على قاعة مركز بغداد للتنمية القانونية والاقتصادية التأمت أعمال الورشة الاقتصادية حول دور القطاع الصناعي الخاص في عملية التنمية الاقتصادية في العراق، حاضر فيها السيد محمد الموسوي نائب رئيس اتحاد الصناعات العراقي، وقدّمه الدكتور علي مهدي رئيس المركز، ليتناول آخر تطورات القطاع الخاص وإسهاماته في استراتيجية التنمية الاقتصادية.
وفي هذا الشأن، عرض المحاضر دخول الصناعة العراقية، بعد التغيير في عام 2003، مرحلة جديدة اتسمت بعدم وجود رؤية اقتصادية واضحة المعالم لدى الحكام الجدد الذين أوكلوا توجيه السياسة الاقتصادية إلى إدارة الاحتلال، فضلاً عن تأثير توجيهات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، التي أصبح العراق بعد مدة وجيزة عضواً مراقباً فيها تمهيداً لانضمامه الكامل لاحقاً.
وأشار إلى أن السياسات الاقتصادية التي خطط لها الحاكم الإداري الأميركي تضمنت إطلاق حرية حركة البضائع ورأس المال، وما ترتب على ذلك من الانتقال من الاقتصاد المركزي إلى اقتصاد السوق، إلى جانب اعتماد سياسة الخصخصة للمؤسسات والمصانع الحكومية. وقد أدى فتح الحدود في إطار السوق المفتوحة إلى إغراق السوق بمختلف البضائع الرديئة، الأمر الذي وضع الصناعة الوطنية في منافسة غير عادلة مع نظيرتها الأجنبية.
وبيّن أن هذه السياسات قادت في نهاية المطاف إلى توقف معظم معامل القطاع الخاص، فضلاً عن الشلل التام الذي أصاب معامل القطاع العام، وما رافق ذلك من أعمال سرقة وتخريب للبنى التحتية، من دون اتخاذ أي إجراءات حمائية لتلك المنشآت.
وأضاف السيد الموسوي أن من العوامل التي ساعدت على استمرار سياسة الإهمال الاقتصادي تحول السياسة الاقتصادية نحو الريعية، والتركيز على القطاع النفطي بعد ارتفاع أسعار النفط في السوق العالمية، الأمر الذي أدى إلى إهمال بقية قطاعات الاقتصاد الوطني، وأسهم في اتساع نطاق الفساد بصورة غير مسبوقة، وظهور طبقة كمبرادورية وبرجوازية بيروقراطية نسقت فيما بينها للاستحواذ على الثروة المتولدة من الموارد النفطية.
وأوضح أن هذه القوى استغلت الوفرة المالية لأغراض سياسية وكسب الأصوات الانتخابية، بهدف الهيمنة ليس على السلطة التنفيذية فحسب، بل على البرلمان أيضاً، إضافة إلى مواقع النفوذ داخل مؤسسات الدولة، عبر ما عُرف بـ "اللجان الاقتصادية" التي تولت السيطرة على العقود الحكومية والاستحواذ على موازنات الوزارات.
وأشار إلى أنه، وفي مقابل هذه السياسات، برزت أصوات وطنية داخل البرلمان وخارجه، ناضلت وسط صعوبات وتحديات كبيرة من أجل تغيير هذا النهج الاقتصادي.
كما تناول المحاضر الاتجاهات المعارضة للسياسات القائمة على الريع النفطي، والداعية إلى دعم وتشجيع الصناعة الوطنية والزراعة وتنويع مصادر الدخل، والسعي للتخلص التدريجي من الاقتصاد الريعي، رغم مقاومة القوى المتنفذة والمهيمنة على مراكز اتخاذ القرار.
وبيّن أنه، ورغم تلك التحديات، جرى تحقيق بعض النجاحات عبر إصدار منظومة من القوانين الحامية للمنتجات الوطنية والطبقات الاجتماعية المتضررة من سياسات المحاصصة، ومن أبرزها قانون حماية المنتجات الوطنية رقم 11 لسنة 2010، وقانون حماية المستهلك، وقانون المنافسة ومنع الاحتكار، وقانون التعرفة الكمركية، إلا أن هذه القوانين لم تجد طريقها إلى التنفيذ بسبب مقاومة القوى المتنفذة.
