ووثقت مقاطع فيديو نشرها الناشط البيئي أحمد صالح نعمة، كارثة بيئية في قناة العمشان بناحية الخير التابعة لقضاء المجر الكبير في محافظة ميسان، بعد نفوق عشرات الأسماك وسط انخفاض حاد في مناسيب المياه وتراجع الإطلاقات المائية، في مشهد يعكس تدهور نوعية المياه داخل القناة.

وشرح نعمة، في مقطع فيديو تابعته "طريق الشعب"، حادثة نفوق الأسماك، قائلا إنها جاءت نتيجة ضحالة المياه وتعفنها، بفعل استهلاك الأوكسجين الموجود فيها، مؤكدًا أن المشهد ذاته بات مألوفا بشكل سنوي من دون معالجة جذرية تحول دون عودته.

ظاهرة سنوية

يقول مرتضى الجنوبي، ناشط بيئي ومهتم بقضايا الأهوار، إن نفوق الأسماك في المنطقة يمثل ظاهرة سنوية تتكرر نتيجة تراجع الإطلاقات المائية، محذرا من تداعياتها المتصاعدة على سكان الأهوار والثروة السمكية والحيوانية.

ويضيف الجنوبي لـ"طريق الشعب"، أن المنطقة التي شهدت حادثة النفوق تقع ضمن الأهوار الوسطى، وهي منطقة استعادت جزءا من حيويتها خلال الفترة الأخيرة بفعل السيول والأمطار، ما أسهم في انتعاش الثروة السمكية فيها.

ويردف كلامه أن هذا الانتعاش لم يستمر طويلا إذ عادت وزارة الموارد المائية، بحسب قوله، إلى تقليل الإطلاقات المائية المخصصة للمنطقة أو قطعها، في وقت كانت الأسماك لا تزال في طور الانتعاش والنمو.

ويشير الجنوبي إلى أن ناشطين بيئيين حذروا الجهات المعنية قبل نحو شهر من احتمال تكرار حادثة النفوق، بعد ملاحظة تراجع المياه وحصر الأسماك في مساحات محدودة، إلا أن تلك التحذيرات، لم تلقَ استجابة، بحسب قوله.

ويوضح إلى أن نفوق الأسماك بدأ بعد انخفاض مستويات الأوكسجين في المياه نتيجة قطع الإطلاقات المائية، مؤكدًا أن "هذه الظاهرة سنوية وتتكرر مع كل انخفاض حاد في مناسيب المياه".

ويبين أن أضرار هذه الأزمة لا تقتصر على الثروة السمكية، بل تمتد إلى سكان الأهوار والصيادين ومربي الجاموس، موضحا أن الجاموس نفسه بات يتضرر من تدهور نوعية المياه، كونها المصدر الذي تعتمد عليه الحيوانات للشرب.

ويشكو الجنوبي من غياب المتابعة الحكومية لهذه القضية، رغم ما تمثله الأهوار من أهمية اقتصادية وبيئية وما توفره من مصادر للرزق للسكان، فضلًا عن كونها موطنا للثروة السمكية والحيوانية.

ويستبعد أن يكون الصيد الجائر سببا في حادثة النفوق الحالية، مشيرا إلى وصول وفود من وزارتي البيئة والموارد المائية، ومديرية إنعاش الأهوار، لمتابعة الوضع بعد انتشار مشاهد نفوق الأسماك.

مياه مفاجئة تجرف الأسماك النافقة

ويلفت إلى ان المياه أُطلقت بكميات كبيرة قبيل وصول الوفود الحكومية الأمر الذي أدى إلى دفع الأسماك النافقة بعيدا عن مواقع تجمعها بهدف إظهار المنطقة في الصور ومقاطع الفيديو وكأنها خالية من آثار النفوق، وبالتالي فأن الجهات الحكومية نفت، كعادتها، وجود نفوق واسع للأسماك واعتبرت ما حدث مجرد "كم جرية ميتة"، وربطت الأمر بالصيد الجائر، بينما يرى الجنوبي أن الوفود لم تصل إلى المناطق التي شهدت مجزرة النفوق.

مشكلة ادارية

من جانبه، علق مرصد العراق الأخضر على الحادثة، معتبرا أن نفوق الأسماك في أنهار وأهوار العراق أصبح "نمط سنوي متكرر» يعكس تراكما خطيرا في أزمتي المياه والتلوث، في ظل غياب حلول جذرية تمنع تكرار الظاهرة عامًا بعد آخر.

وقال المرصد، في بيان تابعته "طريق الشعب"، إن أحدث موجتين من نفوق الأسماك سُجلتا خلال العام الحالي؛ الأولى في نيسان الماضي، عندما نفق أكثر من ألف طن من الأسماك في نهري دجلة وديالى، وتركزت الخسائر في محافظة واسط، إثر تلوث حاد نجم عن مخلفات صرف صحي غير معالجة ومخلفات صناعية.

وأضاف أن الحادثة تزامنت مع زيادة الإطلاقات المائية من سد حمرين، ما أدى إلى جرف الملوثات المتراكمة باتجاه نهر دجلة، متسببًا، بحسب المرصد، بأكثر من 20 حالة تسمم وإصابة جلدية، نُقل أصحابها إلى المستشفى.

