في زمن التغيّرات المتسارعة والتحولات العالمية العميقة، يواجه اليسار العربي أزمة غير مسبوقة، ليس فقط في أدواته التنظيمية أو خطاباته التقليدية، بل في جوهر دوره السياسي والثقافي والاجتماعي. فالعالم الذي صاغ مرجعياته النظرية وأدواته النضالية لم يعد كما كان، الرأسمالية نفسها تحوّلت، الدولة الوطنية تبدّلت أدوارها، وتفكّكت أشكال الصراع الاجتماعي الكلاسيكية، مما يجعل من السؤال عن الدور الحقيقي للّيسار العربي سؤالًا وجوديًا: كيف يقرأ الواقع اليوم، وبأي أدوات، وبأي أفق؟
منذ نهاية الحرب الباردة، دخل النظام العالمي مرحلة هيمنة نيوليبرالية متطرفة، لم تعد فيها السوق مجرّد فضاء اقتصادي، بل أيديولوجيا شاملة تعيد إنتاج السلطة والمعنى والوعي الاجتماعي. النيوليبرالية اليوم لا تكتفي بإعادة توزيع الثروة لصالح القلّة، بل أعادت تشكيل العلاقات الاجتماعية نفسها، وحوّلت السياسة إلى إدارة تقنية، والدولة إلى وسيط لخدمة رأس المال، والإنسان إلى فرد منعزل، يتحمّل وحده مسؤولية مصيره. في هذا السياق، تُفرّغ مفاهيم العدالة والحرية والديمقراطية من مضمونها الاجتماعي لتصبح شعارات إعلامية لا تعكس الواقع.
هذا التحوّل البنيوي أصاب الأرضية الفكرية للّيسار العربي في صميمها. فجزء كبير من خطاب اليسار ظلّ يتعامل مع الرأسمالية بوصفها نظام إنتاج تقليدي، في حين أنها اليوم نظام مالي وريعي يهيمن على الإعلام والثقافة والوعي الاجتماعي. وبينما كان يُفترض باليسار تطوير أدواته التحليلية لمواجهة هذه التحولات، ظلّ جزء منه أسير مقولات جاهزة، أو متشبّثًا بنماذج تنظيمية تقليدية لم تعد صالحة للتطبيق في سياق العالم المعاصر.
تاريخيًا، ارتبط تشكّل اليسار العربي بسياق مزدوج: مقاومة الاستعمار، والنضال من أجل العدالة الاجتماعية داخل الدولة الوطنية الناشئة. وقد منح هذا التلاقي شرعية واسعة للّيسار، وجعله فاعلًا مركزيًا في السياسة والثقافة، وموضع ثقة جماهيرية واسعة في الفضاء العام. غير أن الدولة الوطنية نفسها، في كثير من السياقات العربية، تحوّلت من أفق محتمل للتحرر والتنمية إلى جهاز لإدارة التبعية، وضبط المجتمع، وإعادة إنتاج الامتيازات الطبقية. هذا التحوّل وضع اليسار أمام مأزق نظري وسياسي عميق: كيف يمكن نقد الدولة دون الوقوع في الفراغ السياسي، وكيف يمكن الدفاع عن المجتمع دون امتلاك أدوات بديلة فعّالة؟
في هذا السياق، بدا موقف اليسار من الدولة متردّدًا. من جهة، لم يعد قادرًا على اعتبارها أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية، ومن جهة أخرى، لم ينجح في بناء أشكال تنظيمية واجتماعية بديلة. وبدل الانخراط في نقد جذري لبنية السلطة والاقتصاد، انجرف جزء من اليسار إلى خطاب إصلاحي عام، أو معارك رمزية لا تمسّ جوهر علاقات القوة. هذا التردد انعكس أيضًا على قدرته على التفاعل مع التحولات الاجتماعية الجديدة، خاصة صعود الهويات الجزئية وانتشار الفردانية، وتفكك المجتمعات المدنية التقليدية، ما خلق فراغًا استغله خصومه السياسيون والاجتماعيون.
تعمّقت الأزمة مع موجات الاحتجاجات العربية في العقد الأخير، التي كشفت هشاشة البنى التنظيمية، وضعف حضور اليسار في الفئات الاجتماعية التي طالما ادّعت تمثيلها. صحيح أن الاحتجاجات عبّرت عن غضب اجتماعي عميق ورفض واسع للظلم والفساد، لكنها أظهرت أيضًا غياب مشروع يساري متكامل قادر على تحويل هذا الغضب إلى مسار تحرري مستدام. وبين قوى السلطة التقليدية، وقوى السوق المعولمة، وصعود الشعبوية الجديدة، وجد اليسار نفسه أكثر مراقبًا منه فاعلًا.
