استذكر "بيت المدى" للثقافة والفنون أول أمس الجمعة، مؤسس الحزب الشيوعي العراقي الرفيق الخالد يوسف سلمان يوسف (فهد) في مناسبة ذكرى ولادته الـ 125 وذلك في جلسة ثقافية شاركت فيها شخصيات سياسية وباحثون وأكاديميون ومثقفون من بينهم الرفيق بسام محي نائب سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي. الكلمة منشورة في مكان اخر من الصفحة)
وسلطت الجلسة الضوء على سيرتي الرفيق فهد السياسية والنضالية ودوره في تأسيس الحزب عام ١٩٣٤ فضلا عن تأثيره في الحركة السياسية والعمالية العراقية خلال أربعينيات القرن الماضي. ويعد فهد من أبرز الشخصيات السياسية في تاريخ العراق الحديث. إذ عرف بتنظيمه الحركة الشيوعية وقيادته النشاطين العمالي والطلابي، قبل أن يعدم عام 1949 بعد محاكمة سياسية، ليبقى اسمه حاضرا في الذاكرة السياسية النضالية الوطنية العراقية.
........
شكرا لمؤسسة وبيت المدى على تنظيم هذه الفعالية المكرسة للقائد الشيوعي والوطني العراقي يوسف سلمان يوسف "فهد"، باني ومؤسس الحزب الشيوعي العراقي..
ولا يمكن في هذه الدقائق المعدودات ان نغطي تلك المأثرة البطولية والثورية لسيرة فهد وسفره النضالي على مختلف الصعد السياسية والفكرية والتنظيمية، الا انه من المنصف ان نقف امام ابرز ماتركه "فهد" من أثر سياسي على الصعيد الوطني والاجتماعي الطبقي ليس للشيوعيين فحسب بل لمجمل الحركة الوطنية..
ويمكن القول بكل ثقة وهذا ما اثبتته تسعة عقود من تأريخ الحزب الشيوعي بان فهد بنى حزبا وطنيا وطبقيا عراقيا تبنى هموم الكادحين من العمال والفلاحين والكسبة والمثقفين، فعلى الصعيد الوطني وضع الحزب اولى مهماته مقارعة الاستعمار والاتفاقيات المذلة مع البريطانيين، واسس " فهد " مبادئ ثابتة في نضال الشيوعيين منذ ذلك التأريخ ولحد هذه اللحظة، وصارت المهمة الوطنية جزءا اساسيا لبرنامج الحزب وخطه السياسي، ومن جانب اخر أرسى فهد المحتوى الحقيقي لتأسيس الحزب الشيوعي على صعيد هويته الطبقية ودفاعه عن الطبقة العاملة، وخاض العديد من المعارك الطبقية دون هوادة مطالبا بحقوق العمال والفلاحين والكادحين عموما من شغيلة اليد والفكر في تحسين ظروفهم المعيشية وحقهم في حياة ادمية تليق بهم.
فكانت قراءة وتحليل فهد للواقع الاقتصادي والاجتماعي العراقي عميقة جدا، والتي عكست كفاءته ونضجه الفكري في تجسيد المنهج الماركسي وتطبيقه على الواقع العراقي، وصياغة المواقف السياسية على الصعيدين الوطني والطبقي وتحويلها الى قوة مادية من خلال تحديد واختيار اشكال الكفاح المختلفة والتكتيكات الملموسة المناسبة للواقع الملموس في بلدنا.
ركز فهد من خلال قيادته للحزب على اهمية التغلغل بين اوساط الجماهير والتعرف على واقعهم وتبني مطالبهم. كما ربط بشكل جدلي المهمات الوطنية بالمهمات الديمقراطية، ففي الوقت الذي كان الحزب يناضل من اجل السيادة والاستقلال وانهاء الانتداب والاستعمار، فقد كان يربط هذا النضال بقضايا الحريات والمساواة والعدالة وحق الانتخابات الديمقراطية، وهذا ما عكسه في تقريره السياسي ( قضيتنا الوطنية) المقدم الى الكونفرنس الاول للحزب في اذار 1944، في تحليله للوحة الطبقية للسلطة وسيادة العلاقات شبه الاقطاعية، وعدم وجود تمثيل شعبي ووطني حقيقي معبر عن طموحات الشعب العراقي ناهيك عدم وجود السيادة والاستقلال..
وفي مؤتمره الاول للحزب في 1945، فقد اختمرت الظروف لمواجهة السلطة وخلقت مستلزمات وشروط وحدة الصف الوطني، لذا كان شعار المؤتمر " قووا تنظيم حزبكم ..قووا تنظيم الحركة الوطنية"، وهي لحظة وانتقالة نوعية ليس فقط في حياة الحزب على الصعيد الفكري والسياسي فحيب، بل في التوجه الجاد الى سياسة التحالفات في تاسيس الجبهات الوطنية لمواجهة الفاشية والاستعمار والرأسمالية، فقد تكونت للحزب بجهود فهد علاقات وطنية واسعة مع الاحزاب الوطنية ومنها الحزب الوطني والاستقلال والشعب وغيرها، بل راح الحزب في تأسيس حزب التحرر الوطني بهدف لملمة الوطنيين والديمقراطيين في حزب علني الا ان السلطات الرسمية لم تمنحه اجازة العمل اسوة بباقي الاحزاب.
ولا يفوتنا الا ان نقول ان لقيادة فهد حتى بعد اعتقاله في كانون الثاني 1947 لعبت دورا هاما في توجيه منظمات الحزب للمشاركة الفاعلة على صعيد التنظيم والفعل في وثبة كانون 1948 التي اسقطت معاهدة بورتسموث وحكومة صالح جبر.
