يواجه مجلس النواب انتقادات متواصلة بشأن مستوى أدائه في ملفي التشريع والرقابة، وسط تراكم مشاريع القوانين وتأخر حسم عدد منها، إلى جانب ملاحظات تتعلق بغياب عدد من النواب عن الجلسات وضعف استخدام أدوات الرقابة البرلمانية، بالتزامن مع استمرار الجدل بشأن الامتيازات والحمايات والنفقات المرتبطة بأعضاء المجلس، وعودة ملف الفساد إلى الواجهة، بعد توقيف نواب على ذمة قضايا فساد وصدور أحكام قضائية بحق آخرين.

100 مشروع قانون ينتظر القراءة

يقول الباحث في الشأن السياسي جعفر حسن الكعبي، أن من أبرز الواجبات الدستورية لمجلس النواب تتمثل في التشريع والرقابة، مبيناً أن تقييم أداء المجلس في هذين الملفين يكشف عن ضعف واضح، ولا سيما في الجانب الرقابي.

ويصف الكعبي في حديث لـ"طريق الشعب" الأداء التشريعي للمجلس بأنه "ضعيف جداً"، موضحاً أن البرلمان قد ينجح في تمرير بعض القوانين المهمة عند الضرورة، كقوانين الموازنة، إلا أن نسبة كبيرة من التشريعات ما تزال معطلة نتيجة الخلافات السياسية والمحاصصة وعدم التوافق بين القوى السياسية، لافتاً إلى وجود أكثر من 100 مشروع قانون متراكم من دورات سابقة، ولم يحسم تشريعها.

وتؤكد معطيات نيابية حديثة استمرار هذا التراكم؛ إذ أعلنت اللجنة القانونية النيابية في حزيران الماضي وجود أكثر من 100 مشروع قانون لا تزال بانتظار القراءة والمناقشة والتصويت، ومن بينها مشاريع تتعلق بالخدمة المدنية وتعديل سلم رواتب الموظفين.

وفي ما يتعلق بالدور الرقابي، يصف الكعبي أداء مجلس النواب بأنه أضعف من الجانب التشريعي، مشيراً إلى أن استخدام أدوات الرقابة البرلمانية، من الأسئلة والاستجوابات وصولاً إلى سحب الثقة، ما يزال محدوداً جداً، فيما لا تنشر اللجان الرقابية تقاريرها بصورة دورية تتيح للرأي العام الاطلاع على نتائج عملها.

ويضيف أن غياب عدد من النواب عن جلسات المجلس ينعكس سلباً على انتظام الجلسات واكتمال النصاب، فضلاً عن تأثيره في مستوى الأداء التشريعي والرقابي، مؤكداً أن حضور النائب ومشاركته الفعلية ينبغي أن يكونا جزءاً أساسياً من تقييم أدائه أمام الناخبين.

ويشير الكعبي إلى أن قياس نجاح مجلس النواب لا ينبغي أن يعتمد على عدد القوانين التي شرّعها فقط، وإنما على طبيعة هذه القوانين ومدى تأثيرها المباشر في حياة المواطنين، متسائلاً عن حجم ما أُنجز فعلياً من التشريعات المرتبطة بالضمان الاجتماعي، والنفط والغاز، وسلّم الرواتب، ومعالجة الفقر والبطالة، فضلاً عن ملفات الصحة والتربية والتعليم والصناعة والزراعة.

ويرى أن تعزيز الشفافية يبدأ من نشر جداول حضور وغياب النواب بشكل منتظم وواضح، بما يمكّن الرأي العام والناخبين من معرفة النواب الملتزمين بحضور جلسات المجلس والمشاركة في أعماله، وتقييم مدى اهتمامهم بالملفات التي تمس مصالح المواطنين.

ويطرح الكعبي جملة من الإجراءات التي يراها ضرورية لإصلاح الأداء البرلماني، في مقدمتها تفعيل دور الأجهزة الرقابية والقضائية، ومنها القضاء وهيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية والادعاء العام، مؤكداً أن مجلس النواب لا يمكن أن يكون الجهة الوحيدة التي تراقب أداء أعضائه.

كما يشدد على ضرورة التعامل مع شبهات الفساد بعيداً عن الحماية السياسية، مبيناً أن أي نائب تتوافر بحقه أدلة أولية جدية يجب أن يخضع للإجراءات القانونية والقضائية وفقاً للدستور والقانون، لأن استمرار الحماية من المساءلة، بحسب رأيه، يفقد العملية الرقابية مصداقيتها ويحوّلها إلى إجراء شكلي.

وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة في ضوء التطورات التي شهدها العراق خلال العام الحالي، إذ أعلنت وكالة الأنباء العراقية في 28 حزيران 2026، نقلاً عن مصادر رفيعة، إلقاء القبض على عدد من أعضاء مجلس النواب ومسؤولين بتهم فساد، عقب اعترافات وكيل وزارة النفط عدنان الجميلي.

وأثارت تلك القضية نقاشاً واسعاً بشأن علاقة الموقع النيابي بالمساءلة القانونية، لا سيما أن الاعتقالات جاءت بعد رفع الحصانة عن النواب المعنيين، وفق ما أوردته مصادر إعلامية حول القضية. فيما يبقى التوقيف أو الاتهام إجراءً ضمن مسار التحقيق ولا يعني بحد ذاته ثبوت الإدانة القضائية.

ويربط الكعبي إصلاح المؤسسة التشريعية أيضاً بملف الامتيازات، داعياً إلى مراجعة وتقليل الامتيازات الممنوحة للنواب، بما فيها بدلات السكن والحمايات والمنافع والإنفاق المرتبط بمؤسسات الرئاسات، معتبراً أن ضبط هذه النفقات ينسجم مع متطلبات التقشف وترشيد المال العام.

الحمايات والامتيازات

وضمن السياق، يقول الخبير الأمني صفاء الأعسم إن قرار تقليص أعداد أفراد الحماية المخصصة لأعضاء مجلس النواب إلى أربعة أشخاص لم يُنفذ بالشكل المطلوب، مؤكداً أن استمرار حصول المسؤولين على أعداد كبيرة من الحمايات والنفقات المرتبطة بها، يمثل أحد أوجه الهدر في المال العام.

ويضيف الأعسم أن ملف الحمايات يحمل جانباً من الفساد، خصوصاً عندما يتولى المسؤول توزيع الرواتب المخصصة لحمايته بنفسه، معتبراً أن ذلك يفتح الباب أمام وجود أفراد يتقاضون رواتب دون أداء فعلي أو حضور منتظم، بينما تُستنزف أموال الدولة في نفقات لا تتناسب مع حجم المهام الموكلة إليهم.

ويؤكد أن حماية النواب والمسؤولين يجب أن تخضع إلى آلية مؤسساتية موحدة، موضحاً أن وزارة الداخلية تمتلك مديرية مختصة بحماية الشخصيات، وبالتالي لا ينبغي أن يكون النائب أو المسؤول مستثنى من القواعد التي تنطبق على بقية المسؤولين.

ويرى أن اختيار الحمايات على أساس الانتماء الحزبي أو الكتلي يمثل مشكلة أخرى، مبيناً أن بعض الكتل توفر عناصر حماية لنوابها، لكن الدولة هي التي تتحمل في النهاية رواتب ونفقات هذه العناصر، وهو ما يضاعف العبء على المال العام.

ويشدد الأعسم على أن الظروف الأمنية الحالية المستقرة لا تبرر استمرار بعض مظاهر الحماية المبالغ فيها، متسائلاً عن الحاجة إلى أرتال تضم عدداً كبيراً من السيارات وعشرات أفراد الحماية لمرافقة عضو مجلس النواب، ولا سيما أن الوضع الأمني لا يستدعي هذه المستويات من الإجراءات التي كانت مبررة في ظل ظروف سابقة.

ويصف هذه المظاهر بأنها جزء من ثقافة متوارثة لدى بعض المسؤولين، تقوم على ربط المنصب بالمظاهر والبذخ وكثرة الحمايات والسيارات، معتبراً أن هذه المظاهر لا تعكس بالضرورة حاجة أمنية حقيقية بقدر ما أصبحت جزءاً من صورة المسؤول في الدولة.

ويدعو الأعسم إلى إعادة تنظيم ملف الحمايات والسيارات الحكومية من خلال إجراءات واضحة وملزمة، بحيث تتولى وزارة الداخلية حصراً مسؤولية توفير الحماية وفق تقييم أمني حقيقي، فيما لا تتحمل الدولة رواتب عناصر الحماية الذين يتم جلبهم من الأحزاب والكتل السياسية خارج الأطر الرسمية.

كما يقترح المتحدث وضع سقف لعدد السيارات المرافقة للمسؤولين، بحيث لا يتجاوز ثلاث سيارات في الحالات الاعتيادية، مع استثناء الرئاسات الثلاث والجهات التي تتطلب طبيعة مهامها ترتيبات أمنية خاصة.

