ليست هذه الحرب الأولى التي تُطرح فيها فكرة التغيير بالقوة. لكن حتى التاريخ القريب يقول بوضوح إن المجتمعات لا تتغير بالقصف الجوي، بل بحركتها الداخلية. ففي كل مرة تندلع فيها حرب في منطقتنا، يُرفع الشعار ذاته: تغيير الأنظمة بالقوة. غير أن تجارب العقود الماضية تؤشر نتيجة مختلفة، فالحروب قد تغيّر موازين القوة مؤقتاً، لكنها نادراً ما تُسقط الأنظمة، بل كثيراً ما تدفع المجتمعات إلى الالتفاف حول فكرة الدفاع عن الوطن.
تتواصل الحرب التي اندلعت فجر الثاني من شباط الجاري بعد شنّ الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل هجوماً جوياً واسعاً على إيران، أعقبه رد إيراني استهدف قواعد ورادارات عسكرية وبعض المطارات في إسرائيل وعدد من دول الخليج. وجاء هذا التصعيد بعد توقف مسار المفاوضات، لتعود المنطقة مرة أخرى إلى منطق القوة والسلاح بدل البحث عن حلول سياسية.
وفي سياق هذه المواجهة يُطرح هدف تغيير النظام في إيران. غير أن التجارب التاريخية تشير إلى أن الحروب الخارجية لم تكن طريقاً ناجعاً لإسقاط الأنظمة. وقد مرت إيران بتجارب قاسية من الصراع العسكري، أبرزها الحرب العراقية–الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، إضافة إلى مواجهات متعددة مع الخارج. ومع ذلك لم يسقط النظام تحت وطأة الحرب، بل إن المواجهة العسكرية كثيراً ما عززت التماسك الداخلي باسم الدفاع عن الوطن.
فالمجتمع الإيراني، ورغم تنوع المواقف السياسية فيه، يتميز بنزعة واضحة للدفاع عن البلاد حين تتعرض لعدوان خارجي. وهذه النزعة لا تقتصر على أنصار النظام، بل تشمل شرائح واسعة من المجتمع، بما فيها معارضون ينتقدون السلطة في الظروف العادية. ففي لحظات الحرب يتراجع الخلاف الداخلي، ويتقدم الشعور الوطني المرتبط بكرامة الوطن وسيادته.
هذا لا يعني أن الحرب لا تترك آثارها على المجتمع الإيراني. فقد تتصاعد نبرة السخط أو التذمر وتظهر انتقادات لأداء النظام، غير أن هذه المواقف غالباً ما تتراجع أمام أولوية الدفاع عن الوطن. وهنا تكمن المفارقة، فالحرب التي يُراد منها إضعاف النظام قد تمنحه فرصة لإعادة إنتاج شرعيته عبر خطاب الدفاع عن الوطن.
من جهة أخرى، يراهن بعض معارضي الخارج على الحرب بوصفها طريقاً مختصراً للتغيير. لكن التجربة أثبتت أن التدخل الخارجي غالباً ما يضعف الحركات الاجتماعية الداخلية بدلاً من أن يقوّيها، إذ يسهل على السلطة حينها اتهام أي حركة احتجاجية بالارتباط بالخارج.
وليست هذه المواجهة هي الأولى بين إيران وإسرائيل. فقد شهدت المنطقة خلال عامي 2024 و2025 تصعيداً عسكرياً مباشراً بين الطرفين، بدأ بضربات إسرائيلية استهدفت مواقع إيرانية وقادة في الحرس الثوري، أعقبها رد إيراني بالصواريخ والطائرات المسيّرة. ورغم اغتيال عدد من كبار القادة الإيرانيين، لم تؤد تلك الضربات إلى انهيار النظام، بل أظهرت قدرة الدولة على تعويض خسائرها القيادية بسرعة.
لهذا تبدو فكرة التغيير عبر الحرب محفوفة بالمخاطر. فالحروب لا تفتح بالضرورة أبواب التحول السياسي، بل كثيراً ما تعزز أيضا النزعة الأمنية وتشدد قبضة السلطة.
إن تغيير الأنظمة السياسية، مهما كان الجدل حولها، يبقى في النهاية شأناً داخلياً يخص شعوب تلك البلدان. فالشعب الإيراني هو من يملك الحق في أن يقول كلمته بشأن نظامه ومستقبله. أما التدخل الخارجي، وخصوصاً عبر الحرب، فإنه غالباً ما يعقّد مسارات التغيير بدل أن ييسرها.
ويبقى التاريخ يكرر درساً واحداً: الحروب قد تدمر المجتمعات، لكنها نادراً ما تصنع التغيير المنشود.