد الجميل حتى خرج بعض الطلبة خارج الكلية ليغادروا وإذا بصوت انفجار هائل قتلهم جميعا. انها سيارة مفخخة كانت مركونة الى جانب الطريق سمعت سيارات الاسعاف وهي تنقل الشهداء والجرحى الى المستشفيات زجاج القاعات الدراسية والشبابيك والأبواب قلعت وتناثرت شظاياها في فضاءات الكلية يا له من واقع حزين بعد عدة ايام عاد الطلبة للكلية ولقاعات الدرس وهم يسألون عن استاذهم الذي اختفى منذ يومين كان يزور شقيقه في احدى مدن العراق الواسعة وعلمت بعدها انه قتل على الهوية، ألم وقهر شديد فاني اعرفه جيدا كان يتمتع بخصال وخلق رفيع رحمه الله. وجدت الطلبة يقيمون معرضا للرسم في حديقة الكلية... حتى وجدت ان فائق حسن يجلس مع جواد سليم في تلك الحديقة وهما يتحاوران ويعززان المكان بروحهما الملونة الانسانية سمعت همسا بين طالب وطالبة تربطهما علاقة انسانية ومحبة صافية ينظران نحو مستقبل مخيف كيف يكملان هذه الحياة ويرتبطان معا مستقبل مجهول لا عمل وبطالة مستمرة ووعود لا تنفذ سمعت بعد ئذ ان الشاب قد هاجر بطريقة غير شرعية الى خارج العراق دون ان يكمل مشوار سنته الرابعة والأخيرة بقيت حبيبته تبكي على اطلال حبيبها والتي استلقي انا بالقرب منها تحدثت معها لكنها لا تسمعني كنت اتمنى ان تسمعني لأهون عليها طعم الفراق وبعد ايام احسست اني احمل على عربة يدفعها العمال انهم يبعدوني قسرا عن مكاني الابدي. انها الغربة في وطني لقد ركنت في مكان بعيد حتى التهمتني الحشائش والأدغال ولا يراني أحد يا الهي اني اشعر برغبة كبيرة في السبات من جديد ولكن لن اصحو ابدا هذه المرة لن اصحو ابدا هذه المرة.