اخر الاخبار

في وقت يتسارع فيه العالم نحو الأتمتة والذكاء الاصطناعي بوصفهما ركيزتين للاقتصاد الحديث وإدارة الدولة، يقف العراق أمام مفترق طرق رقمي تتداخل فيه الطموحات بالتحديات؛ فالمؤتمرات والبرامج الأكاديمية والمبادرات الناشئة تعكس رغبة معلنة في اللحاق بالموجة التكنولوجية العالمية، غير أن واقع المؤسسات الحكومية والبنى التحتية يطرح تساؤلات عميقة حول مدى الجاهزية لهذا التحول.

حزمة قوانين يجب أن تسبق الحوكمة

ويرى مصطفى الموسوي، خبير في الأمن السيبراني، أن النقاش في العراق غالباً ما يختزل مفهوم الحوكمة الرقمية بالذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، وهو اختزال لا يعكس واقع مؤسسات الدولة.

ويؤكد الموسوي أن هذا الربط قد يكون مفهوماً على مستوى الأفراد والطلبة والمستخدمين العاديين، لكنه لا يصح عند الحديث عن بناء دولة رقمية متكاملة.

ويقول الموسوي في حديث لـ"طريق الشعب"، إن الانتقال إلى الحوكمة لا يبدأ بالذكاء الاصطناعي، بل بخطوات تأسيسية تسبق ذلك. أول هذه الخطوات يتمثل في تشريع القوانين الناظمة، وعلى رأسها قانون جرائم المعلوماتية، وقوانين حماية البيانات والملكية والخصوصية الرقمية، لأن غياب الإطار القانوني يجعل أي تحول رقمي عرضة للفوضى وسوء الاستخدام. فالدولة، بحسب رأيه، لا يمكنها جمع البيانات أو إدارتها من دون سند قانوني واضح يحدد المسؤوليات ويحمي حقوق المواطنين.

ويضيف أن "الخطوة الثانية تتعلق بالاستثمار في البنى التحتية التكنولوجية، وهو مسار يتطلب سنوات من العمل وموازنات كبيرة لتطوير مراكز بيانات وطنية، وتحديث الأجهزة، وبناء منصات مركزية توحد عمل دوائر الدولة.

ويشير إلى أن توحيد الأنظمة الحكومية وتحديثها شرط أساسي لأي عملية أتمتة حقيقية، إذ لا يمكن الحديث عن دولة مؤتمتة في ظل أنظمة متفرقة ومتهالكة. أما المرحلة الثالثة فتتمثل بتدريب كوادر الدولة وتأهيلهم على استخدام أنظمة الحوكمة والأتمتة. فالموظف هو العنصر الحاسم في نجاح أي تحول رقمي، وإذا لم يمتلك المهارات التقنية اللازمة، فإن التكنولوجيا ستبقى معطلة مهما بلغت كلفتها.

ويواصل حديثه بأنه "مع اكتمال هذه المراحل، تصبح الدولة قادرة على جمع بياناتها مركزياً، وهنا فقط يظهر دور الأمن السيبراني لحماية تلك البيانات، ودور الذكاء الاصطناعي لتحليلها واستثمارها في صنع القرار"، مشددا على أن "الأمن السيبراني ليس شعاراً، بل منظومة لحماية بيانات المواطنين والشركات ومؤسسات الدولة، في حين أن الذكاء الاصطناعي هو أداة لتحليل البيانات الصحية والتعليمية والاقتصادية والسياسية بعد توفرها بشكل منظم. تقديم هذه المفاهيم بوصفها نقطة البداية، برأيه، يمثل قفزاً على المراحل الأساسية".

وفي ما يتعلق بالسيادة الرقمية، يرى الموسوي أن العراق يواجه تحديات حقيقية، أبرزها ضعف البنية التحتية والاعتماد على أجهزة وتقنيات مستوردة، فضلاً عن استضافة جزء من البيانات خارج البلاد، وهو ما يضعها ضمن ولايات قانونية أجنبية. ويعد هذا الأمر ثغرة تمس مفهوم السيادة الرقمية، مؤكداً أن بناء مراكز بيانات داخل العراق ضرورة لحماية المعلومات الوطنية.