أما الموجة الثانية، فسُجلت مطلع آب الحالي في قناة العمشان بمحافظة ميسان، حيث أرجعت لجنة الزراعة والمياه في مجلس المحافظة أسباب الحادثة إلى التراجع الحاد في الإطلاقات المائية المخصصة للقناة. واشار إلى أن نفوق الأسماك تزامن مع إعلان ارتفاع الخزين المائي الكلي في البلاد إلى نحو 34 مليار متر مكعب، معتبرا أن ذلك "يشير إلى أن جذر المشكلة إداري بامتياز، وليس مرتبطًا فقط بشح الموارد".

وتأتي حادثة قناة العمشان ضمن سلسلة طويلة من حوادث النفوق الجماعي للأسماك التي شهدتها المسطحات المائية العراقية خلال السنوات الماضية. فقد وثّق المرصد حالات نفوق مماثلة في نهر الفرات بمحافظة بابل عام 2018، بأعداد قُدرت بعشرات آلاف الأطنان، أعقبتها حالات نفوق لملايين الأسماك في سدة الهندية، ثم في هور الدلمج بمحافظة الديوانية عام 2020.كما شهد نهر العز في محافظة ميسان عام 2023 نفوق أطنان من الأسماك في المنطقة ذاتها التي تكرر فيها الحادث هذا العام، وصولًا إلى نفوق واسع شهدَه هور ابن نجم في محافظة النجف خلال العام الماضي.

الرواية الحكومية تتهم الصيد الجائر

ويصف الناشط البيئي من محافظة ميسان مصطفى هاشم، نفوق الأسماك في الأهوار بأنه "كارثة تتكرر كل موسم"، فيما حذر من تراجع الإطلاقات المائية الذي بات يهدد النظام البيئي في المنطقة بصورة متكررة.

ويقول هاشم لـ"طريق الشعب"، إن المشكلة ليست جديدة إذ تتكرر خلال فصل الشتاء من كل عام، مع انخفاض كميات المياه الواصلة إلى أجزاء من الأهوار والبحيرات. ومع تراجع الإطلاقات، تبدأ المسطحات المائية بالجفاف تدريجيًا، فيما تنخفض مستويات الأوكسجين في البرك والأنهار، وصولًا إلى حالات نفوق جماعي للأسماك.

ويضيف أن "المشهد ذاته تكرر خلال السنوات الثلاث الماضية، وان استمرار المشكلة بهذا الشكل يكشف عن خلل مزمن في إدارة المياه وحماية البيئة المائية".

ويرى الناشط أن الصيد الجائر، رغم كونه ممارسة تضر بالثروة السمكية، لا يمثل السبب الرئيس في الكارثة الحالية، لأن نفوق الأسماك أدى أصلًا إلى استنزاف أعداد كبيرة منها داخل الهور أو البحيرة.

ويشير إلى أن بعض أساليب الصيد غير السليمة تزيد من حجم الضرر، لكنه يعتقد أن الأضرار الناجمة عن سوء إدارة المياه وانخفاض الإطلاقات المائية أكبر بكثير. ويضع هاشم جانبا من المسؤولية على عاتق المؤسسات الحكومية، منتقدا ما يصفه بتناقض الروايات الرسمية بشأن أسباب نفوق الأسماك.

ويقول إن فرقا حكومية أجرت كشفا ميدانيا وذهبت إلى أن انخفاض مستويات الأوكسجين ليس السبب وراء النفوق، وأن الصيد الجائر هو العامل الأساسي.

لكن، بحسب هاشم، جاءت نتائج فحوصات أجرتها دائرة الزراعة لتشير إلى أن مستويات الأوكسجين في المياه كانت منخفضة إلى درجة قاتلة بالنسبة إلى الأسماك، وفي المنطقة نفسها التي كانت وزارة الموارد المائية قد نفت فيها رواية الناشطين بشأن نقص الأوكسجين.

ويصف هاشم هذا التناقض بين المؤسسات الحكومية بأنه "عجيب وغريب"، معتبرا أن المشكلة لا تتعلق فقط بنقص المياه، بل أيضا بطريقة تعامل الجهات الرسمية مع الأزمة.

ويقول إن مهمة وزارة الموارد المائية، في الأساس، هي الحفاظ على الإطلاقات المائية بما يضمن استمرار الحياة داخل هذا النظام البيئي، لكن قطع المياه أو خفضها إلى مستويات متدنية، بحسب رأيه، يؤدي إلى انهيار المنظومة المائية، وتجفيف أجزاء من الأهوار.

ويشير إلى أن الاهالي أنفسهم كانوا يتحدثون عن الكارثة قبل وصول الوفد التابع لوزارة الموارد المائية، ما يعكس، بحسب تعبيره، حجم الفجوة بين الواقع الذي يعيشه السكان والرواية التي تقدمها بعض المؤسسات الحكومية.

ويختتم هاشم انتقاده بالقول إن الاعتراف بالتقصير حتى لو كان سببه عدم توفر كميات كافية من المياه، سيكون أقل ضررا من إنكار المشكلة أو تقديم روايات متناقضة معها، معتبرا أن "التناقض والنفاق المؤسساتي أسهما في تعقيد الأزمة، فيما يبقى المتضرر الأكبر هو النظام البيئي وسكان الاهوار والثروة السمكية".