إذا تجاوزنا ضجيج خطاب ترامب وتناقضاته، ونظرنا إلى الوقائع بعين تحليلية هادئة، فإن السؤال الجوهري لا يعود: كم ضربة وُجّهت؟ ولا كم هدفاً دُمّر؟ بل ماذا حققت واشنطن سياسياً واستراتيجياً من هذه الحرب!
حتى الآن، لا تبدو الحصيلة لصالحها. فالنظام الإيراني لم يسقط، ولم تظهر مؤشرات جدية على انهياره. بل إن بنية القرار فيه أعادت ترتيب نفسها بسرعة، وانتقلت إلى مستوى أعلى من التماسك والتشدد. وهذا يعيد طرح درس قديم، مفاده أن الضربات الخارجية بدل إضعاف الأنظمة، كثيراً ما تعيد إنتاجها بصورة أكثر صلابة.
في الميدان، لم يتحقق الحسم. فالضربات الجوية الكثيفة لم تُنهِ قدرة إيران على الرد، بل أبقت الصراع في دائرة الاستنزاف. الصواريخ لا تزال تُطلق، والممرات الحيوية تتعرض للتهديد، ومضيق هرمز تحوّل إلى نقطة ارتكاز في ميزان الصراع. ومع دخول قوى أخرى على خط المواجهة، من اليمن ومضيق باب المندب الى ساحات أخرى، لم تعد الحرب ثنائية، بل أخذت طابعاً إقليمياً مفتوحاً.
وهنا يظهر التناقض المركزي، فالتفوق العسكري لا يتحول تلقائياً إلى حسم سياسي.
أما على مستوى التحالفات، فلم يتحقق الإجماع الغربي الذي اعتادت واشنطن البناء عليه. حلف الناتو لم يُظهر وحدة موقف واضحة، وأوروبا بدت حذرة، تدرك كلفة الانخراط في حرب طويلة. في المقابل، لم تنخرط دول الخليج بحماس، بل تعاملت مع الحرب بقلق واضح، إدراكاً منها أن جغرافيتها ستكون أول من يدفع الثمن.
اقتصادياً، بدأت نتائج الحرب تتجلى بسرعة. أسعار النفط ارتفعت، والغاز تأثر، وسلاسل الإمداد العالمية دخلت في حالة اضطراب. لكن الأهم أن هذه الكلفة لا تتحملها مراكز القرار، بل تُلقى على عاتق الشعوب: ارتفاع في الأسعار، تراجع في القدرة الشرائية، وضغط متزايد على الاقتصادات الهشة.
وهنا يفرض التحليل الطبقي نفسه. فالحروب، في جوهرها، لا تُدار باسم الشعوب، بل باسم مصالح محددة. شركات السلاح تنتعش، ورؤوس الأموال المرتبطة بالطاقة والنفوذ تجد في الحرب فرصة لإعادة ترتيب مواقعها، فيما تدفع الشعوب الثمن: دماً، ولقمة عيش، ومستقبلاً.
والسؤال: ماذا تحقق لواشنطن؟
لا حسم عسكريا، ولا تغيير سياسيا، ولا إجماع دوليا، بل استنزاف مفتوح، وتوسّع في رقعة الصراع، وكلفة اقتصادية تتصاعد. فالقدرة على الضرب شيء، والقدرة على فرض النتائج شيء آخر.
وهنا تكمن المفارقة الأعمق، فالقوة التي تُستخدم لإعادة رسم خرائط النفوذ قد تنتهي إلى كشف حدودها. لكن، في النهاية، لا تُقاس هذه الحرب بما تحقق أو لم يتحقق للقوى الكبرى، بل بما خلّفته من أثر في حياة الشعوب. فهناك، بعيداً عن خرائط النفوذ، تُدفع الكلفة الحقيقية، مدن مهددة، واقتصادات منهكة، ومجتمعات تُدفع مرة أخرى إلى حافة عدم الاستقرار.
لهذا، فإن السؤال الأهم ليس، ماذا ربحت واشنطن؟ بل من يخسر فعلاً في هذه الحرب؟
والجواب، كما في كل مرة، واضح: الشعوب أولاً… ودائماً.