إن تعاظم ظواهر الأزمات وتهالك هياكل الاقتصاد الوطني ومصادرة موارده المالية عن طريق الفساد الذي يعد لدى أصحاب الضمائر الحية واحدا من أكبر الأمراض التي استعصت معالجتها من قبل كافة الحكومات التي أدارت السلطة بعد عام 2003، ولا يعني هذا الاستنتاج تبييض صفحات النظام السابق من الانخراط في الهيمنة على مقدرات الموارد والتصرف بها وفق ما يقرره القائد الضرورة. هنا هل يحتاج الاقتصاد العراقي وهو غائص في قاع الازمات وهبوط معدلات التنمية إلى صناديق سيادية لمواجهة المخاطر والأزمات التي تحيق بالعراق والمنطقة؟
إن الاهتمام بصناديق الثروة السيادية أخذ يتعاظم يوما بعد آخر في العديد من الدول التي لجأت إلى هذه الصناديق لاستخدامها في شتى الأنشطة الاقتصادية وبصورة خاصة في الاقتصادات الريعية ولكن الريوع البترولية وغيرها ليست السبب الوحيد في لواذ تلك البلدان إلى تلك الصناديق فإن دولا كاليابان أنشأت هذه الصناديق بناء على ما لديها من موارد أخرى فهذه الصناديق تحولت مع الزمن إلى أداة مهمة من أدوات السياسة الاقتصادية لكونها تصب في تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة ودورها في المحافظة على مصادر الثروة سواء كانت نفطية او ثروات معدنية مطمورة تحت الأرض او الموا رد المتأتية من أوجه النشاط الإنساني الأخرى وتنميتها من خلال عمليات الاستثمار، كما أنها في نهاية المطاف تتحول بذاتها إلى مصادر مولدة للدخل والناتج المحلي الإجمالي فضلا عن وظائفها في تحقيق الاستقرار المالي وتمويل العجوزات في الموازنات السنوية العامة او تسديد الديون من الأموال التي توفرها في مواجهة التقلبات الحادة في الأسعار العالمية.
ولمزيد من التوضيح فان صناديق الثروة السيادية لم تنشأ صدفة بل تعود إلى طائفة من العوامل أهمها انفجار الديون الخارجية بالإضافة إلى توزيع عوائد الثروة النفطية فضلا عن الاستثمار وتمويل مختلف برامج وسياسات التنمية، حيث أن بعض الدول النفطية حققت فوائض مالية كبيرة من موارد النفط مما اقتضى توظيف هذه الفوائض في إنشاء صناديق سيادية لأغراض ليس فقط لعملية التنمية وانما وهو الأهم تنويع مصادر الدخل الوطني وهو ما لم تتخذ الحكومات المتعاقبة التدابير الضرورية لتوظيف الفوائض النفطية لإنشاء صندوق سيادي يسهم في تنويع مصادر الدخل ومعالجة أمراض الاقتصاد العراقي، والعامل الرابع وهو المهم الإسهام في استقرار أسعار الصرف بو صفها احتياطيا نقديا وأداة من أدوات الساسة المالية والنقدية.
لقد وفرت العديد من الدول تجربة غنية في مجال استخدام صناديق الثروة السيادية يمكن الاستفادة منها في اتخاذ الخطوة الأولى على طريق التوسع وتسجيل تجربتنا الخاصة، ومن بين الدول التي استخدمت هذه الصناديق الولايات المتحدة واليابان والنرويج وأبو ظبي والصين والكويت والسعودية وكوريا الجنوبية وهونغ كونغ، وقد بلغ حجم الثروة في هذه الصناديق في عام 2018 9 تريليون و508 مليار دولار، مع العلم ان صندوق التقاعد الحكومي النرويجي حاز على المرتبة الأولى كأكبر صندوق سيادي عالمي، وأن الكويت كانت الدولة العربية الأولى في إنشاء الصندوق الخاص بها في عام 1952.
لقد حاول العراق إنشاء صناديق مماثلة لما تقدم ولكنها للأسف كانت تجربة فاشلة فصندوق التقاعد الوطني والصندوق العراقي للتنمية الخارجية يرتبطان بوزارة المالية ولم تخضع لمبادئ سانتياغو التي تتكون من 23 مادة تلزم ان تدار الصناديق السيادية من قبل مجلس إدارة ويتمتع بدرجة عالية من الشفافية وخاضع للرقابة والتدقيق. أما وظيفة الصندوق العراقي للتنمية الخارجية فهي تقديم القروض للدول العربية. وهناك صندوق تنمية العراق تأسس بعد عام 2003 ووظيفته الحفاظ على الموارد النفطية لكنه ألغي وأنشئ مكانه حساب لهذه الموارد في البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بزعم الحفاظ على أموال العراق من الادعاء بديون مشبوهة ويتعامل مع وزارة المالية وفق آلية قائمة على التقسيط في التحويل. إن الحكومة الجديدة مطالبة بالشروع في إنشاء صناديق سيادية لأغراض الاستثمار والتأمينات الاجتماعية وتسديد الديون العامة وغيرها وتمويلها من الموازنات السنوية او من الفوائض النقدية ان حصلت.