ويؤكد أن معالجة هذا الملف لا ترتبط فقط بخفض عدد الحمايات أو السيارات، وإنما بإعادة بناء مفهوم حماية المسؤول على أساس الحاجة الأمنية الفعلية، لا مكانة المنصب أو الانتماء السياسي، خصوصاً في ظل الضغوط المالية التي تواجه الدولة ووجود مؤسسات وقطاعات لا تزال تعاني من نقص الموارد.

هل رواتب النواب هي أصل المشكلة؟

في المقابل، يقول رئيس مركز البيان للدراسات علي طاهر، إن "رواتب شاغلي المناصب العليا ومخصصاتهم ونفقات حماياتهم وغيرها لا تتجاوز أقل من نصف بالمئة من إجمالي الموازنة السنوية"، مردفا حديثه بأن امتيازات هؤلاء المسؤولين تثير شعورا لدى عامة الناس بعدم العدالة.

ويضيف طاهر في حديث لـ"طريق الشعب"، أن البنية الأساسية لمشكلة الهدر والفساد لا تكمن في رواتب المسؤولين، وإنما في منظومة إدارية وتشريعية واقتصادية أوسع.

ويلفت إلى ضرورة مراجعة آلاف القوانين والأنظمة والتعليمات المتراكمة، مشيراً إلى وجود نحو 21 ألف قانون ونظام وتعليمات تعود إلى مراحل مختلفة، ويرى أن استمرار هذه المنظومة أسهم في تشكيل بيئة اقتصادية هشة لا تزال ريعية ولا تمنح القطاع الخاص والإنتاج وفرص العمل الاهتمام الكافي، بينما تدفع باتجاه الاستهلاك وتبقي الاقتصاد بعيداً عن التنويع المطلوب.

ويدور حول البرلمان بدورته السادسة لغطا كبيرا بسبب تلاعب المال السياسي والعام بإرادة الناخبين، والاشكالات التي انطوى عليها قانون الانتخابات، وما رافق الاقتراع من انتهاكات، أخلت، بحسب مراقبين، بشرعية ممثلي الشعب؛ فمنذ بداية تشكيله، تغلغل الصراع السياسي والحزبي في لجانه البرلمانية، ما عطل عمل تلك اللجان، حيث أخذت الكتل الكبرى تفرض نفوذها، وتتقاسم رئاسة اللجان السيادية (كالمالية، والأمن، والنزاهة) وفق مبدأ المحاصصة الحزبية، بدلاً من معايير الكفاءة والتخصص.

نوعية التشريع وفاعلية الرقابة

وفي هذا الصدد، أكد النائب كلدو رمزي أهمية الإبقاء على لجنة الثقافة والإعلام والسياحة والآثار مستقلة، محذراً من أن دمجها مع لجنة نيابية أخرى قد يؤدي إلى تشتيت اختصاصاتها وإضعاف دورها التشريعي والرقابي.

وقال النائب لـ"طريق الشعب"، إن مجلس النواب صوّت في جلسته العاشرة المنعقدة في 17 شباط 2026 على تعديل نظامه الداخلي وتشكيل 22 لجنة نيابية دائمة، معتبراً أن الالتزام بما أقره المجلس يمثل أساساً لاستقرار عمل اللجان وتنظيم مهامها.

وأضاف أن لجنة الثقافة والإعلام والسياحة والآثار تضم قطاعات واسعة وحيوية، لكل منها مؤسسات وتشريعات وملفات رقابية متعددة، مبيناً أن إضافة اختصاصات جديدة إليها ستنعكس سلباً على قدرتها في متابعة تلك الملفات.

وأوضح أن مخاطبات رسمية رُفعت إلى رئاسة مجلس النواب ونائبيه للمطالبة بالإبقاء على اللجنة منفردة، مشيراً إلى أن ذلك ينسجم مع ما أقره المجلس ومع آلية العمل المعتمدة في دورات نيابية سابقة.

وبشأن أداء مجلس النواب، رأى رمزي أن تقييم المؤسسة التشريعية يجب ألا يقتصر على عدد القوانين والجلسات، وإنما يقاس بنوعية التشريعات وفاعلية الرقابة وانعكاسها على حياة المواطنين وحماية المال العام.

وفي ملف الفساد، شدد على ضرورة التفريق بين الاتهام والإدانة، مؤكداً أن الصفة النيابية لا ينبغي أن تكون غطاءً يحول دون التحقيق والمساءلة، ودعا إلى مكافحة الفساد بصورة شاملة وغير انتقائية، والتحقق من مصادر الثروات والممتلكات غير المتناسبة مع الدخول المعروفة، وفق القانون ومبدأ «من أين لك هذا؟».