اخر الاخبار

تخيلوا معي هذه القصة: تذهب السيدة أحلام رفقة زوجها المناضل جبار نعيم وطفلها الرضيع لزيارة أخيها رشيد، العسكري القادم من الجبهة بعد معارك طاحنة في منطقة " ديزفول" أثناء الحرب الإيرانية العراقية، وما أن شربا الشاي معا مستبشرين بسلامته حتى داهمت المنزل قوة مسلحة من الأمن والجيش الشعبي رفقة قريبهم الصبي سعدون، البالغ من العمر ثلاثة عشر عاما ، والذي كان يعمل "صانع" بسيطا في خان الذهب في بغداد ، واعتقلته قوات الأمن طالبين منه إرشادهم الى المنزل. ووسط ذهول وصراخ أحلام، اقتاد الأمن فورا زوجها جبار وإخوانها التفات ورعد ورشيد ومعهم الدليل الصبي سعدون. وأرادوا اعتقالها هي أيضا، لكنهم تركوها ربما بسبب صراخ رضيعها.

وهكذا اقتيد الخمسة الى غياهب السجون وغرف الإعدامات، وضاع أثرهم حتى اليوم.

في منطقة " كسنزان" الأربيلية، حيث خُصصت مقبرة للشيوعيين المغيبين، ممن لمن يحصل أهاليهم على جثامينهم، وضعتُ بنفسي شاهدة قبر زوجي الشهيد سامي حسن، ثم تجولتُ بين الشواهد الأخرى المرصوفة على الأرض، والمتكئة منها على سياج المقبرة بسبب ضيق المكان. توقفت بعينين دامعتين عند شاهدتين، أعادتا لي شريط ذكريات جمعت زهو الشباب والحماس في العمل من أجل وطن حر وشعب سعيد، مع مرارة التوجس من القادم الوخيم، وقد لاحت بوادره بعد إلقاء القبض على العديد من الرفاق واختفائهم .. إنهما شاهدتا رفيقيّ في تنظيم الجامعة، الشقيقان صبار وجبار نعيم..

اجتاحتني رعشة وأنا استرجع جمال ملامحهما ونبل أخلاقهما وجديتهما في العمل الحزبي. السيدة أحلام شقيقة المناضل سعدي ثجيل، المشرف على تنظيم أمور المقبرة ، أخ الشهداء رعد والتفات ورشيد وقريب الصبي سعدون. بعد نشر صور تواجدي في تلك المقبرة بوسائل التواصل الاجتماعي اتصلت بي صبرية أخت الشهيدين صبار وجبار.. وتخيلوا معي أيضا المناحة وذرف الدموع على شباب بعمر الورود، وهبوا أغلى ما عندهم للوطن. وبتواصلي معها حكت لي تفصيلات عن عائلتها المندائية البسيطة في الناصرية ، وعن انضمام أخوتها للحزب الشيوعي ، بدءا من كبيرهم عزيز معلم المدرسة الذي اعتقل مرات ثم ابعد عن الوظيفة ، وعن جبار الهادئ الناشط بالعمل السري ، وعن صبار الأكثر حيوية والمنخرط في العمل الحزبي العلني ، ثم هي الصغيرة بينهم والتي أوكلت لها مهمة توزيع الرسائل والمناشير بين الرفاق ، قبل ان تنتمي لرابطة المرأة وللحزب الشيوعي بعمر 14 عاما.

 تصف صبرية وضع بيتهم الحرج في الناصرية، وتعرضهم الدائم لمداهمات الحرس القومي، مسترجعة أبيات أشعار والدتها التي تشق القلب، وقصها ضفائرها حزنا على أولادها المعتقلين. ولصبار حكاية عجيبة تصلح مشاهد لفيلم تراجيدي.. إذ تذكر أنه لم يتزوج وبقي مختفيا في أماكن عديدة رغم ملاحقته من قبل الأمن. وذات يوم عانى من ألم شديد في ضرسه ، فتوجه مضطرا لطبيب أسنان في الحارثية ببغداد، حيث خضع لتخدير السن على كرسي الطبيب، وحينها داهمته قوة كبيرة من الأمن لتلقي القبض عليه، وتقتلع معه حتى الكرسي الطبي!