وأضاف أن الأزمة الأمنية التي تعرض لها العراق نتيجة هجمات التنظيمات الإرهابية وسيطرتها على ثلث مساحة البلاد، إلى جانب الأزمة الاقتصادية الناتجة عن انخفاض أسعار النفط، دفعت الحكومة إلى مراجعة بعض سياساتها، والشروع بمحاولات محدودة لتطبيق الإجراءات الحمائية وتنفيذ بعض تلك القوانين.
وتناول المحاضر المرحلة التي تولى فيها السيد محمد شياع السوداني رئاسة الحكومة، مبيناً أنها فتحت نافذة أمل لتنفيذ البرنامج الحكومي، وحققت انعطافة أسهمت في نمو تدريجي للقطاع الخاص. وأشار إلى أن اتحاد الصناعات العراقي كان له دور في دعم هذا القطاع، من خلال تأسيس المجلس الوزاري للاقتصاد، وإنشاء مجلس دعم الصناعة المرتبط برئاسة الوزراء.
ورغم نجاح هذه المؤسسات في إصدار عدد من القرارات الداعمة للصناعة والصناعيين، فإنها، بحسب المحاضر، لم تجد طريقها إلى التنفيذ الكامل بسبب طبيعة الصراع القائم بين القوى المؤيدة للنهضة الصناعية وبين القوى المتضررة من تلك السياسات، ولا سيما كبار التجار والكمبرادور المرتبطين بمراكز القرار.
وفي ختام المحاضرة، استعرض المحاضر تطور عدد من المنتجات الصناعية، من أبرزها الإسمنت وحديد التسليح وبيض المائدة، فضلاً عن تنامي إنتاج الأدوية، إذ ارتفعت نسبة الإنتاج المحلي من 10 بالمئة من حاجة السوق عام 2023 إلى نحو 30 بالمئة حالياً، مع توقعات بوصولها إلى 50 بالمئة بحلول نهاية عام 2026.
كما أشار إلى أن من مؤشرات النمو الصناعي ارتفاع أعداد المشمولين بالضمان الاجتماعي من نحو 300 ألف عامل إلى ما يقارب مليوناً و700 ألف عامل في الوقت الحاضر.
وفي ختام الندوة، فُسح المجال أمام المشاركين لتقديم مداخلاتهم ومناقشاتهم.
ومن بين المتداخلين الاقتصادي إبراهيم المشهداني، الذي تحدث عن العلاقة الوثيقة بين تنشيط القطاع الصناعي والسياسة الاقتصادية التي تنتهجها الدولة، مؤكداً أن كليهما يشكلان ركيزتين متلازمتين في عملية التنمية الاقتصادية.
وتطرق المشهداني إلى السياسة التي رسمها الحاكم الإداري الأميركي بعد عام 2003، والتي ركزت على اقتصاد السوق والانفكاك عن الاقتصاد المركزي، انطلاقاً من مفهوم "قدرة السوق على إعادة التوازن تلقائياً"، وهو المفهوم الذي ارتبط بأفكار مفكرين رأسماليين أوائل مثل آدم سميث وريكاردو.
وأضاف أن تطور الرأسمالية الحديثة تجاوز هذه المفاهيم التقليدية، إلا أن السياسات التي اعتُمدت آنذاك قامت على إطلاق حرية حركة البضائع ورأس المال وتكريس انفتاح السوق، ما أدى إلى تدمير الصناعة الوطنية وتحويل السوق العراقية إلى ساحة لاستقبال البضائع الأجنبية والمنتجات الاستهلاكية، بدلاً من تطوير الإنتاج المحلي وتنويع مصادر الدخل.
كما أشار إلى أن هذه السياسات شجعت انتقال رؤوس الأموال الوطنية إلى دول الجوار، مثل الأردن ومصر ودول الخليج، واختتم مداخلته بالتأكيد على أن تطوير اقتصاد أي بلد يعتمد بصورة أساسية على عاملين رئيسيين هما: القطاع الصناعي والطاقة الكهربائية.