في مشهد سياسي مألوف يتكرر كل 4 سنوات، وُلدت حكومة الزيدي وسط انقسامات حادة، وصراعات مكشوفة على المناصب والنفوذ، وسط تساؤلات مبكرة بشأن قدرة الكابينة الجديدة على مواجهة إرث ثقيل غير مسبوق من الأزمات الاقتصادية والسياسية والامنية والخدمية المتراكمة.
حكومة على انقاض واقع اقتصادي مأزوم
الحكومة الجديدة، التي جاءت منقوصة وتحت ضغط تحديات داخلية وخارجية غير مسبوقة، تجد نفسها أمام واقع اقتصادي مأزوم، ومالية عامة مثقلة بالديون، وملفات أمنية وسياسية شائكة، فضلاً عن تغول المصالح الحزبية والاقتصادية على حساب مشروع الدولة.
ورافق تشكيل حكومة الزيدي صراع محموم على المغانم والمناصب بين الكتل السياسية، حيث صعد الزيدي كـ"مرشح تسوية" مدعوم من الإطار التنسيقي لإنهاء الخلاف داخل البيت الشيعي. وعلى الساحة السنية، حصل صراع مواز بين تحالفي "تقدم" و"العزم" على الوزارات السيادية، ما تسبب بانشقاقات داخلية وخروج نواب سعياً وراء الحصص الوزارية. وبالمثل، استمر الاستقطاب الكردي التقليدي بين الحزبين الديمقراطي والاتحاد الوطني لتأمين حقائب المكون.
هذا التدافع على المصالح ونظام المحاصصة أدى في النهاية إلى ولادة "كابينة مبتورة"؛ حيث صوّت البرلمان على تمرير 14 وزيراً فقط، بينما أُجبر الزيدي على تأجيل حسم 9 حقائب وزارية بالغة الحساسية، وعلى رأسها الدفاع والداخلية، نتيجة غياب التوافق وتغليب المصالح الفئوية للكتل والمجاميع المتنافسة على حساب تطلعات المواطن العراقي.
وفي وقت تتجه فيه الأنظار إلى برنامج الحكومة وقدرتها على تنفيذ تعهدات تتعلق بحصر السلاح، وتطوير الاقتصاد، وحماية الحريات، يرى مراقبون أن المؤشرات الأولى لعملية تشكيلها كشفت استمرار الصراع ذاته بين القوى السياسية على الوزارات والمؤسسات، بوصفها أدوات نفوذ أكثر من كونها مؤسسات خدمة عامة.
ورغم تباين الاراء، غير أن القاسم المشترك بين مختلف القراءات يبقى في حجم التحديات غير المسبوقة التي تواجهها هذه الحكومة، في بلد يقف عند مفترق طرق حاسم، حيث لم يعد الشارع ينتظر شعارات جديدة بقدر ما يترقب أفعالاً قادرة على وقف الانحدار، واستعادة ثقة فقدت على مدى أكثر من عقدين من الأزمات المتراكمة.
نحتاج لمشروع وطني حقيقي
في هذا الصدد، قال الأمين العام لتيار الخط الوطني، عزيز الربيعي، أنهم يستعدون لتقييم حكومة الزيدي بعد 90 يوماً، لمراقبة أدائها في الملفات الجوهرية التي تعهدت بتنفيذها ضمن برنامجها الوزاري المعلن.
واضاف الربيعي لـ"طريق الشعب"، أن موقف التيار بعد انتهاء فترة التقييم سيتحدد وفقاً لنتائج الأداء الحكومي، مبيناً أن التيار قد يدعم الحكومة في القرارات والمواقف التي تخدم المصلحة العامة ومنهج الدولة، كما قد يتجه إلى معارضتها، إذا أخفقت في تنفيذ أولويات أساسية، من بينها حصر السلاح بيد الدولة، وإصلاح الملف الاقتصادي، وحماية الحريات العامة وعلى رأسها حرية التعبير، فضلاً عن ضمان حقوق المرأة والشباب بوصفهم ركائز رئيسية في بناء المجتمع.
ورأى أن ما جرى في تشكيل الحكومة الحالية يمثل إعادة إنتاج لمنظومة المحاصصة بوجوه ومصطلحات سياسية جديدة، معتبراً أن المشهد يعكس صراعاً واضحاً بين ما وصفه بـ"الخط الأول" و"الخط الثاني" داخل العملية السياسية، في إطار مزاحمة بين الأجيال السياسية ومحاولات لإعادة توزيع النفوذ وإقصاء بعض الشخصيات التي تصدرت المشهد منذ عام 2003.
وأشار إلى أن هذا الواقع يثير القلق، لكنه في الوقت ذاته يفرض على القوى الوطنية مسؤولية استثمار اللحظة السياسية لتوحيد صفوفها وبناء مشروع وطني بديل، قائم على رفض منهج المحاصصة والفردية السياسية، ومواجهة إعادة تدوير الأزمات ذاتها في كل دورة حكومية جديدة.
وتابع الربيعي أن رئيس الوزراء، بوصفه مرشح تسوية لا يستند إلى كتلة سياسية صلبة، قد يكون مكشوف الظهر سياسياً، كما حدث مع رؤساء حكومات سابقين، محذراً من أن أي إخفاق قد يدفع القوى التي دعمته إلى التنصل سريعاً من مسؤولية دعمه السياسي.
وبيّن أن الأزمة الأعمق تكمن في استمرار منظومة الفساد وتغلغلها داخل مؤسسات الدولة، إلى جانب تأثير السلاح في فرض النفوذ السياسي وتوجيه القرار التنفيذي، ما أسهم في تحويل العملية السياسية إلى ساحة صراع على المكاسب والمغانم، في وقت يواجه فيه العراق تحديات اقتصادية وسياسية وأمنية استثنائية.
وفي تشخيصه لأسباب استمرار هذا الواقع، حمّل الربيعي المواطن جزءاً مهماً من المسؤولية، معتبراً أن العزوف عن المشاركة السياسية والانتخابية أتاح للقوى التقليدية إعادة إنتاج نفسها، كما أن الانسياق وراء الخطابات الطائفية أسهم في ترسيخ منظومة سياسية لم تحقق تطلعات العراقيين طوال أكثر من عقدين.
وشدد على أن المسؤولية باتت تكاملية بين المواطن والقوى الوطنية، داعياً إلى بناء وعي مجتمعي أكثر قدرة على فرز المشاريع الوطنية الحقيقية، والابتعاد عن الخطابات المتشنجة والطائفية التي استُخدمت، بحسب وصفه، لتعزيز النفوذ السياسي على حساب بناء دولة المؤسسات.
واختتم الربيعي بالتأكيد على أن استمرار القوى السياسية في استغلال حالة الإحباط الشعبي والانكفاء المجتمعي سيمنحها فرصة أكبر للاستحواذ على موارد الدولة ومفاصلها، ما لم يتحرك الشارع والقوى الوطنية باتجاه مشروع إصلاحي حقيقي يضع حداً لنهج المحاصصة والفساد المتجذر.
مالذي تغيّر؟
من جهتها، قالت القيادية المدنية شروق العبايجي أن تشكيل الحكومة الجديدة، جاء منقوصاً ولم يحمل مؤشرات حقيقية على اختلاف جوهري عن الحكومات السابقة، بل أعاد إنتاج السيناريو ذاته بصورة أكثر سوءاً، في ظل تصاعد حدة الصراع السياسي حول تقاسم الوزارات والهيئات ومفاصل الدولة بوصفها مغانم سياسية واقتصادية.
ولفتت العبايجي في حديثها مع "طريق الشعب"، الى إن ما رافق عملية تشكيل الحكومة والتصويت عليها كشف بشكل أكثر صراحة هيمنة منطق المحاصصة والتقاسم، مشيرة إلى أن الوزارات ذات الطابع المالي والاقتصادي أصبحت الهدف الأبرز للصراع، وسط تنامي نفوذ اللجان الاقتصادية ورجال الأعمال المرتبطين مباشرة بمفاصل السلطة، الأمر الذي يعكس استمرار المنظومة ذاتها التي أدارت الدولة خلال السنوات الماضية.
وأضافت أن التحديات التي تواجه الحكومة ليست جديدة، انما هي أزمات متراكمة ومتصاعدة، نتيجة فشل الحكومات المتعاقبة طوال أكثر من عقدين في معالجة الملفات الأساسية بصورة صحيحة، سواء على المستوى الاقتصادي أو الأمني أو الخدمي، أو في مجال بناء الدولة ومؤسساتها على أساس الكفاءة.
