اخر الاخبار

تعتبر دالة الأسعار في أي بلد، الأداة الناظمة لتوزيع الدخل والإنتاج ولهذا تعمل الدول الآخذة في التطور على وضع الضوابط للحد من الانفلات السعري في السوق وخصوصا تلك الدول التي تتعرض لمخاطر الحروب كالتي تجري في منطقتنا مما تسهل على مواطنيها إمكانية الحصول على السلع الضرورية لإدامة حياتها، ففي العديد من دول العالم التي تتبع اقتصاد السوق مثلا تلزم باعة الجملة والمفرد بوضع لائحة الأسعار في مداخل محلات البيع لاطلاع المتسوقين عليها وعلى ضوئها تتخذ قرارات الشراء والبيع.

ومن الناحية النظرية فان الأسعار تتحدد بالنقطة التي يلتقي عندها منحنيا العرض والطلب حيث يمثل منحنى الطلب مقدار القوة الشرائية المجموعية (الانفاق العام) للدولة والإفراد والشركات الخاصة ونقصد هنا منحنى الطلب الاستهلاكي والاستثماري اما منحنى العرض فيمثل كمية السلع المعروضة في الأسواق سواء المنتجة محليا وهي الأقل او المستوردة وهي الطاغية. وما دمنا نتحدث عن القوة الشرائية وهذا هو موضوع جوهري في مناقشة الأسعار لتحديد نصيب الافراد من البضائع المعروضة فان ذلك يقودنا إلى كيفية توزيع الثروة على أفراد المجتمع وتقييمها بشكل دوري وهذه بمجملها موضوعات ينبغي ان تكون محور النقاش على مستوى الدولة والمجتمع. للإجابة عن سؤال محوري هل يتعرض المواطن العراقي وخاصة الطبقات الفقيرة وذوو الدخل المحدود للاستغلال الناجم عن جشع التجار؟ وما هي نتائجه المستقبلية من خلال هذه المناقشات وخلاصاتها وماهي واجبات الدولة ؟

ويبدو أن هذا الموضوع لم يعد محصورا في دوائر اختصاص مغلقة منذ عشرات السنين حينما ارتضت الدولة لنفسها أن تختار اقتصاد السوق كنظام اقتصادي في العراق وفقا للفكر الليبرالي ويا ليتها، بل تم اختيار الفكر الليبرالي المتوحش ففي ظنها أن عتلات السوق لوحدها هي التي تحدد مستويات الدخل والإنتاج والأسعار وفقا لنظرية ادم سميث وريكاردو ومجايليهم او هكذا قرأوها، كما يبدو وبسحرية هذه الآليات تتوزع الثروة بشكل عادل بين المواطنين الذين كانوا يطمحون إلى نظام يرفع عنهم غلة الجوع والفقر والعوز وعلى العكس فقد قرأوها بالمقلوب فكل سعيهم بسياساتهم الاقتصادية المتعثرة انصب على بناء اقتصاد هجين ومن العسير توصيفه وفقا لكل النظريات التي تعلمناها في قاعات الدرس.

إن إحدى الظواهر الاقتصادية الماثلة في الاقتصاد العراقي هي التضخم العالي الناشئ عن تدفقات نقدية عالية تطرح سنويا في السوق عبر الانفاق المالي المتأتي من الموارد النفطية فحولوا بهذه السياسة إلى اقتصاد ريعي او هكذا كان بالأصل وانتقلت ارتداداته إلى الموازنات التشغيلية في الموازنة العامة وفي نفس الوقت يعتمدون تجاريا على سلاسل التوريد لكل شيء من الخارج، مما يترتب على ذلك الخضوع لسياسة الإغراق استجابة للسياسة الرأسمالية المعولمة بالإضافة إلى أن السياسات النقدية التي يتبعها البنك المركزي العراقي التي تعيد الدولار المتأتي من الموارد النفطية إلى الخارج بدلا من توظيفه في القطاعات الإنتاجية والخدمية المنتجة، وفي آخر هذه الرحلة المتعثرة عملوا على انخفاض سعر الصرف للدينار العراقي إزاء الدولار مما أضعف القوة الشرائية للدينار وبالتالي أدى إلى ارتفاع الأسعار مع غياب الإنتاج المحلي المتهيء للتصدير واختلال الميزان التجاري وتسبب كحصيلة نهائية إلى الاختلال في توزيع الثروة بين المواطنين وهكذا تتولد بنية اجتماعية مضطربة تعكس تناسل طبقات بيروقراطية فاسدة وطبقات طفيلية نهابة وطبقة كإمبراطورية تقابلها طبقات فقيرة تحت خط الفقر وعلى جانبيه وطبقة متوسطة بالكاد توفر لنفسها السلع الاساسية. 

إن ترك الأسعار عائمة في السوق في ظل فوضى اقتصاد الحرب سيظل العراق بوابة لإعصار اجتماعي يصعب إن لم نقل يستحيل السيطرة عليه ما لم تعد الدولة النظر بسياستها الاقتصادية الراهنة والبحث الجاد عن مخارج للفوارق الطبقية المستفحلة في المجتمع على أساس واقعي بعيدا عن النظريات المستوردة، من خلال تفعيل دور المجلس الاقتصادي وإعطائه صلاحيات تمكنه من رسم السياسات الاقتصادية على ضوء الواقع والحاجة ويتولى متابعة الانتاج والتوزيع وبناء جهاز مراقبة التكاليف الاجتماعية ووضع التشريعات الناظمة لإعمال هذا المجلس وصلاحياته.