شأن الكثير من مدن البلاد، يُعاني قضاء الشطرة في محافظة ذي قار تحديات بيئية متعددة، في مقدمتها انحسار المساحات الخضراء وتراكم النفايات، فضلا عن تلوّث المياه، الأمر الذي ينعكس سلبًا على الواقعين البيئي والصحي.
وتساهم قلة الأشجار والمساحات الخضراء في ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الغبار، فضلًا عن تراجع الأماكن التي توفر الظل وتحسّن جودة الهواء، في حين يؤدي تراكم النفايات وعدم إدارتها بالشكل المناسب إلى تشويه المظهر العام للمدينة وخلق بيئة ملائمة لانتشار الحشرات والقوارض والحيوانات السائبة، إلى جانب تفشي الأمراض.
وكانت مدينة الشطرة، التي يشطرها نهر الغرّاف إلى نصفين، معروفة في السابق بمساحاتها الزراعية وبساتينها وأراضيها الخضراء، التي شكلت جزءا من هويتها البيئية والزراعية، قبل أن تتراجع مساحات واسعة منها تدريجيا بفعل التوسع العمراني وتغيّر أنماط استغلال الأراضي وتراجع الاهتمام بالغطاء النباتي.
ولا تبدو مشكلة التلوّث في الشطرة حالة خاصة. إذ يعاني معظم مدن البلاد، بدرجات متفاوتة، تحديات بيئية مشابهة، تبدأ من ضعف خدمات النظافة وغياب الإدارة المنتظمة للنفايات، مرورا بتراجع المساحات الخضراء والحدائق، وصولا إلى تلوث مصادر المياه والهواء وتدهور شبكات الصرف الصحي.
وإضافة إلى مشكلتي قلة التشجير وتراكم النفايات، عانت الشطرة على مدى السنوات الماضية، ولا تزال تعاني، مشكلة بيئية قد تبدو أكثر خطورة. فنهر الغراف الذي يشكل جزءا أساسيا من بيئتها ومشهدها الحضري، يواجه الإهمال. حيث تحوّل بعض مقاطعه إلى أماكن لرمي النفايات والمخلفات، فضلا عن وصول مياه الصرف الصحي إلى مجراه في بعض الأجزاء.
وعلى الرغم من تنفيذ الجهات الحكومية، بين فترة وأخرى، حملات تنظيف في النهر، إلا انها غالبا ما تأتي بصورة محدودة ومتفرقة، ولا تنهي مصادر التلوث بشكل جذري، الأمر الذي دفع مجموعات من الناشطين الشباب، خلال الشهور الماضية، إلى إطلاق حملات تطوعية لتنظيف أجزاء من النهر، في محاولة للتعامل مع واقع بيئي يرى الناشطون أن معالجته لا يمكن أن تبقى رهنا بحملات مؤقتة.
تراكم النفايات أحد أبرز التحديات البيئية
يشهد العديد من المناطق السكنية في قضاء الشطرة تراكمًا للنفايات، نتيجة رميها عشوائيا وعدم الالتزام بأماكن تجميعها، الأمر الذي يؤدي إلى تلوث البيئة وتشويه المظهر العام للمدينة.
في حديث لـ"طريق الشعب"، يقول الناشط البيئي حسين عماد انه "من خلال متابعتنا للواقع البيئي في الشطرة، نلاحظ وجود تحديات واضحة تحتاج إلى معالجة حقيقية، أبرزها تراكم النفايات في بعض المناطق، ما ينعكس بشكل مباشر على نظافة المدينة وصحة المواطنين".
ويتابع قائلا: "كما أن تراجع المساحات الخضراء خلال السنوات الأخيرة ساهم في زيادة الغبار وارتفاع درجات الحرارة داخل المدينة".
ويشدد عماد على أهمية زيادة حملات التشجير وتحسين إدارة النفايات من قبل الجهات المعنية، إلى جانب تعزيز وعي المواطنين بأهمية الحفاظ على البيئة، مشيرًا إلى أن "حماية البيئة تبدأ من تعاون الجميع، وأنها مسؤولية مشتركة بين الجهات المعنية وأفراد المجتمع".
في السياق، يتفق الصحفي سجاد جواد مع ما ذهب إليه الناشط عماد بشأن تراكم النفايات في الشطرة. ويبيّن أن "هذه المشكلة باتت تتفاقم بشكل واضح، الأمر الذي يهدد الصحة العامة ويشوّه المظهر الحضاري للمدينة"، مطالبا عبر "طريق الشعب"، الجهات الاختصاصية بـ"تكثيف حملات التنظيف وتعزيز الوعي المجتمعي للحفاظ على بيئة نظيفة وآمنة للجميع".