ان هذه المآثر الوطنية والطبقية تجسدت ايضا في الربط بين ما هو وطني وقومي واممي في ترسيخ الوحدة الوطنية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، فالحزب ظل مدافعا عن الحقوق القومية للشعب الكردي والقوميات والمكونات الاجتماعية الاخرى في حقوقها الثقافية والادارية وممارسة طقوسها وشعائرها وحقها في الحريات والمساواة . لقد رسخ فهد في الحزب روح التضامن الاممي مع نضالات الشعوب العربية ومنها القضية الفلسطينة و نضالات الشعوب من اجل التحرر الوطني ونضالات الطبقة العالمية في نضالها العادل من اجل نيل حقوقها.
ان ما تقدم اعلاه تؤكد الى ان تلك المبادئ التي اسسها فهد للشيوعيين في معاركهم ضد الحكام الرجعيين والديكتاتوريين والخصوم الطبقيين صلبت عود ومتانة الحزب اكثر ..
واليوم واذ ان مواقف الحزب المعارضة لنهج المنظومة الحاكمة من قوى المحاصصة والفساد انما تستدعي الى الخلاص منها من خلال بناء جبهة شعبية وسياسية واسعة من مختلف الفئات والشرائح الاجتماعية والنقابات والاتحادات واشراك القوى السياسية صاحبة التغيير، فالمهمة اليوم ايضا مركبة ومتلازمة بين المهمات الوطنية والديمقراطية وذات الابعاد والمحتوى الاجتماعي، فمواجهة السلطة الحالية التي تمثل مصالح البرجوازية الطفيلية والبيرقراطية والكمبرودورية المتحالفة مع رأسمال المالي العالمي انما تستدعي احياء التراث النضالي للشعب العراقي في مواجهة التدخلات الخارجية ان كانت من امريكا او ايران وخوض الصراع ضد السلطة الحالية من اجل بناء دولة مواطنة وتحقيق العدالة الاجتماعية..
وفي العودة الى دور فهد على صعيد بناء الحزب التنظيمية فقد عمل على بناء شبكات من الخلايا الحزبية ذات الجذور الراسخة في المجتمع العراقي في مراكز المدن والريف وبين اوساط الطلبة والنساء والشباب والمثقفين وحتى الجيش والشرطة، وكان يشرف بنفسه على عمل المنظمات حيث كان منظما بارعا وضع اسس لاساليب العمل الحزبي وفي تصليب عود اعضاء الحزب فكريا وتحويل عواطفهم اتجاه الحزب والوطن الى ايمان راسخ بالقضايا الوطنية والطبقية، وحول افضل اعضاء الحزب الى كوادر قادرة على تحمل المسؤولية والالتزام والانضباط الواعي من خلال تجسيد وحدة الارادة والعمل وفي الحفاظ على وحدة الحزب وفي مواجهة التكتلات والانشقاقات التي حدثت حينذاك.
كان لفهد علاقات قوية مع الاوساط الثقافية والصحفية ما ساعدته على نشر مقالاته في الصحف العراقية كالبلاد والرأي وصوت الاهالي والاساس وعمل على تطور المراكز الثقافية من خلال تاسيس دار الحكمة واوصى باحتضان المبدعين والفنانين، كان فهد يعتبر المثقفين هم حاملي الفكر والقادرين على اعادة تشكيل الوعي لدى الجماهير..
لعب فهد دورا كبيرا في انتشار الفكر الشيوعي مثل (الثيل) بين مختلف الطبقات والفئات والشرائح الاجتماعية من كادحي العراق عمالا وفلاحين ومثقفين وشباب ونساء، مما ارعب الجلاديين والحكام والمستعمرين البريطانيين حتى حانت لهم الفرصة بعد وثبة كانون في اعادة محاكمة فهد في وهم منهم للانقضاض على الحزب عندما اشرف السفير البريطاني هنري هوبكنسون حينذاك على محاكمة واعدام فهد ورفاقه زكي بسيم "حازم" وحسين محمد الشبيبي "صارم" في 14-15 شباط 1949 حيث قال " سوف لن تقوم قائمة للشيوعيين في العراق لعشر سنوات"، الا ان صرخة فهد " الشيوعية اقوى من الموت واعلى من اعواد المشانق" تحولت الى قوة ليس لفهد كأيوقونة بطولية بل قوة لكل الشيوعيين الذين جادوا بانفسهم في اعتلاء المشانق والاستشهاد في ساحات النضال المتعددة او الذين صمدوا تحت التعذيب والتنكيل .. هذه الدوية والصرخة مثلت صدىً يهتدي بها المناضلون.
يظل فهد شخصية متميزة استثنائية في الاخلاص لنضالاته الوطنية والطبقية والحزبية فقط،وترك بصمة لكل من ألتقاه وعاشره حيث كان يتمتع بالذكاء والفطنة والمبادرة ورح التفاني وسماحة الطبع وكرم الاخلاق والجرأة والشجاعة والبسالة والبطولة.. كان فهد مدرسة نضالية حيثما حط واقام فحول العمل السري الى قوة جماهيرية .. والسجن الى مدرسة للكادر والخلق الشيوعي..
واخيرا نكرر ماقاله الشاعر الجواهري الكبير:
سلامٌ على مثقلٍ بالحديد
ويشمخ كالقائد الظافر
كأن القيودَ على معصميه
مفاتيح َمستقبلٍ زاهر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* كلمة الحزب القاها الرفيق بسام محي
نائب سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي