اخر الاخبار

العربي الجديد

ما تشهده بغداد منذ أيام يرقى لأن يكون عملية ابتزاز أميركية لحكومة رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي والتي يُرتقب أن يُعلن البرلمان موعد جلسة منحها الثقة خلال أيام، وفقاً لما تحدث به مسؤولون سياسيون في بغداد. وكشفت مصادر سياسية عربية شيعية في بغداد، لـ"العربي الجديد"، عن إملاءات وضغوط تواجه العراق من مسؤولي الإدارة الأميركية، يتصدرها التلويح بورقة الاقتصاد وفرض العقوبات.

 

شروط واشنطن على علي الزيدي

ووفقاً لإفادات سبعة أعضاء في ائتلاف "الإطار التنسيقي" الحاكم في العراق، تحدثت معهم "العربي الجديد"، فإن رسائل أميركية وصلت إلى بغداد تفرض شروط التعاون المستقبلي مع حكومة علي الزيدي، وتضع "لاءات عديدة" في وجهها. وقال أحد المصادر التي تحدثت معها "العربي الجديد"، إنّ الولايات المتحدة تفرض شروطها ليس مقابل الدعم للعراق، بل من أجل عدم فرض عقوبات على العراق، وهذا مشهد غير مألوف منذ الغزو الأميركي عام 2003 وإسقاط نظام صدام حسين. ولفت المصدر إلى أن عبارات "فك الارتباط بإيران"، و"حل الفصائل"، و"سحب سلاحها الثقيل"، وتقديم المتورطين بقصف السفارة الأميركية في بغداد للمحاكمة، وإبعاد المحسوبين على الفصائل المسلحة من المشهد الحكومي، ومنع تسلمهم أي منصب، كلها وصلت إلى بغداد بطريقة أميركية يمكن وصفها بأنها "إملاءات"، وعادة ما يكون التلويح بورقة العقوبات هو المطروح.

من جهته، أكد مصدر آخر لـ"العربي الجديد" أن القوى السياسية العربية الشيعية تتفق على استحالة تطبيق سيناريو نزع سلاح الفصائل بالقوة، وترى أن ذلك سيفجر حمام دم في العراق، وتسعى لوضع قالب معين من خلال دمج منظومة "الحشد الشعبي" أو إعادة هيكلتها، وفرض نظام يتيح وضع الحكومة اليد على سلاح كل الفصائل ضمن مخازن ومستودعات، أسوة بمستودعات الجيش والشرطة. وأكد المصدر أن "عدد القوى الشيعية التي يمكن أن تتبنى مطالب واشنطن، هو صفر، وليس صحيحاً وجود من يتناغم مع العجرفة الأميركية الحالية، ونعتبر أن حكومة الزيدي إذا ولدت ستكون أمام تحديات أمنية وسياسية غير مسبوقة، بسبب الضغوط الأميركية في ملف الفصائل والعلاقة مع إيران".

وتطابقت إفادات 4 مصادر أخرى في أن واشنطن وضعت ملف تفكيك الفصائل المسلحة أو إعادة هيكلتها ضمن أبرز الشروط لدعم الحكومة الجديدة، مع حديث عن "تطهير" الأجهزة الأمنية والجيش من نفوذها. في المقابل، ذكر أحدها أن أحد الأطراف النافذة في "الإطار التنسيقي"، طرح فكرة سحب مواقع الفصائل من المدن والمحافظات وإبعادها عن الحدود، في بادرة أولية. وبيّن أن علي الزيدي شكّل لجنة خاصة تضم رئيس تحالف "الفتح" هادي العامري، وزعيم "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي، وزعيم جماعة "جند الإمام" وزير العمل الحالي أحمد الأسدي، إلى جانب رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني، وممثلين مقربين من الفصائل، هدفها فتح قنوات تفاهم مع القوى المسلحة وإطلاعها على حقيقة الموقف والآثار والمخاطر المترتبة على العراق.

وكشف المصدر عن وجود انقسام كبير بين الفصائل نفسها، إذ تبدي بعض القوى المسلحة مرونة نسبية تجاه فكرة إعادة التنظيم أو الدمج ضمن المؤسسات الرسمية، مقابل رفض قاطع من فصائل بارزة ترى أن "الضغوط الأميركية تمثل استهدافاً مباشراً لمحور المقاومة" ومحاولة لإنهاء دورها العسكري والسياسي داخل العراق. وتوقع أن يتم الاتجاه إلى المرجع الديني الأعلى علي السيستاني في مدينة النجف، ضمن مساعي احتواء الضغوط الأميركية، ومنع تمدد العقوبات الأميركية على مؤسسات عراقية حكومية، مثل البنك المركزي، وشركة تسويق النفط العراقي "سومو"، وهي تهديدات أميركية وصلت في أكثر من مناسبة وموقف خلال الفترة الأخيرة.

وحذر قائد "فيلق القدس" الإيراني الجنرال إسماعيل قاآني الأخيرة في زيارته إلى بغداد، يوم الأحد الماضي، من "الاستجابة لضغوط واشنطن". وذكر أحد المصادر أن قاآني قال "لن يتوقفوا عند حد السلاح أو تفكيك الفصائل، مشروع (دونالد) ترامب في المنطقة هو مشروع إسرائيلي". وتتصدر كل من "كتائب حزب الله"، و"كتائب سيد الشهداء"، وحركة "النجباء"، قائمة الفصائل الرافضة أي خطوات تؤدي إلى تفكيك تشكيلاتها أو تقليص نفوذها، إذ تؤكد تلك الجهات تمسكها بسلاحها تحت مبررات تتعلق بحماية العراق ومواجهة التهديدات الخارجية، في وقت تعتبر فيه واشنطن أن بقاء هذه الجماعات المسلحة خارج السيطرة الحكومية يشكل عائقاً أمام أي شراكة استراتيجية طويلة الأمد مع بغداد.

