كنت في كل عام أرسل كلمتي إلى الرفيق "أبو أوس" لأطمئن أنَّه يستحق التهنئة لحضوره الدائم في حياة الحزب، شعرت أن غيابه هذا العام مأساة شخصية لي، وقررت مع نفسي أن لا أرسل الكلمة إلا له. نم قرير العين، سيتذكرك رفاقك في الجبل والمدن العراقية والعربية، ومدن هولندا، وتلك الأيام التي رافقتني بها في المستشفى حين ملأت ما ينقص غربتي وهجرتي.
دائمًا ما تقترن الذكريات الحقيقية ببيت الطفولة، ومثلما يكون لك بيت تسكنه، للأفكار بيوت تسكنها. ذكرى مولد الحزب الشيوعي في 31 آذار 1934 هي بيت العراق الواسع: هوية وانتماء ومستقبلًا، ولأول مرة في تاريخ المدونات السياسية يكون يوم 31 آذار مقترنًا بالطفولة الفكرية للحداثة في العراق، فالتاريخ هذا ليس يومًا معينًا، بل هو هوية لسلسلة من الأيام النضالية التي سبقته ليتشكل منها زمن بيت الحزب الشيوعي العراقي.
نحن نشتغل على العلاقة بين الهوية والأمكنة، هذه ليست ولادة اعتباطية، يمكن للمتمعن بتاريخ الحزب وطرائق الاحتفال بها أن يجدها مناسبة وقتية وتذكير بالكيفية التي يستعد بها المحتفلون لقضاء ليلتهم مجتمعين، وتحمل الكثير من الأمكنة، بصمات هذا الاحتفال السنوي الدائري: غرف وأمكنة وبيوت ومدن وفضاءات. ومن يقرأ ما يكتب في هذه المناسبة السنوية يستطيع رسم خارطة للوعي الوطني المتصاعد بالرغم من مضي السنوات، ليجد أن كل المدن والسهول والجبال والأهوار والقرى شهدت احتفالات قام بها رجال ونساء عملوا وانتموا ووعوا أن جغرافية العراق ليست متضمنة في كلمات وجمل أو بيان تأسيسي أعلن في يوم 31 آذار فقط، بل بتلك الخارطة التي دونتها مجموعات على جدران السجون والبيوت في مختلف تضاريس أرض العراق حتى لكأنها شهادات لم يمح أثرها.
كبرنا والله، ولكن ذاكرتنا ما زالت تمسك بتلك الصبوات الأولى التي كنا نتحدى بها حتى آباءنا الذين يسألون: لماذا تحضرون شموعًا وحلويات ومشروبات وتغنون؟ لا أحد يستطيع سرد الحكاية، لتاريخها المعقد، حكاية ميلاد الحزب الشيوعي، حكاية إطار وطني احتوى كل الحكايات التي ولدت قبله وبعده، فحكاية الإطار تتحكم بمسار بقية الحكايات، يسقط بعضها لضيق أفقه النظري، ويمتد بعضها لسعة تفكيره، ولكنها جميعًا تؤسس عمرًا تجاوز التسعين.
إنه الحزب الشيوعي، ليس مجرد ميلاد يعاد الاحتفال به، بل هو دورة حياة تتجدد في كل ربيع. وكنا نحيل سؤال الاحتفال إلى الجغرافيا، وليس إلى التاريخ، فالأمكنة هي الأزمنة العراقية التي كتب الشيوعيون عليها أفكارهم وتناقضاتهم. في هذا اليوم تكتسب الأرض العراقية سماتها الوطنية، يوم ينمو الضياء كما لو كان فجرًا لا يغيب، ويوم تتجدد الروح الوطنية لأن الشيوعيين من بين من يتحسسون المستقبل بأدوات مجربة.
هكذا كنا نعمل من كلمات قليلة قصصًا وحكايات ومادة صحفية وقصائد، نستذكر بها ونودعها لدى الرفاق الجدد كذاكرة. لا أعتقد أن احتفالًا في مدينة يحضره المئات — وقد حضرت كل احتفالات الحزب في بغداد منذ عام 1972 — يشعرني بالقوة مثل تلك التي كنت أحضرها مع رفاق الخلايا في البساتين والبيوت، فهي بطعم تلك الأضواء التي بقيت متألقة منذ عام 1934. الأمكنة هي الطاقة التي تحفظ ذاكرتنا الأرضية، ويا ليت من يكتب بهذه المناسبة أن يدون خصوصية الأمكنة كشواهد على ارتباط أرض العراق بميلاد حزب العراق.
كبرنا يا جارتي العزيزة على الذكريات، حين كنت توزعين منشورات الحزب دون علمي، كبرنا وقد انحنت ظهورنا، ولم نكن نأمل يومًا أن نتغير أو نتبدل، فقد كنا مرهونين لقدرية غامضة، من أن التاريخ سيفعل ما تعجز عنه الجغرافيا. هل كان هذا وهمًا أم أننا لقنا به كإيديولوجيا ساكنة؟ ما كنا نحسب للتاريخ أي دور، لأن الماضي مهما كان، لا يمكن الزراعة في تربته. هكذا كان تفكيرنا نقديًا، لقد سقطت تلك المقولات التي تعتمد على الحتمية دون إرادة.
كبرنا وخطابي لأصدقائي، لقد تجاوزنا كل العقبات، ولم نتعثر أو نلتفت حتى للكلام المبطن الذي يقوله بعض الأصدقاء من أن دور الحزب انتهى لأنه لم يستغل الفرص التي أُتيحت له ليُستلم الحكم. من قال إن الشيوعيين الأنقياء المخلصين يبحثون عن كراسٍ؟ دائمًا ما يخلخل المستقبل هو التفكير بالكراسي. نحن الذين نعرف أين هو الوطن، نبقى لاعبين أقوياء، لذلك نتشبث بماضينا، وإن اختلفت سنتنا، الأفكار العظيمة أبنية نسكنا، الأمكنة التي دائمًا ما تكون مقرنة بالتغيير، هي أمكنتنا.
تحية لميلاد الحزب الشيوعي العراقي الذي حوّل 31 آذار من يوم عادي من أيام السنة إلى سجل يُعاد به قراءة كتاب الشهادة الوطنية.