عندما نزلنا إلى بغداد في 12 نيسان 2003، في تلك الأيام المضطربة التي أعقبت سقوط الصنم، كنا مجموعة صغيرة من الرفاق، وكان يشغلنا سؤال عملي ومباشر: كيف نستعيد علنية الحزب الشيوعي العراقي بعد عقود من القمع والعمل السري؟
كان همنا الأول الوصول إلى الشيوعيين واليساريين القدامى، وإلى الأصدقاء والنقابيين والشخصيات الوطنية والاجتماعية التي ظلت، رغم سنوات القمع الطويلة، تحتفظ بمكانتها وثقة الناس بها. كنا نعرف أن هؤلاء يمثلون رصيداً أساسياً لاستعادة النشاط الحزبي والسياسي العلني.
ذهبنا بصحبة الرفيق عامر فرحان إلى بيت أخيه حسن"أبو فراس"، اللذين كانت عائلتهما معروفة بصلاتها اليسارية والنقابية والشيوعية، وبعلاقاتها الواسعة مع الأصدقاء. ومن هناك اصطحبونا إلى بيت الرفيق شخص حمودي (أبو عادل)، حيث تجمع عدد من الرفاق القدامى، بينهم الراحل عريان السيد خلف، وخلف الشرع، أبو إخلاص، كريم الربيعي (أبو حاتم) وآخرون.
كان أبو عادل في قلب ذلك التجمع، مبادراً ومحركاً لنشاطه. وكانوا أعدّوا سوية، قبل أن يعلموا بوصولنا إلى بغداد، بياناً باسم الحزب الشيوعي العراقي يعلن عودة نشاطه العلني، استعدادا لإصداره وتوزيعه.
وكانت تلك مبادرة تُحسب لهم، وتقول الكثير عن معدنهم كشيوعيين ظل الحزب حاضراً في وجدانهم، حتى في أقسى الظروف. لم ينتظروا تعليمات، ولم يفكروا في موقع أو صفة حزبيتين. وجدوا أن لحظة العمل حانت، فبادروا وتحركوا.
أخبرناهم يومها أن قيادة الحزب باتت في بغداد، وأن مرحلة جديدة من العمل العلني بدأت فعلا، وطلبنا منهم الاتصال بمن يعرفونه من الرفاق القدامى والأصدقاء، لإعادة الصلات وتوسيع النشاط.
كذلك أبلغناهم بالعمل على حشد الرفاق والأصدقاء يوم 20 نيسان في ساحة الفردوس، لإقامة فعالية جماهيرية.
وبالفعل تحققت الفعالية، التي خرجنا فيها بـ "طريق الشعب" كأول جريدة معارضة للدكتاتورية توزع بعد سقوطها وسط بغداد. وتلقفت وكالات الأنباء الحدث، ليصبح واحدا من الأبرز تلك الايام.
وبعد نجاح الفعالية التي تميزت بسعة المشاركة فيها، انطلقنا بتظاهرة نحو مقر الأندلس، وفتحناه، وخُطّت على واجهة البناية لافتة حملت الاسم الذي غاب طويلاً عن شوارع بغداد: "مقر الحزب الشيوعي العراقي".
ولم يكن ذلك كله غريباً على الرفيق شخص حمودي. فقد انتمى إلى الحزب في وقت مبكر، ونشط في مدينته العمارة، وتعرض بسبب نشاطه إلى الملاحقة والترهيب. وبعد سقوط الدكتاتورية نشط في إعادة بناء منظمة الحزب في بغداد. ثم أوفد إلى محافظة ميسان، حيث أسهم مع رفاقه هناك في إعادة صلات الشيوعيين بحزبهم وتنظيم محلية العمارة.
عرفنا أبا عادل في العمل الحزبي، لكن علاقتنا لم تبق عند حدوده. فقد كان يمتلك تلك الخصلة الجميلة، التي عرفناها لدى كثير من رفاق الأجيال السابقة: القدرة على تحويل الرفقة السياسية إلى علاقة إنسانية، والصلة الحزبية إلى صداقة كلها دفء ووفاء. ومنذ لقائنا في تلك الأيام من نيسان، أصبح أبو عادل صديقاً عزيزاً كذلك، وظلت المودة تربطنا معه على امتداد أكثر من عقدين.
وهذه صفة لا تلتقطها البيانات والسير السياسية عادة. لكن المناضل لا يُعرف بالمواقف التي يتخذها فقط، وإنما أيضاً بما يتركه في الناس من أثر. وأبو عادل ترك وراءه آثاراً من الطيبة والوفاء والكرم الإنساني، مثلما خلّف سيرته الحافلة بالعمل والنضال.
أبا عادل.. وداعاً، فقدنا برحيلك رفيقاً عزيزاً وصديقاً صدوقا، وبقي لنا منك ما لا يأخذه الرحيل: الذكر الطيب، وعبير الرفقة الدافئة، وسيرة الرجل الذي بقي حتى أيامه الأخيرة وفيا لما آمن به.