وأوضحت أن الخطورة لا تكمن فقط في تراكم الأزمات، وانما في غياب الإرادة السياسية الحقيقية لإيجاد حلول لها، مقابل استمرار القوى المتنفذة في التعامل مع الدولة باعتبارها ساحة لتقاسم النفوذ والمغانم، ما يفاقم حجم الانهيار المؤسسي ويعمّق حالة انعدام المسؤولية تجاه المصلحة العامة.
وبيّنت العبايجي أن الصراع المستمر بين القوى الحاكمة يجري في وقت يواجه فيه العراق أوضاعاً اقتصادية هي من بين الأسوأ، وسط تراجع واضح في الاهتمام بالبرامج الاقتصادية الحقيقية، وانعدام الخطط الجادة لمعالجة الفقر والبطالة والتفاوت الطبقي، مؤكدة أن الخطاب السياسي السائد ينشغل بالمحاصصة أكثر من انشغاله بإنقاذ الاقتصاد الوطني.
وشددت على أن هذه السياسات تُدفع كلفتها مباشرة من حياة المواطنين، ولا سيما الفئات الهشّة والفقيرة، في ظل ارتفاع الأسعار، وضعف البرامج الاجتماعية، وتراجع فاعلية البطاقة التموينية، فضلاً عن اتساع رقعة الفقر في عدد من المحافظات، بما فيها محافظات كانت تُصنف سابقاً أقل فقراً.
وأشارت إلى أن الرأسمالية الطفيلية باتت تسهم في توسيع الفجوة بين الطبقات، من خلال تراكم الثروات بوسائل مرتبطة بالسلطة والنفوذ، لا عبر التنمية الحقيقية أو بناء الصناعة والزراعة، ما يزيد من تعقيد الأزمة الاجتماعية والاقتصادية في البلاد.
ووجهت العبايجي رسالة مباشرة إلى رئيس الوزراء والقوى السياسية ومجلس النواب، دعت فيها إلى مراجعة شاملة للنهج القائم، محذرة من أن العراق لم يعد يحتمل المزيد من السياسات القائمة على المصالح الفئوية والحزبية والشخصية على حساب المصلحة الوطنية.
وخلصت الى القول أن استمرار هذا المسار قد يدفع البلاد نحو انهيارات أعمق، داعية إلى الانتقال لخطوات واقعية تعيد الاعتبار للدولة ولمصالح المواطنين، قبل الوصول إلى مرحلة الانهيار الشامل.
حكومة إدارة اقتصاد حرب
وفي الشأن الاقتصادي، يرى الخبير الاقتصادي محمود داغر أن الحكومة الحالية تشكلت في ظرف استثنائي مثقل بالتحديات الاقتصادية والمالية، في ظل أزمات متشابكة أبرزها أزمة مضيق هرمز، وتراجع صادرات النفط، وانعدام المرونة في ملف التصدير، ما يجعلها أمام واقع اقتصادي شديد التعقيد.
ويقول داغر لـ"طريق الشعب"، أن هذه الحكومة يمكن وصفها بأنها “حكومة إدارة اقتصاد حرب”، نظراً لسوء أوضاع المالية العامة، مشيراً إلى أن وزارة المالية لا تمتلك إيرادات حقيقية كافية، بل تعتمد على الحوالات من البنك المركزي للحصول على الدينار، ما يعني تراكم المزيد من الديون الداخلية على خزينة الدولة، في وقت كانت فيه المديونية الداخلية قد بلغت نحو 91 تريليون دينار قبل تسلم الحكومة الحالية مهامها.
وبيّن أن حجم الترهل الحكومي بلغ مستويات غير مسبوقة في تاريخ العراق، فيما وصلت فاتورة الرواتب إلى نحو 8 تريليونات دينار، الأمر الذي يضع الحكومة أمام معادلة مالية حرجة قد تجعلها عاجزة عن إدارة ملفات الدولة الأخرى، باستثناء تأمين الرواتب، بسبب محدودية مواردها المالية.
وأشار إلى أن الحكومة في موقف سياسي وإقليمي معقد، سواء على مستوى علاقاتها مع دول الخليج، أو مع إيران، فضلاً عن الضغوط الأميركية التي تنتظر أداءً مختلفاً عن الحكومات السابقة، لافتاً إلى أن الحكومات السابقة كانت تمتلك هامشاً اقتصادياً أوسع للحركة، بينما تفتقر الحكومة الحالية الى هذه المساحة، ما يجعل استمرار النهج السابق أمراً بالغ الصعوبة.
