اخر الاخبار

لم يعد الجدل في العراق يدور حول غياب الاستراتيجيات أو ضعف صياغتها في ملف مكافحة الفساد، بقدر ما بات يتمحور حول فجوة التنفيذ وفعالية التحول من النصوص إلى الواقع.  فبينما تُظهر التقارير الدولية بعض التحسن النسبي في موقع العراق ضمن مؤشرات مدركات الفساد، لا تزال الأرقام تعكس بوضوح أن المشكلة أعمق من كونها إجرائية أو تنظيمية، لتلامس البنية الهيكلية للنظام الإداري والاقتصادي.

خطط محدودة الاثر

وفي هذا السياق، تتقاطع قراءات خبراء الاقتصاد والقانون عند نقطة مركزية مفادها أن الاستراتيجية الوطنية للنزاهة ومكافحة الفساد، رغم ما حققته من أطر تشريعية ومؤسسية وتنسيقية، لم تنجح حتى الآن في إحداث التحول البنيوي المطلوب داخل مؤسسات الدولة، ولا في تفكيك شبكات الفساد المتجذرة في الاقتصاد الريعي.

وهو ما يجعل من معركة النزاهة في العراق اليوم اختباراً حقيقياً للقدرة على التنفيذ لا للتخطيط، ولإرادة الإصلاح أكثر من وفرة الخطط والاستراتيجيات، ويؤكد المختصون أن اي تقدم مهما كان سيبقى محدود الأثر ما لم يُترجم الى إصلاحات تنفيذية عميقة تستهدف جذور الفساد البنيوي.

التحدي ليس في صياغة الاستراتيجيات

ويرى الخبير الاقتصادي علي دعدوش إن الاستراتيجية الوطنية للنزاهة ومكافحة الفساد تمثل من الناحية النظرية خطوة مؤسسية مهمة، إلا أنها لم تحقق حتى الآن التحول البنيوي المطلوب في هيكل الدولة والاقتصاد العراقي.

وأضاف دعدوش في حديثه مع"طريق الشعب"، أن الاستراتيجية نجحت في بناء إطار مفاهيمي وتشريعي وتنسيقي مهم، لكنها لم تتمكن بالقدر الكافي من تحويل النزاهة إلى نظام تشغيل فعلي داخل مؤسسات الدولة.

وبين أن تقرير مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية في شباط 2026 أظهر تحسناً نسبياً للعراق بتقدمه إلى المرتبة 136 عالمياً من أصل 180 دولة، مقارنة بالمرتبة 140 عام 2024 و143 عام 2023، مع تسجيله 28 نقطة، وهو ما يعكس محاولات مستمرة للحد من الفساد.

وأشار دعدوش إلى أن الاستراتيجية أسهمت في ترسيخ مفهوم النزاهة بوصفه سياسة دولة لا مجرد شعارات أو حملات ظرفية، كما ساعدت في توحيد جهود المؤسسات الرقابية والقضائية ضمن إطار أكثر تنظيماً، وفي مقدمتها هيئة النزاهة الاتحادية وديوان الرقابة المالية الاتحادي ومجلس القضاء الأعلى.

وأوضح أنها دعمت أيضاً تطوير البيئة التشريعية عبر تعزيز قوانين كشف الذمة المالية والكسب غير المشروع وحماية المبلّغين، إلى جانب دعم التحول الرقمي والأتمتة الإدارية بما يقلل الاحتكاك المباشر بين المواطن والموظف ويحد من فرص الفساد، فضلاً عن رفع مستوى الوعي العام بخطورة الفساد على التنمية والاستثمار والخدمات، وتحسين صورة العراق أمام المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

وبيّن أن التقييم المهني يشير إلى أن الاستراتيجية كانت أكثر نجاحاً في جانب التشخيص ووضع الأطر المؤسسية والتشريعية، مقابل محدودية واضحة في التنفيذ العملي بسبب تداخل المصالح السياسية والطبيعة البنيوية للفساد المرتبط بالاقتصاد الريعي العراقي.

واكد ايضاً على أن استمرار العراق في مراكز متأخرة ضمن المؤشرات الدولية، ولا سيما عربياً، يعكس أن التحدي الحقيقي لم يعد في صياغة الاستراتيجيات، بل في القدرة على تنفيذها بفاعلية، وتحويل النزاهة من مشروع نظري إلى ممارسة مؤسساتية راسخة داخل مفاصل الدولة.

اشكالية هيكلية بنيوية

من جهته، عد الخبير القانوني وائل منذر أن وضع استراتيجيات وطنية لمكافحة الفساد يمثل أحد الالتزامات الأساسية للدول المنضمة إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، باعتبارها خارطة طريق تهدف إلى الحد من الفساد المالي والإداري وتعزيز معايير الشفافية والامتثال الدولي.

وقال منذر في حديث مع "طريق الشعب"، أن الاستراتيجية الوطنية للنزاهة ومكافحة الفساد في العراق حققت بعض المؤشرات الإيجابية.وأبرزها بحسب منذر هو تحسن العراق في مؤشر مدركات الفساد بحصوله على 28 نقطة من أصل 100، مع تقدمه 14 مرتبة، مقارنة بالسنوات السابقة، فضلاً عن مساهمتها في تبسيط بعض الإجراءات الإدارية وتوسيع التحول الرقمي في جباية الإيرادات واستيفاء الرسوم، بما أسهم نسبياً في تقليل فرص الاستيلاء على المال العام، إلى جانب تعزيز الوعي لدى العاملين في القطاع العام بأهمية مكافحة الفساد.

وبيّن أن هذه الخطوات، رغم أهميتها، لا تزال محدودة وخجولة مقارنة بحجم التحديات البنيوية التي تعاني منها الدولة العراقية، مشيراً إلى أن العراق ما زال دون المعدلات العالمية في مؤشرات الشفافية، ولم يرتقِ إلى مصاف الدول التي تتمتع بمنظومات إدارية ومالية شفافة.

وأشار إلى أن استمرار ملفات فساد كبرى، مثل “سرقة القرن”، دون حسم كامل أو إعلان واضح عن استرداد الأموال ومحاسبة جميع المتورطين، يعكس فجوة واضحة بين الجانب النظري للاستراتيجيات وبين التطبيق العملي على أرض الواقع.

وتابع أن الاستراتيجيات الحالية تتضمن مضامين إيجابية مهمة، لكنها ما زالت تفتقر إلى التنفيذ الشامل والفعّال داخل مؤسسات الدولة، ما يجعل الفساد في العراق أقرب إلى إشكالية هيكلية وبنيوية متجذرة في المنظومة الإدارية.

وشدد منذر على أن مكافحة الفساد تتطلب، إلى جانب الاستراتيجيات، إصلاحات جوهرية على مستويين رئيسيين: الأول يتعلق بوضع سياسات واضحة للتحول الرقمي الكامل في إدارة الإيرادات والرقابة عليها، مدعومة ببنى تحتية تقنية متطورة، والثاني يتمثل في تعزيز الإطار التشريعي وتفعيل القوانين الرادعة بما يضمن محاسبة الفاسدين وتحويل النصوص القانونية والاستراتيجيات إلى إجراءات عملية صارمة.

وخلص الى القول إن نجاح العراق في هذا الملف مرهون بقدرته على تحويل الاستراتيجيات من مجرد وثائق نظرية إلى برامج تنفيذية متكاملة، ترسخ ثقافة مجتمعية ومؤسساتية رافضة للفساد، وتدعم التنمية وتحمي حقوق المواطنين.