 

خشية من عقوبات اقتصادية

ويُعتبر الاقتصاد نقطة ضعف العراق الرئيسة أمام مشهد الضغط الأميركي، إذ تخشى بغداد فرض عقوبات اقتصادية، جزئية أو كلية، تحد من قدرتها على بيع النفط والوصول للعملة الصعبة. وبشكل آلي منذ منتصف عام 2003، إبان الغزو الأميركي للعراق، يتم إيداع أموال النفط العراقي في حساب خاص في البنك الفيدرالي الأميركي، ضمن ما عُرف آنذاك بحماية أموال العراق من مطالبات الدائنين لنظام صدام حسين، حيث تتولى وزارة الخزانة الأميركية إرسال شحنات من الدولار (الكاش) إلى بغداد في رحلات منتظمة.

والشهر الماضي، أدى تأخر وصول مبلغ 500 مليون دولار من أموال العراق المودعة في الولايات المتحدة، إلى تراجع كبير بسعر صرف الدينار أمام الدولار الذي وصل إلى 1555 دينارا للدولار الواحد، وعلّل المستشار المالي للحكومة مظهر محمد صالح التأخر بأنه يعود إلى إغلاق الأجواء بفعل الحرب على إيران، مستبعداً وجود تعمد أميركي في تأخير الإرسال.

وتسعى الأطراف العربية السنّية والكردية، إلى تجنّب إعطاء أي موقف حالي في ما يتعلق بالضغوط الأميركية على ائتلاف "الإطار التنسيقي"، واعتذرت قيادات وازنة عن إعطاء تصريح لـ"العربي الجديد". غير أن عضواً في حزب "تقدم" بزعامة محمد الحلبوسي، أحد أبرز الأحزاب العربية السنّية، قال لـ"العربي الجديد"، إن "الشارع في المجمل يؤيد إنهاء عسكرة المجتمع، ومنع خلق دولة ضمن الدولة، ومع تقوية مؤسسات الحكومة، وسيادة القانون، والاتجاه نحو دولة المواطنة"، لكنه رأى أن "الولايات المتحدة تفرض شروطاً بلا ضمانات عن اليوم التالي". واعتبر أن "وجود مصلحة إسرائيلية في الضغط الأميركي على العراق، يجعل حتى من خصوم الفصائل المسلحة يأخذون خطوة للوراء، ولا يؤيدون ما تؤيده إسرائيل".

وفي حديث هو الأول من نوعه منذ بدء الحرب على إيران (في 28 فبراير/شباط الماضي)، قال الشيخ كاظم الفرطوسي، المتحدث باسم جماعة "كتائب سيد الشهداء"، التي أدرجتها واشنطن أخيراً على لائحة المنظمات الإرهابية، لـ"العربي الجديد"، إن "الضغوط الأميركية على العراق حول فصائل المقاومة وسلاح المقاومة تتصاعد ضمن سياق سياسي وأمني يهدف إلى إعادة تشكيل المشهد الأمني في العراق بما يتوافق مع الرؤية الأميركية في المنطقة".

كاظم الفرطوسي: مجرد الحديث عن تفكيك الفصائل المسلحة أو إنهائها أو تقليص قدراتها القتالية، هو أمر مرفوض وبشكل قاطع

وبيّن الفرطوسي أن "مجرد الحديث عن تفكيك الفصائل المسلحة أو إنهائها أو تقليص قدراتها القتالية، هو أمر مرفوض بشكل قاطع. الفصائل تشكل جزءاً أساسياً من منظومة الدفاع عن العراق، وقد أثبتت وجودها في مواجهة تنظيمات إرهابية وتحديات أمنية خطيرة خلال السنوات الماضية". وحذر "من أن أي محاولات خارجية للضغط باتجاه نزع السلاح أو إنهاء دور الفصائل لن تحقق نتائج مرجوة، ولن تغيّر من الواقع في العراق. متمسكون بسلاحنا باعتباره أداة لحماية البلاد وردع أي تهديدات قد تطاول أمن العراق وسيادته في المستقبل". وأكد الفرطوسي ان "الضغوط مهما تصاعدت، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو أمنية، لن تدفع الفصائل إلى تغيير موقفها الثابت. الفصائل لا تخشى التهديدات الخارجية، وتتعامل مع التطورات وفق ما تقتضيه المصلحة الوطنية وضرورات الواقع الأمني". لكنه أشار في ختام حديثه إلى أن "مستقبل هذا الملف يجب أن يناقش ضمن إطار وطني داخلي بعيداً عن الإملاءات الخارجية".

ويضع ملف الفصائل المسلحة وسلاحها خارج سلطة الدولة، حكومة الزيدي المرتقبة أمام اختبار مبكر شديد التعقيد، بين ضرورة الحفاظ على تماسك التحالفات السياسية الداخلية من جهة، والاستجابة للضغوط الأميركية والدولية من جهة أخرى، خصوصاً مع تصاعد الحديث عن ارتباط ملفات الدعم الاقتصادي والاستثمارات الأجنبية والتعاون الأمني بمستقبل معالجة ملف السلاح المنفلت والفصائل المسلحة.