بين تصريحات حكومية تتحدث عن تحقيق الاكتفاء الذاتي ووفرة المخزون الاستراتيجي، وأسواق تشهد ارتفاعاً متسارعاً في أسعار المواد الغذائية الأساسية، يواجه العراق تحديا متزايدا يتعلق بأمنه الغذائي في ظل أزمات المياه والتغير المناخي والاعتماد الواسع على الاستيراد.
ويرى مختصون أن أي اضطراب إقليمي أو خلل في طرق الترانزيت ينعكس مباشرة على الأسواق المحلية، في ظل هشاشة المنظومة الزراعية وضعف السياسات القادرة على حماية المنتج المحلي وتحقيق استقرار الأسعار، وسط تحذيرات من اتساع معدلات الفقر وتراجع قدرة القطاع الزراعي على تلبية احتياجات البلاد الغذائية
منظومة الأمن الغذائي هشة
يقول عباس فلاح، مهتم بالشأن الزراعي، إن أزمة ارتفاع أسعار المواد الغذائية في العراق كشفت هشاشة منظومة الأمن الغذائي واعتماد الأسواق المحلية بصورة كبيرة على الاستيراد، رغم التصريحات الحكومية المتكررة بشأن تحقيق الاكتفاء الذاتي.
ويضيف فلاح لـ"طريق الشعب"، أن أي اضطراب إقليمي أو خلل في طرق الترانزيت ينعكس مباشرة على أسعار المواد الأساسية داخل الأسواق العراقية، بسبب ضعف الإنتاج المحلي وعدم وجود خطط زراعية مستقرة قادرة على تغطية حاجة السوق على مدار العام.
ويشير أن ملف الأمن الغذائي لا يرتبط فقط بتوفير المحاصيل، بل يشمل إدارة الخزين الاستراتيجي، وتنظيم الاستيراد، ودعم الفلاح، وتطوير وسائل الخزن والتسويق والنقل، مبيناً أن غياب هذه العناصر يجعل الأسواق عرضة للتقلبات والأزمات المفاجئة.
ويلفت إلى أن ارتفاع أسعار الطماطم يؤكد وجود خلل هيكلي في السياسة الزراعية، لافتاً إلى أن الاعتماد الكبير على الاستيراد، خصوصاً من دول الجوار، يجعل السوق العراقية رهينة للأزمات السياسية والاقتصادية والإغلاقات الحدودية.
ويشدد على "ضرورة وضع استراتيجية طويلة الأمد لحماية المنتج المحلي، عبر دعمنا وتطوير شبكات الري الحديثة وتقليل كلف الإنتاج، فضلاً عن تشديد الرقابة على المنافذ الحدودية ومنع إغراق الأسواق بالمنتجات المستوردة في مواسم الإنتاج المحلي".
وأكد أن استمرار تراجع القطاع الزراعي سيؤدي إلى تعميق معدلات الفقر والبطالة، خاصة في المناطق الريفية بين المرابين والفلاحين، محذراً من أن الأمن الغذائي أصبح اليوم جزءاً أساسياً من الأمن الوطني والاقتصادي للعراق.
الأزمة مركبة
فيما يجد الخبير الزراعي تحسين الموسوي، أن القطاع الزراعي في العراق يواجه أزمة مركبة تتداخل فيها العوامل البيئية والاقتصادية والسياسية، مشيراً إلى أن شح المياه يمثل السبب الأبرز وراء تراجع الإنتاج الزراعي واتساع رقعة التصحر والهجرة من الريف إلى المدن.
ويقول الموسوي لـ"طريق الشعب"، أن الأزمة المائية ترتبط بشكل مباشر بسياسات دول الجوار التي عمدت إلى إنشاء سدود كبيرة والسيطرة على الحصص المائية للعراق، في ظل غياب اتفاقيات ملزمة تضمن إطلاق حصة العراق المائية بشكل واضح ومحدد.
ويبيّن أن هذا الواقع تسبب بخسائر كبيرة في الأراضي الزراعية ودفع أعداداً متزايدة من السكان إلى ترك مناطقهم الزراعية والهجرة بحثاً عن مصادر رزق بديلة.
ويضيف أن اعتماد العراق على الاقتصاد الريعي والنفط أسهم بدوره في إضعاف القطاع الزراعي، ما أدى إلى عزوف الكثير من المواطنين عن العمل في الزراعة وتحويل الأراضي الزراعية إلى مشاريع سكنية وصناعية.