أزمة اليسار العربي ليست تنظيمية فقط، بل تشمل أيضًا وعيه ودوره التاريخي. فقد تغيّرت طبيعة الصراع الاجتماعي. لم تعد الطبقة العاملة تتشكّل في فضاءات إنتاج واضحة المعالم، ولم تعد علاقات الاستغلال قابلة للرصد بسهولة. الاقتصاد غير المنظم، والعمل الهش، والبطالة المقنّعة، واقتصاد المنصات الرقمية، أعادت تركيب البنية الطبقية بطرق معقدة تتطلب أدوات تحليلية جديدة، ومفاهيم مرنة لفهم الوعي الطبقي في ظل تحولات اجتماعية معاصرة.
إلى جانب ذلك، يواجه اليسار أزمة ثقافية وفكرية. فقد نجحت النيوليبرالية في تفكيك القيم الجماعية، وتحويل مفاهيم التضامن والعدالة إلى قضايا أخلاقية فردية، معزولة عن سياقها الاجتماعي والسياسي. وفي ظل هذا المناخ، تراجع دور المثقف النقدي، وحلّ مكانه مثقف تبريري أو تقني يفسّر الواقع دون مساءلته، ويكتفي بإعادة إنتاج السائد، بدل تحديه. هذه الأزمة الثقافية لا تقل أهمية عن الأزمات التنظيمية والسياسية، فهي تؤثر مباشرة في قدرة اليسار على تشكيل وعي جماهيري قادر على مقاومة التفكك الاجتماعي.
كما أن الأزمة أعمق، فهي تشمل الأفق النظري للّيسار. كثير من التحليلات الاقتصادية والسياسية التقليدية لم تعد كافية لفهم تحولات السلطة، وطرق إعادة إنتاج الامتيازات، ودور المؤسسات الإعلامية في تشكيل الرأي العام، ومحدودية الديمقراطية التمثيلية في مواجهة المنطق النيوليبرالي العالمي. ومن هنا، يحتاج اليسار إلى تطوير خطاب جديد يربط بين التحولات الاقتصادية والسياسية والثقافية في إطار رؤية شاملة وقادرة على التغيير.
مع ذلك، فإن الحديث عن أزمة اليسار لا ينبغي أن يتحوّل إلى خطاب يأس. فالتاريخ يُظهر أن لحظات الانكسار الكبرى غالبًا ما تحمل إمكانات للتجديد. فالعالم اليوم يعيش حالة انكشاف عميق: اتساع الفجوة الطبقية، تآكل منظومات الحماية الاجتماعية، انهيار سرديات التقدّم الخطي، وازدواجية صارخة في الخطاب الحقوقي الدولي. هذه التناقضات تعيد طرح السؤال الاجتماعي بقوة، وتكشف محدودية النظام النيوليبرالي في تقديم إجابات مستدامة.
هنا، تبرز أمام اليسار العربي فرصة تاريخية لإعادة بناء ذاته، شريطة أن يجرؤ على نقد نفسه دون مواربة، وأن يتخلّى عن وهم استعادة الماضي لصالح ابتكار أفق جديد للفعل السياسي والاجتماعي. أفق لا يقوم فقط على الحزب التقليدي، ولا يذوب في الحركات الاحتجاجية العابرة، بل يربط بين التنظيم والوعي، وبين السياسة والثقافة، وبين المحلي والعالمي، في إطار مشروع تحرّري متكامل.
إن تجديد اليسار يبدأ بإعادة طرح الأسئلة الكبرى: من نمثّل؟ ما طبيعة الصراع الذي نخوضه؟ وكيف يمكن الربط بين معارك الخبز والكرامة، ومعارك الحرية والسيادة؟ دون هذه الأسئلة، سيبقى اليسار أسير نقدٍ دائري، أو حنينٍ عقيم إلى زمن لم يعد ممكنًا استعادته.
في عالم يزداد قسوة وعدمية، يبقى السؤال الاجتماعي مفتوحًا، وينتظر من يملك الشجاعة الفكرية والسياسية لحمله من جديد. واليسار العربي، إن أراد استعادة دوره التاريخي، مطالب اليوم بأن يكون أقلّ صخبًا وأكثر عمقًا، أقلّ شعارات وأكثر ابتكارًا، وأن يعيد بناء المعنى قبل أن يسعى إلى استعادة النفوذ
لا يستطيع اليسار العربي بكل تعبيراته الفكرية والسياسية ان يأخذ مكانه الطبيعي والريادي والتاريخي دون الذهاب إلى اقاصي الحلم السياسي المرتبط تحديداً ببوصلته المركزية، الدفاع بلا هوادة عن الأفق الاجتماعي للدولة في سياق حكم ديمقراطي تعددي ومنظومة حقوقية صلبة وترسيخ ثقافة التنوير والمواطنة الكاملة..
ــــــــــــ
* كاتب صحفي وباحث تونسي مهتم بقضايا التنمية والمواطنة والنزاعات الإقليمية والدولية وآخر تطورات الصراع العربي/ الصهيوني.