اخر الاخبار

مهام قديمة لحكومة جديدة

اهتمّت العديد من وسائل الإعلام العالمية بولادة الحكومة العراقية الجديدة، وإن كانت منقوصة، بعد ستة أشهر من الانتخابات التشريعية. فقد نشرت صحيفة الإندبندنت مقالًا ذكرت فيه أن مجلس النواب صوّت بالموافقة على البرنامج الحكومي وعلى أربعة عشر وزيرًا من أصل ثلاثة وعشرين في التشكيلة الحكومية برئاسة علي الزيدي، فيما رفض منح الثقة لوزراء الداخلية والتعليم العالي والتخطيط، وأُجّل التصويت على بقية المناصب إلى موعد لاحق لم يُحدَّد بعد.

تكرار الشكل والمضمون

وأوضح المقال أن ما يحدث اليوم مع حكومة الزيدي يُعد تكرارًا شبه حرفي لما اتسمت به الحياة السياسية العراقية من جمود وفترات طويلة من الفراغ السياسي، ومن المحاصصة في تقاسم الحقائب الوزارية بين “المكوّنات”، ومن مواجهة للمشكلات نفسها، مثل التداعيات السياسية والاقتصادية للصراع بين إيران والولايات المتحدة، والأوضاع الاقتصادية الصعبة الناتجة عن الاعتماد شبه الكامل على صادرات النفط في تمويل الدولة.

برنامج طموح مكرّر

وأشار المقال إلى أن البرنامج الحكومي الذي أقرّه المشرّعون ركّز على أولويات تتعلق بمعالجة أزمة الكهرباء، ودعم الاستقرار الاقتصادي، ومكافحة الفساد، وإصلاح الإدارة العامة، وتعزيز سيادة القانون. كما تضمّن البرنامج بنودًا تتعلق بحصر السلاح بيد الدولة، وهو ما قد يصعب تطبيقه عمليًا بسبب رفض الجماعات المسلحة الحليفة لطهران لذلك، وهي التي استخدمت هذا السلاح في شن هجمات متكررة على القواعد الأمريكية والمنشآت الدبلوماسية خلال الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران.

وفيما ادّعى المقال بأن طهران أوفدت أحد قادتها إلى بغداد لمنع هذه القوى من تفكيك أسلحتها، أشار إلى أن واشنطن تمارس ضغوطًا كبيرة على العراق لكبح جماح هذه الجماعات المسلحة، متوقعًا تأجيل الحسم في هذه القضية إلى حين اتضاح مسار المفاوضات الأمريكية ـ الإيرانية، معتبرًا أن هذا التأجيل يفسّر عدم حسم التصويت على الوزارات المخصصة لهذه الفصائل.

ترحيب بصوت عالٍ

وفي موقع MEM، كتب جاسم العزاوي مقالًا تناول فيه الموضوع نفسه، فأشار إلى أن دعم دونالد ترامب لتولي علي الزيدي رئاسة الحكومة، ودعوته إلى زيارة واشنطن، بدا مفاجئًا لبعض الأوساط، ومقنعًا لأوساط أخرى رأت فيه مخرجًا من رفض واشنطن لترشيح نوري المالكي.

وأشار الكاتب إلى أن الولايات المتحدة، التي مارست ضغوطًا سريعة وقاسية على بغداد، تمثلت في تعليق المدفوعات النقدية من عائدات النفط المودعة في بنك الاحتياطي الفيدرالي، فضلًا عن وقف المساعدات الأمنية، وتوجيه تحذير شديد الى “كل من يسهّل عنف الميليشيات"، لم تجد أمامها سوى الترحيب بتراجع “الإطار التنسيقي” عن ترشيح المالكي، في اجتماع لم يستغرق سوى خمسٍ وعشرين دقيقة.

وعبّر الكاتب عن قناعته بأن ثقة واشنطن بالزيدي تستند إلى ثلاثة عوامل رئيسية:

أولًا، افتقاره إلى تاريخ سياسي، إذ يُعد شخصية من خارج المؤسسة السياسية وذات توجه تجاري، وهو ما يجعله خيارًا مقبولًا محليًا ودوليًا في ظل حالة الاستقطاب الحاد.

ثانيًا، على الرغم من أن بنك الجنوب الذي رأسه الزيدي، كان من بين البنوك التي حظرها البنك المركزي العراقي من التعامل بالدولار عام 2024، وسط ضغوط أمريكية لمكافحة غسيل الأموال والتهرب من العقوبات المفروضة على إيران، فإن البنك والزيدي شخصيًا لم يخضعا لأي عقوبات أمريكية، ما يمنح واشنطن سببًا للاعتقاد بأنه غير متورط بشكل كامل في شبكات النفوذ الإيرانية داخل العراق.

أما العامل الثالث، فهو رغبة واشنطن في تشجيع الزيدي على مواصلة الاستماع إلى “نصائحها”، خاصة مع وجود تسريبات تفيد بأنه قدّم تنازلات جوهرية للحصول على هذا الدعم، إلى جانب صدور تصريحات أمريكية تؤكد أن موافقة ترامب مشروطة، وأن واشنطن تريد “إجراءات ملموسة”، في مقدمتها إبعاد الدولة العراقية عن حلفاء طهران، قبل استئناف المساعدات المالية والأمنية بصورة كاملة، ووقف تمويل تلك الجماعات من الموازنة، بما في ذلك إخراجها من مؤسسات الدولة ومنع صرف رواتب لمقاتليها.

تحديات بلا حدود

وإلى جانب هذه المهمة شبه المستحيلة، أشار الكاتب إلى مجموعة من التحديات الأخرى التي تواجه حكومة الزيدي، من بينها شلل صادرات النفط بسبب إغلاق مضيق هرمز، والحاجة إلى إجراء إصلاحات هيكلية مؤلمة في قطاع الدولة المتضخم والمُثقل للموازنة العامة.

وختم الكاتب بالقول إن هذه التحديات ستُبقي البلاد في حالة توتر خلال الأشهر المقبلة، وهو ما سيختبر قدرة الزيدي على الاستمرار في ظل تعقيدات عملية الحكم في العراق.