اخر الاخبار

نقف ضد الحرب، لأن التجربة علمتنا أن الحروب لم تُشعل يوماً لمصلحة الشعوب، بل لخدمة قوى الهيمنة والنفوذ. فموقفنا ليس انفعالاً عابراً، بل هو خيار فكري وسياسي وأخلاقي راسخ، تشكّل عبر عقود من المعاناة.

وقد عرفنا في العراق معنى الحروب جيداً، عرفنا حروب انظمة لاستبداد، كما عرفنا الحروب التي فُرضت علينا من الخارج. ووقفنا ضد الحرب العراقية-الإيرانية، وطالبنا بإيقافها فوراً، ورفضنا غزو الكويت وما تلاه، كما وقفنا ضد العدوان الأميركي واحتلال بلادنا، مع أننا كنا من أشد المعارضين للنظام الدكتاتوري.

لهذا نقول اليوم بوضوح ودون اي التباس، ان الحرب التي تشنها واشنطن وتل أبيب على إيران هي حرب عدوانية، مهما حاولوا تبريرها بشعارات الأمن أو الردع. فهي، في جوهرها، جزء من صراع نفوذ إقليمي ودولي، لا علاقة له بمصالح شعوب المنطقة، ولا بتطلعاتها إلى الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق،  نحن لا ننطلق في رفضنا للحرب من موقع دفاع عن النظام الإيراني، او تبرير سياساته، أو التغاضي عن انتهاكاته لحقوق الإنسان، أو تضييقه على الحريات، أو فرضه نمطاً أحادياً على المجتمع، لا ولا عن تدخله في شؤون دول المنطقة.

لقد عارضنا بجلاء تدخل إيران في شأننا العراقي، ورفضنا سعيها لمدّ نفوذها داخل النظام السياسي. مثلما رفضنا جميع أشكال التدخل الخارجي، سواء كانت إقليمية أم أميركية، وذلك تمسكاً بسيادة العراق ومبادئ حسن الجوار والتعاون، بعيداً عن فرض الإرادات والهيمنة، وبما يعزز السلام والتنمية خدمةً لشعوب المنطقة. ومن هذا المنطلق ذاته، نرفض فرض التغيير بالقصف والتدمير، فالتجربة أثبتت أن التدخل الخارجي لا يُحرر الشعوب، بل يُقوّض حركاتها الاجتماعية، ويُضعف قواها الحية، ويُجهض إمكانات التغيير الداخلي.

ان الحروب لا تُنتج ديمقراطية، بل غالباً ما تُنتج أنظمة أكثر تشدداً، أو فوضى مفتوحة. وهي لا تسقط الأنظمة بالضرورة، بل قد تمنحها ذرائع إضافية لتشديد قبضتها على المجتمع، وإغراقه  في أزمات ممتدة. وما يُطرح بوصفه "تحريراً" ينتهي، في كثير من الحالات، بتفكيك الدولة، وإضعاف مؤسساتها.

ولا نأتي بجديد اذا قلنا ان واشنطن ليست ساعية للعدالة، وتل أبيب ليست مدافعاً عن الحرية والحقوق. بل ان كليهما يتحركان وفق مصالحهما الاستراتيجية، التي كثيراً ما تتعارض مع مصالح شعوب المنطقة. وهذه الحروب، مهما تغيرت ذرائعها، تظل في جوهرها أدوات لإعادة رسم خرائط النفوذ، لا لتحقيق العدالة أو الحرية.

ومن هنا، فإن أي تغيير في إيران، أو في غيرها من بلدان المنطقة، لا يمكن أن يكون مشروعاً ما لم يكن نابعاً من الداخل. لآن التغيير الحقيقي لا يُستورد، ولا يُفرض بالقوة العسكرية، بل يُصنع بإرادة الشعوب، وبنضالها، وبقدرتها على فرض التحول من داخل مجتمعاتها.

ان الحرب، في جوهرها، ليست حلاً، بل هي تعقيد للحلول. هي ازهاق للأرواح، واستنزاف للموارد، وتخريب للبنى التحتية، وكسر لإرادة الشعوب، وتكريس للتبعية.

لهذا نرفضها اليوم كما رفضناها بالأمس .. وموقفنا هذا ثابت، لا يتغير بتغير الأطراف. وهو منحاز دائماً إلى الشعوب، لا إلى القوى المتصارعة على حساب الشعوب.