في كل عام، ما ان تطلّ علينا ذكرى ثورة 14 تموز المجيدة، والتي ما تزال منجزاتها وما قدّمته من خدمات للناس شاخصةً للعيان تؤكد نزاهة واخلاص وحرص وانتماء قادتها وبالأخص الشهيد الزعيم عبد الكريم قاسم الذي عاش واستشهد من اجل الناس والوطن دون ان يمتلك العمارات والشركات والمولات وما الى ذلك من ثروات، بل فتح آفاقا للحياة الحرّة الكريمة من خلال توزيع الاراضي وبناء المدن  السكنية والمصانع والشركات والمدارس والاصلاح الزراعي وغيرها التي اثبتت نزاهة ضميره ومحبّته للناس، ما يجعلني اتذكر بعد انتهاء احدى الجلسات في ملتقى جيكور الثقافي قبل عشر سنوات، اقترح علي صديقي العائد من السويد لزيارة اهله أن يوصلني الى بيتي بسيارته، رحبت بالفكرة وقلت له:

- حسناً، وبالمناسبة تندل بيتي، ونحن في الطريق سألني:

- بيتك ملك؟

- لا.. إيجار حواسم، اندهش، ونظر في وجهي ليقول:

-معقولة؟ لحد الآن ما عندك بيت؟!

-ماذا أفعل؟ هل أصير لصاً، أو محتالاً، أو.... ، ليصير عندي بيت وأنا أعيش وعائلتي على الراتب فقط، و كل يوم يقطعون منه شيئاً؟

وأكملت الحديث: تدري، هذا السؤال أواجهه كل يوم في البيت، في الشارع، في العمل! معقولة ما عندك بيت ملك، وأنت شاعر وإعلامي وموظف ومعروف، معقولة ما حصلت قطعة أرض من الدولة مثلاً؟! وأظل حائراً في الجواب!

نعم، هل يُعقل أن يعيش المواطن في بلده منذ الولادة ويتجاوز الستين عمراً دون أن يمتلك شبراً واحداً في أرض دافع ويدافع عنها بدمه؟!

يقال إن أمريكياً سأل عراقياً: ما هي أحلامك؟ فأجابه العراقي: وظيفة وبيت وزوجة!

فرد عليه الأمريكي: لم أقل حقوقك، سألتك عن أحلامك؟

بمعنى أن كل دساتير العالم تضمن للمواطن حقوقه كاملة في المسكن والوظيفة والعلاج الصحي وغيرها.. إلّا نحن، فدستورنا يعمل على وفق ما يريده المتسيّدون دائماً، المسؤول هو الذي يملك الحقوق والأحلام ويوزّع ما وهبه الربّ زوراً وبهتاناً كيفما اتفق على الأقارب والحاشية والمعارف!

أما المواطن الذي لا حول له ولا قوة سوى حب هذه الأرض والدفاع عنها بأقصى غاية الجود، عليه أن يقف في طابور السحبات المعروفة نتائجها سلفاً والقوائم المُعَدة قبل شروق الشمس، لهذا ظل العراقيّ المسكين الذي لا يمتّ بصلةٍ لأي كرسيٍّ سوى صلته بجذور النخيل وطين دجلة والفرات يعاني الأمرَين من أزمة السكن.. في الإيجار، تجاوزاً، في العراء.. بلا مأوى.. مشرّداً!

المهم السيد المسؤول حالياً يسكن في قصور فارهة وينعم بالدفء شتاءً والبرودة صيفاً دون سائر أبناء الخايبات ممن أخذ عدم الإنصاف بناصيتهم!

لأجل أن يصحو ضميرنا قليلاً، علينا أن نفكر بمَن يجمعون مصروفهم اليومي وقوت عيالهم ليوفروا مبلغ الإيجار الشهري الذي يكسر الظهر! ومَن أكلتهم الحروب والسجون والوظيفة الروتينية وذهب عمرهم دون أن يمتلكوا شبراً واحدا. فأزمة السكن التي يعاني منها الكثير سببها أزمة ضمير مَن يجلس على الكرسي متناسياً انه كان مثلهم ذات يوم، وليكونوا أشباها او شيئا قليلاً من الشبه بما قدّمه الزعيم الخالد في نفوس وقلوب الناس!