كما ينبه الى انه لا يمكن التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة محايدة تماماً، موضحاً أن هذه الأنظمة تتأثر بالبيانات التي تُدرّب عليها وبالبيئة التي طُوّرت فيها، ما قد يؤدي إلى تحيزات في بعض القضايا، خصوصاً السياسية والتاريخية. ويضيف أن بعض التطبيقات المجانية قد تقدم إجابات عامة أو غير دقيقة بسبب محدودية قدراتها، وقد تنتج أحياناً معلومات خاطئة بصيغة واثقة، فيما يُعرف بالهلوسة.

ويخلص الموسوي إلى أن بناء دولة رقمية في العراق لا يبدأ بالترويج للذكاء الاصطناعي، بل بإصلاح تشريعي وإداري، واستثمار حقيقي في البنية التحتية، وتأهيل بشري مستدام. عندها فقط يمكن الحديث عن أمن سيبراني فعال وذكاء اصطناعي يخدم الدولة والمجتمع ضمن إطار سيادي واضح.

واقع تكنولوجي متواضع

أمّا حسين محمود، مختص في الأمن الرقمي، فيقول إن الحديث عن دخول العراق بقوة إلى عالم الذكاء الاصطناعي ما يزال سابقاً لأوانه، في ظل واقع تكنولوجي متواضع مقارنة بدول المنطقة والعالم، مؤكداً أن القطاع التقني في البلاد يعاني من ضعف الإمكانات والبنى التحتية، ما يجعل التجربة محفوفة بالمخاطر إذا لم تُبنَ على أسس رصينة.

ويبين محمود لـ"طريق الشعب"، أن العراق لا يزال في مرحلة البداية، خصوصاً في تقنيات الذكاء الاصطناعي، بسبب محدودية المهارات القادرة على إدارة هذه الأنظمة والسيطرة عليها بالشكل الذي يضمن عدم تعريض الاقتصاد الوطني لمخاطر تقنية محتملة.

ويشدد على أن إدخال تقنيات متقدمة من دون كوادر مؤهلة قد يفتح الباب أمام أخطاء تشغيلية أو ثغرات أمنية تنعكس سلباً على قطاعات حيوية. وبحسب رأيه، فإن الأولوية يجب أن تُمنح لتطوير البنية التحتية التكنولوجية، وبناء قدرات بشرية متخصصة، إلى جانب وضع خطط واستراتيجيات وسياسات واضحة تنظم هذا القطاع، حتى لا يكون العمل فيه عشوائياً أو خاضعاً لاجتهادات فردية.

وعند المقارنة بين خطر التأخر في تبني الذكاء الاصطناعي وخطر استخدامه من دون ضوابط، يرى محمود أن الخطر الأكبر يكمن في الاستخدام غير المنظم.

ويصف الذكاء الاصطناعي بأنه “سلاح ذو حدين”، نظراً لما أحدثه من تحولات واسعة في مختلف القطاعات، مؤكداً أن التعامل مع هذه التكنولوجيا يتطلب تنظيماً دقيقاً، ورقابة مستمرة، وإدارة من قبل مختصين، لضمان تعظيم الفوائد وتقليل السلبيات.

وفي ما يتعلق بمسؤولية بناء البنية التحتية الرقمية، يحمل محمود الحكومة المسؤولية الأولى، معتبراً أن تطوير هذا القطاع يجب أن يكون جزءاً أساسياً من أي برنامج حكومي مقبل، داعيا إلى إشراك القطاع الخاص للاستفادة من خبراته وتجربته، عبر شراكة حقيقية تحقق أفضل النتائج.

ويبين محمود أن الحكومات المتعاقبة لم تنجح حتى الآن في توفير أبسط مقومات العيش للمواطنين، ما جعل ملف التطور التكنولوجي يتراجع إلى ذيل سلم الأولويات.

ويرى أن هذا يعكس ضعف الوعي بأهمية الرقمنة وما يمكن أن تحققه من منافع اقتصادية وإيرادات إضافية للدولة، خصوصاً في قطاعات الطاقة والاقتصاد والإدارة العامة.