وشدد داغر على أن الحكومة الحالية هي "حكومة خروج من أزمة"، إلا أن هذه الأزمة لا تملك السيطرة الكاملة عليها، باعتبارها ترتبط إلى حد كبير بصراع القوى الكبرى، ولا سيما الولايات المتحدة وإيران، ما يحدّ من خياراتها الاقتصادية والسياسية.
وأضاف أن قبول الحكومة الجديدة تحمل المسؤولية في هذه المرحلة يعني إدراكها لطبيعة المهام المطلوبة منها، والتي تتمثل بالحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات الأساسية كالكهرباء والماء، وضمان دفع الرواتب، وتحقيق بعض الإنجازات الخدمية، إلى جانب تحسين إدارة الديون التي ستلجأ إليها لتمويل أنشطتها.
وخلص الى توجيه نصيحة مباشرة الى حكومة الزيدي بضرورة إعطاء أولوية قصوى للطبقات الهشة والفقيرة، مؤكداً أن هذه الفئات تعيش أوضاعاً بالغة الصعوبة وتحتاج الى اهتمام استثنائي في ظل الأزمة الراهنة.
الزيدي يكشف اولويات حكومته
وفي تلك الاثناء، أكد رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي، امس السبت، أن من أبرز أولويات حكومته إطلاق برنامج إصلاح اقتصادي ومالي شامل، يهدف إلى "بناء اقتصاد وطني قوي ومتنوّع ومستدام، لا يعتمد على موردٍ واحد".
وقال الزيدي في كلمة متلفزة وجهها إلى العراقيين، في مناسبة تسلمه مهام عمله رسمياً، إن برنامجه الحكومي يقوم على تنشيط قطاعات الصناعة والزراعة والسياحة والاستثمار، وتحفيز الطاقات الوطنية والكفاءات العراقية، مشدداً على أنه "سيعمل بكل قوة على حماية المال العام، ومحاربة الفساد الإداري والمالي بأشكاله كافة، كونه يشكل عائقاً أمام التنمية ويؤخر مسيرة الدولة".
وأضاف أن توفير فرص العمل للشباب وتقليص معدلات البطالة يقع في مقدمة اهتمامات التشكيلة الحكومية الجديدة، عبر إطلاق مشاريع إنتاجية وتنموية، وتشجيع الاستثمار، ودعم القطاع الخاص ليكون شريكاً أساسياً في بناء الاقتصاد، مؤكداً سعيه لتوفير بيئة عادلة تضمن التوزيع المنصف للفرص بين جميع أبناء البلاد، بعيداً عن المحسوبية وبما يرسخ مبدأ المواطنة والعدالة الاجتماعية.
وأكد الزيدي دعم قطاع التعليم بشكل استثنائي، عبر تطوير المناهج وتأهيل المدارس والجامعات، والارتقاء بالمؤسسات الأكاديمية، مشيراً في الوقت ذاته إلى المضي بخطط عملية لتحسين مستوى الخدمات الطبية، وتطوير المستشفيات، وضمان وصول الخدمة الصحية اللائقة لكل مواطن في المدن والأرياف على حدٍ سواء.
وشدد الزيدي على أن "ملف الخدمات والبنى التحتية لن يبقى رهين الوعود المؤجلة، بل سيكون ميداناً للعمل والإنجاز الواضح، عبر مشاريع استراتيجية لتحسين شبكات الكهرباء والمياه والطرق والجسور والإسكان".
وعود قديمة.. جديدة
وخلاصة القول هنا ان العراق يعاني منذ سنوات من تكرار الخطابات الحكومية والوعود الإصلاحية التي تتشابه في أهدافها، مثل مكافحة الفساد وتنويع الاقتصاد وإعمار البنى التحتية، من دون تحقيق نتائج ملموسة، ما أدى إلى تراجع ثقة الشارع بجدية التنفيذ. لأن المشكلة الأساسية لا تكمن في تشخيص الأزمات، بل في غياب آليات تنفيذ واضحة تتضمن جداول زمنية دقيقة وموازنات مالية محددة، إلى جانب تفشي البيروقراطية والفساد الإداري اللذين يعطلان المشاريع التنموية ويحولانها أحياناً إلى أدوات للمحاصصة السياسية.
إن نجاح أي برنامج حكومي جديد يتطلب تعزيز الشفافية، ومكافحة الفساد بملفات كبرى علنية، وإبعاد المشاريع الاستثمارية عن التجاذبات السياسية.