الإدارة المحلية: المواطن شريك أساسي في الحفاظ على البيئة
من جانبه، يقول قائم مقام الشطرة حيدر غالب، أن "الإدارة المحلية في القضاء تتابع وتوجه الدوائر المعنية للالتزام بالضوابط والمحددات البيئية، لما لذلك من أثر مباشر في حياة المواطنين، فضلًا عن الأبعاد الجمالية للمدينة".
ويضيف قائلا أن "دور المواطن لا يقل أهمية عن دور الدوائر الحكومية"، مبينًا أن "المواطن شريك أساسي في الحفاظ على البيئة".
ويوضح غالب أن "الإدارة المحلية تطلق، بالتنسيق مع التجمعات والمنظمات غير الحكومية، حملات تطوعية لغرس الشتلات وتنظيف المناطق ورفع المستوى البيئي في القضاء، بمشاركة الدوائر المعنية، ومنها البلدية والبيئة والزراعة".
ويؤكد أن "العمل مستمر من أجل الوصول إلى بيئة صحية ومستدامة تساهم في تحسين واقع المواطنين وتعزيز جمالية المدينة".
كما تواصلت "طريق الشعب" مع دائرة البيئة في الشطرة، لمعرفة موقفها بشأن الواقع البيئي، إلا أن الدائرة لم تدلِ بتصريحات، موضحة أن ذلك يأتي التزامًا بتوجيهات وزارة البيئة التي تشترط الحصول على موافقة الوزارة قبل الإدلاء بالتصريحات الإعلامية.
من اسباب ارتفاع درجات الحرارة
مناطق عديدة في مدينة الشطرة تعاني نقصا واضحا في المساحات الخضراء، الأمر الذي يساهم في ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الغبار وتراجع جودة الهواء.
في حديث لـ"طريق الشعب"، يؤكد الناشط البيئي عباس العمري نقص المساحات الخضراء في الشطرة، على الرغم من كون الأشجار وسيلة مهمة لتلطيف الأجواء والحد من الغبار وتحسين جودة الهواء، فضلًا عن إضفاء الجمال على المدينة.
يأتي ذلك في الوقت الذي تشهد فيه البلاد تغيّرات مناخية واضحة تتطلب إجراءات جادة للحد من آثارها على البيئة والإنسان.
ويشير العمري إلى أن "تحسين الواقع البيئي لا يقع على عاتق الدوائر المعنية وحدها، بل هو مسؤولية مشتركة بين المؤسسات الحكومية والمواطنين"، مؤكدًا "ضرورة زيادة أعداد عمال النظافة، ووضع خطة مستمرة لإدارة النفايات، وإطلاق حملات واسعة للتشجير والعناية بالحدائق والأماكن العامة".
ويلفت إلى أن "أهالي الشطرة لا يطالبون إلا بحقهم في مدينة نظيفة وخضراء وصحية تليق بتاريخها وأهلها"، معربًا عن أمله في أن تتحول المطالب إلى خطوات عملية تساهم في استعادة جمال المدينة ورونقها.
مصادر المياه مكبات للنفايات
من المشكلات البيئية الأخرى التي تواجهها الشطرة، ظاهرة رمي النفايات والعبوات والأكياس البلاستيكية في مصادر المياه، لا سيما بالقرب من بعض الأسواق والمقاهي، الأمر الذي يهدد البيئة النهرية وجودة المياه.
وفي هذا الصدد، يشدد مراقبون وناشطون بيئيون ومواطنون، على ضرورة منع هذه الظاهرة بصورة حازمة، لما لها من تداعيات خطيرة على صحة الإنسان والأحياء المائية، داعين الجهات المعنية إلى تشديد حملات المتابعة والرقابة على مصادر المياه، ومحاسبة المخالفين.
ويرى الناشطون أن معالجة المشكلات البيئية في الشطرة تتطلب خطة متكاملة ومستدامة، تبدأ بتوفير حاويات كافية لجمع النفايات في مختلف مناطق المدينة، وزيادة حملات التنظيف، ومنع التجاوزات، إلى جانب التوسع في زراعة الأشجار والاهتمام بالحدائق والمساحات الخضراء، وتحسين شبكات الصرف الصحي، فضلا عن فرض الرقابة على مصادر التلوث وتعزيز الوعي البيئي لدى السكان.
ويشددون على ضرورة إطلاق حملات إعلامية تُعرّف الناس بمخاطر رمي النفايات في الشوارع والأنهار، وتشجّعهم على إيداع المخلفات في الأماكن المخصصة لها.
وفي الوقت الذي يؤكد فيه الناشطون أن المواطن يتحمل جزءا من مسؤولية الحفاظ على البيئة، يرون أن المسؤولية الأكبر تقع على المؤسسات المعنية التي يفترض أن توفر خدمات النظافة والتصريف والتشجير، وتضع آليات مستمرة للرقابة والمعالجة، بما يحول دون تحول المشكلات البيئية إلى أزمات مزمنة.