ويحذر محمود من اتساع الفجوة المعرفية داخل المؤسسات الحكومية، لافتاً إلى أن بعض الدوائر ما تزال تستخدم نسخاً غير رسمية من أنظمة التشغيل على أجهزتها، وهو ما يعده "كارثة تقنية أمنية"، لأن بيانات المواطنين ومعلومات الدولة تصبح عرضة للاختراق والقرصنة بسهولة.

ويخلص إلى أن أي توجه جاد نحو الذكاء الاصطناعي يجب أن يسبقه إصلاح شامل للبنية التحتية الرقمية، واستثمار حقيقي في التدريب والتأهيل، ووضع أطر تنظيمية واضحة، حتى لا تتحول التكنولوجيا من فرصة تنموية إلى مصدر جديد للمخاطر.

الأرشفة الورقية يعيق بناء أنظمة ذكاء فعالة

على خلاف الطرح الذي يرى أن العراق ما يزال في البدايات الرقمية، يؤكد الأكاديمي المتخصص في التكنولوجيا د. عمار العيثاوي أن البلاد تجاوزت المرحلة الصفرية، ودخلت منذ عامين طوراً أكثر نشاطاً في تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، مستندة إلى استراتيجية حكومية موحدة وفرت غطاء مؤسسياً للتحرك في هذا المسار.

ويقول العيثاوي لـ"طريق الشعب"، إن التحول لم يعد نظرياً، بل انعكس بشكل واضح في قطاع التعليم العالي، حيث تم استحداث خلال العامين الماضيين أقسام أكاديمية متخصصة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب إطلاق برامج دراسات عليا ومراكز بحثية تسعى لإعداد كوادر قادرة على تطوير تطبيقات محلية تناسب احتياجات السوق العراقية.

ويرى أن هذه الخطوة تمثل محاولة لبناء قاعدة بشرية متخصصة بدل الاكتفاء باستيراد الحلول الجاهزة.

ولا يقتصر الحراك على الجامعات والمؤسسات الرسمية، بل امتد إلى القطاع الخاص، إذ بدأت شركات ناشئة بإدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي في خدماتها اليومية، سواء في تحليل البيانات أو في تطوير أدوات تعتمد الرؤية الحاسوبية. ومن بين الأمثلة التي يوردها إطلاق منصات لتحويل كاميرات المراقبة التقليدية إلى كاميرات ذكية قادرة على تحليل المشاهد ورصد الأنماط.

ويشير العيثاوي إلى خطوة رمزية لافتة تمثلت في افتتاح أول متحف متخصص بالذكاء الاصطناعي في بغداد ، وهو مشروع يوظف هذه التقنيات لإعادة إحياء مشاهد من العصر العثماني عبر ترميم الصور القديمة، وإعادة تلوينها، وصناعة بيئات رقمية تحاكي أجواء تلك الحقبة التاريخية.

ويرى أن هذه المؤشرات تعني أن العراق بدأ يسلك المسار الصحيح، وأن الذكاء الاصطناعي لم يعد ترفاً تقنياً بل ضرورة تنموية، مع تأكيده في الوقت نفسه أن الطريق ما يزال طويلاً ويتطلب عملاً متواصلاً، لا سيما في ملف البنى التحتية.

ويصف الفجوة بين العراق والدول المتقدمة بأنها فجوة تركيبية متعددة المحاور. فالمشكلة، من وجهة نظره، لا تقتصر على نقص الأجهزة أو البرامج، بل تمتد إلى غياب هيكلية بيانات واضحة داخل مؤسسات الدولة، حيث ما تزال الكثير من الدوائر تعتمد الأرشفة الورقية أو قواعد بيانات منفصلة لا تتكامل مع بعضها، ما يعيق بناء أنظمة ذكاء اصطناعي فعالة. كما يشير إلى استمرار الاعتماد على الإجراءات التقليدية في المعاملات الحكومية، وضعف الرقمنة المؤسسية، إضافة إلى محدودية مراكز البيانات والبنى التحتية للاتصالات.