اخر الاخبار

في عمق البادية الجنوبية الغربية من العراق يقع قضاء السلمان كأحد أكبر الأقضية مساحة وأقلها كثافة سكانية، جامعاً بين قسوة الصحراء وثراء الموارد، وبين التهميش الخدمي وإمكانات استثمارية ضخمة لا تزال في انتظار الاستغلال الفعلي.

ويمتلك القضاء مقومات اقتصادية واعدة، أبرزها توفر المواد الأولية الداخلة في صناعة الإسمنت، إضافة إلى وجود مكامن نفطية ومساحات واسعة صالحة للاستثمارات الزراعية والرعوية، ما يجعله مرشحاً ليكون مركزاً اقتصادياً مهماً في بادية محافظة المثنى.

غير أن الأهالي يؤكدون أن أي نهضة تنموية حقيقية تبقى مرهونة بتطوير شبكة الكهرباء الوطنية واستقرار تجهيز الطاقة، باعتبارها الأساس لجذب المستثمرين وتشغيل المشاريع الصناعية والزراعية وإنهاء حالة العزلة التنموية التي تعانيها المنطقة منذ سنوات طويلة.

وكثيرا ما شكا ويشكو أهالي القضاء، عبر وسائل إعلام، من مشكلات تتعلق بواقعهم الخدمي، لا سيما في مجال البنى التحتية والقطاعين الصحي والتعليمي، إضافة إلى المشكلة الرئيسة المتمثلة في التيار الكهربائي، الأمر الذي يشكل مفارقة واضحة بين ثراء في الموارد الطبيعية وتردٍ في الخدمات. 

مقومات استثمار صناعي وزراعي

قائم مقام قضاء السلمان تكليف الزيادي، يقول في حديث صحفي أن بادية المثنى تُعد من أكبر المساحات الجغرافية في البلاد، مشيراً إلى أنها تمتلك مقومات صناعية وزراعية واقتصادية كبيرة جذبت اهتمام المستثمرين خلال السنوات الأخيرة.

ويوضح أن "البادية تضم مشاريع صناعية واسعة، في مقدمتها معامل الإسمنت. إذ مُنحت 13 إجازة استثمارية لإنشاء معامل إسمنت، يعمل منها حالياً ثلاثة معامل بطاقة إنتاجية تصل إلى نحو 6 ملايين طن سنوياً لكل معمل، فيما تستمر أعمال الإنشاء في معامل أخرى قيد التنفيذ".

ويلفت الزيادي إلى أن "بادية السماوة تشتهر، بحسب نتائج المسح الجيولوجي، بوجود كميات كبيرة من الحجر الجيري الذي يمثل المادة الأساسية في صناعة الإسمنت بنسبة تتراوح بين 70 و80 في المائة من الخلطة الصناعية، ما جعل المنطقة نقطة جذب للاستثمارات الصناعية، فضلاً عن توفر خامات أخرى مثل الرخام والرمل الزجاجي المستخدمين في الصناعات الإنشائية والزجاجية".

وفي الجانب الزراعي، يشير القائم مقام إلى أن "قضاء السلمان استحوذ على نحو 90 في المائة من المساحات المزروعة بالحنطة ضمن مشاريع البادية الزراعية، من خلال عقود واستثمارات كبيرة ساهمت في دعم الأمن الغذائي وتنشيط الاقتصاد المحلي".

لكن أبرز التحديات التي تواجه القضاء – وفقا للزيادي - تتمثل في عدم توسعة امتدادات شبكة الكهرباء داخل البادية واقتصارها على مركز القضاء، الأمر الذي يشكل عبئاً كبيراً على المزارعين وأصحاب المعامل الصناعية ويحد من توسع المشاريع الاستثمارية.

مشاريع نفطية واعدة

في ما يتعلق بالقطاع النفطي، يذكر الزيادي أن هناك مشاريع واعدة باحتياطيات نفطية كبيرة، مبيناً أن "الأعمال لا تزال ضمن مرحلة المسح والاستكشاف دون بدء الإنتاج الفعلي حتى الآن، رغم جاهزية أربعة حقول نفطية في القضاء للدخول في مرحلة الاستخراج مستقبلاً".

ويضيف قائلا أن "شركة (تشنهوا للنفط) الصينية فازت بعقد استثمار وتطوير حقل أبو خيمة النفطي ضمن جولة التراخيص النفطية العراقية. حيث يقع الحقل في ناحية بصية داخل بادية السماوة قرب منطقة أبو خيمة".

ويضم الحقل حالياً – حسب القائم مقام - ثلاثة آبار نفطية مكتشفة جاهزة لأعمال الحفر والتطوير، ما يمثل خطوة مهمة نحو تحويل المثنى إلى محافظة منتجة للنفط خلال السنوات المقبلة.

الأزمة المالية تؤخر إنجاز منفذ حدودي

وبشأن المنافذ الحدودية، يبيّن الزيادي أن العمل جارٍ على إعداد تصاميم منفذ جميمة الحدودي بالتنسيق مع رئاسة الوزراء، موضحا أن تأخر التنفيذ يعود إلى الأزمة المالية التي تمر بها البلاد، رغم رصد تخصيصات مالية للمشروع.

ويبيّن أن "الطريق الرابط بين السماوة والمنفذ يشهد حالياً أعمال إكساء وصيانة بعد انتهاء عمره الافتراضي، فيما لا يزال إنشاء ممر ثان قيد الدراسة في وزارة الإعمار والإسكان".

ويلفت إلى أن "المنفذ المرتقب سيكون بمثابة ميناء بري تمر عبره أكثر من 50 دولة، لا سيما دول آسيا وشرق آسيا، سواء لحركة الزائرين المتجهين إلى الحج والعمرة أم لحركة التجارة العابرة نحو دول الجوار، ما يجعله مورداً اقتصادياً مهماً للمحافظة والقضاء".

الاستثمار لم ينسجم مع تطلعات الأهالي

من جهته، يقول المواطن فهد محسن، أن "قضاء السلمان يمتلك مقومات نجاح كبيرة، إلا أن استثمارها لم ينسجم مع تطلعات الأهالي".

ويضيف قائلا في حديث صحفي أن "منح الإجازات الاستثمارية وإنشاء المعامل والمشاريع الزراعية جرى في مناطق بعيدة عن مركز القضاء، ما دفع بعض العائلات إلى الانتقال للسكن قرب مواقع العمل، الأمر الذي أدى إلى تراجع النشاط السكاني داخل مركز المدينة".

ويدعو محسن الجهات المعنية إلى توجيه الاستثمارات نحو المناطق القريبة من مركز القضاء لتعزيز الاستقرار السكاني وتنشيط الحركة الاقتصادية المحلية. 

وجهة سياحية

أما المواطن عبد الله أسد، فيقول أن ضعف توسعة شبكة الكهرباء الوطنية يمثل "شريان الحياة المفقود" في القضاء، لما للكهرباء من دور أساسي في تشجيع السكن وتنشيط السياحة الداخلية والخارجية.

ويشير في حديث صحفي إلى أن قضاء السلمان يتحول خلال فصل الربيع إلى مصيف طبيعي يجذب السكان والسائحين "حيث تكتسي الأراضي الصحراوية بالغطاء الأخضر وتمتلئ التلال والوديان بمياه الأمطار، إلى جانب مشاهد المواشي والحياة الصحراوية الهادئة تحت ضوء القمر والنجوم".

ويؤكد أن تطوير الخدمات الأساسية يمكن أن يحول القضاء إلى وجهة سياحية واعدة في جنوب غربي البلاد.