لا يحتاج بعض "المثقفين" في العراق أكثر من إعلان اسم رئيس وزراء جديد، كي يغيّروا ولاءاتهم بسرعة تثير الدهشة. فبمجرد انتقال التكليف من شخص إلى آخر، تبدأ موجة جديدة من التهليل والتطبيل، وكأن البلاد اكتشفت فجأة "المنقذ المنتظر".
والمفارقة أن هذا الاحتفاء لا يسبقه تريث، ولا قراءة للبرنامج، ولا محاولة للتعرف على الإمكانيات الفعلية للمكلف، أو طبيعة فريقه، أو حدود قدرته على معالجة ولو أزمة واحدة من الأزمات المستفحلة. يكفي أن يُعلن عن المكلف حتى تبدأ موجة المديح، وكأن وظيفة المثقف تحولت من النقد إلى الترويج، ومن مساءلة السلطة إلى التكيف معها.
تكشف هذه الظاهرة أزمة في الوعي الثقافي والسياسي. فالمثقف، بحكم موقعه المعرفي والأخلاقي، يفترض أن يكون أكثر الناس حرصاً على الاحتفاظ بمسافة نقدية من السلطة، لا أكثرهم استعجالاً في الاقتراب منها. فدوره لا يقوم على صناعة الهالة الوهمية، بل على تفكيكها ونقدها.
لكن ما نراه في كثير من الأحيان هو العكس تماماً. فبعض من يُفترض أنهم أهل رأي ومعرفة، يتصرفون بعقلية المطبّل لا بعقلية الناقد. يسارعون إلى المديح قبل أن تُختبر التجربة أو يُعرف أداء الممدوح، ثم لا يلبثون أن ينتقلوا، بالسرعة نفسها، إلى موقع جديد كلما تغيّرت موازين القوة.
والأمر هنا لا يتعلق بسلوك فردي، بل بإرث ثقافي طويل. فالعراق عاش عقوداً ثقيلة من الحكم الدكتاتوري وثقافة تمجيد الحاكم، حيث تحوّل التهليل إلى وسيلة للنجاة، والتصفيق جزءاً من الحياة العامة. وفي تلك المرحلة، جرى إضعاف العقل النقدي وترسيخ ثقافة الخضوع والتكيف والتسلق. ولم تنتهِ آثار ذلك كله بسقوط النظام، بل بقيت كامنة في سلوك بعض المثقفين، الذين ما زالوا يرون في القرب من السلطة مكسباً لا تهديداً لاستقلالهم.
المشكلة أن هذا النوع من التملّق الثقافي لم يسقط بالكامل بسقوط النظام الدكتاتوري، بل بقي كثير من آثاره كامناً في سلوك البعض، وخصوصاً لدى أولئك الذين اعتادوا العيش داخل منظومة التلميع والتبرير. تغيّرت الوجوه، لكن الآلية بقيت كما هي: صناعة صورة أكبر من الواقع، وتقديم كل سلطة بوصفها دائماً على وشك تحقيق الخلاص.
المثقف الحقيقي يُقاس بقدرته على الحفاظ على استقلاله النقدي. فوظيفته ليست البحث عن موقع داخل السلطة، بل الدفاع عن المجتمع في مواجهتها حين تخطئ، والوقوف إلى جانب حقوق الناس وكرامتهم.
المثقف ليس موظف علاقات عامة، ولا ناطقاً باسم الحاكم، ولا تاجراً للكلمات بحسب اتجاه الريح. إنه، في جوهر دوره، حامل وعي، ومسؤولية أخلاقية، وصوت نقدي يساعد المجتمع على رؤية ما وراء الخطاب الرسمي.
ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن يصيب الثقافة هو أن تتحول إلى ملحق بالسلطة، أو أن يفقد المثقف حسّه النقدي لصالح المكاسب العابرة. فالمجتمع الذي يفقد مثقفيه النقديين، لا يخسر أصواتاً فقط، بل يخسر جزءاً من قدرته على فهم نفسه.
وما قيمة المثقف إذا كان أول من يصفق حتى قبل أن يرى؟
وما معنى الثقافة إذا تحولت إلى مهارة في التبرير والترويج؟
إن المثقف الذي يبدّل ولاءاته مع تبدّل المواقع، لا يعبّر عن أزمة فردية فحسب، بل عن أزمة ثقافة لم تتحرر بعد بالكامل من إرث الخضوع الطويل.