العراق في المرحلة الثالثة من التصحر
كما يشير إلى أن الزيادة السكانية وارتفاع الطلب على الموارد والخدمات زادا من الضغوط على الإنتاج المحلي، في ظل استمرار العمل بسياسات زراعية وصفها بأنها “قديمة وكلاسيكية” ولا تنسجم مع حجم التحديات الحالية.
وفيما يتعلق بالتغير المناخي، يؤكد الموسوي أن الجفاف ونقص المياه ينعكسان بشكل مباشر على الإنتاج الزراعي والثروة الحيوانية، موضحاً أن تراجع الموارد المائية يؤدي إلى انتشار الآفات والأمراض الزراعية واتساع التصحر.
وينبه إلى ان العراق وصل حالياً إلى المرحلة الثالثة من التصحر، وهي مرحلة خطيرة تشهد فقدان مساحات واسعة من الأراضي، مبيناً أن خسارة كل مليار متر مكعب من المياه تعني فقدان نحو 250 ألف دونم من الأراضي الزراعية.
ويقول أن السيول والفيضانات تتسبب بتدمير البنى التحتية نتيجة غياب مشاريع حصاد المياه والسدود الكافية، فضلاً عن تنامي مشكلة تلوث المياه وما تسببه من آثار صحية وبيئية خطيرة انعكست على التنوع البيولوجي والثروة السمكية وسلامة الغذاء.
وفي محور التسويق الزراعي، يوضح الموسوي أن الأزمة لا تتعلق بالإنتاج فقط، بل تمتد إلى ضعف سياسات التسويق والخزن والنقل، مؤكدا أن نقص المخازن المبردة وسوء وسائل النقل وغياب الإرشاد الزراعي الفعال كلها عوامل تؤدي إلى خسائر كبيرة للفلاحين، إضافة إلى غياب الدراسات الدقيقة التي تحدد احتياجات السوق وكميات الإنتاج المطلوبة.
ويبين أن ضعف التخطيط يؤدي أحياناً إلى إغراق الأسواق بمحاصيل معينة نتيجة توجه أعداد كبيرة من الفلاحين إلى زراعة المنتج نفسه، ما يؤدي إلى انخفاض الأسعار وتكبد المزارعين خسائر مالية.
ويلفت إلى أن ضعف السيطرة على المنافذ الحدودية يسمح بدخول المنتجات المستوردة بكميات كبيرة وأسعار منخفضة، الأمر الذي يجعل المنتج المحلي عاجزاً عن المنافسة.
ويشير الموسوي الى مفهوم “المياه الافتراضية”، موضحاً أن دول المنبع تستغل المياه التي حُرم منها العراق في إنتاج محاصيل زراعية ثم تقوم بتصديرها إلى السوق العراقية بأسعار منخفضة، معتبراً أن هذه العملية تمثل أحد أخطر التحديات التي تواجه الزراعة العراقية وتؤثر بشكل مباشر على الإنتاج المحلي والأمن الغذائي.
الأولوية للامن الغذائي
من جهته، يذكر مدير عام الشركة العامة لتجارة الحبوب، حيدر الكرعاوي، ان سياسة الأمن الغذائي جنبت العراقيين موجة الغلاء العالمية، مبيننا أن سعر كيس الطحين بقي مستقراً عند 15 ألف دينار، بينما كان من الممكن أن يصل إلى 55 ألف دينار لولا توفر المخزون المحلي.
ويقول الكرعاوي في حديث صحفي أن دول مجاورة، بينها سوريا وإيران، أبدت رغبتها في استيراد الحنطة العراقية، إلا أن الحكومة تضع أولوية تأمين الخزين المحلي قبل التفكير بالتصدير.
ويضيف أن الدولة تشتري الحنطة من الفلاح بسعر 850 ألف دينار للطن، في حين يبلغ سعرها العالمي نحو 200 دولار، ما يجعل التصدير غير مجدٍ اقتصادياً في الوقت الراهن.
ضرورة دعم الفلاح
من جهته، اعتبر رئيس اتحاد الجمعيات الفلاحية في ديالى، رعد التميمي، الاعتماد على الاستيراد بشكل كبير "خطأ استراتيجيا، رهن الامن الغذائي المحلي بالخارج المستورد". فيما شدد بالقول على ان "الدول التي لا تستطيع الزراعة ستظل عرضة للمشاكل الداخلية".
واضاف التميمي في حديث لـ"طريق الشعب"، ان من الضروري الاهتمام بإعادة دعم القطاع الزراعي وتطويره"، مشيراً الى ان القطاع الزراعي بإمكانه توفير ٥٠ في المائة من فرص العمل".