من المعروف أن السياسة النقدية جزء لا يتجزأ من السياسة الاقتصادية العامة للدولة وأهميتها تتجسد في التعبير عن مراقبتها لعرض النقد عن طريق البنك المركزي عبر استيعاب الآليات التي ينتقل إثر هذه السياسة لتحقيق أهداف السياسة الاقتصادية وبوجه خاص في الجزء المتعلق بدور البنك المركزي في هذه السياسة التي تتمثل في أربعة أهداف أساسية المتمثلة برفع مستويات النمو وفي واستقرار سعر الصرف ومحاربة التضخم وتحقيق التوازن الخارجي في ميزان المدفوعات.
وفي العودة إلى المبررات الأساسية التي دعت إلى رفع سعر صرف الدولار كما ذكر في حينه من قبل البنك المركزي حسب الصلاحيات الممنوحة له نجد تظافر السياستين النقدية والمالية كما حدث مع إعداد الورقة البيضاء مثلا التي أعدها وزير المالية السابق وتحولت إلى منهاج للحكومة المؤقتة، لكننا كمتابعين لم نلمس أثرا للورقة البيضاء بدليل بقاء الاقتصاد كما عهدناه منكمشا ولم تتحقق العبارات المنمقة الواردة في الورقة كما انها لم تعالج الآثار الجانبية للورقة التي أضافت عبئا على حياة الناس ولم تحدد إطارا واضح المعالم لمستقبل سعر الصرف والحفاظ عليه من التغيرات الاقتصادية على المستويين الداخلي والخارجي.
وينتاب العراقيين قلق مشروع في هذه الأيام التي يشتد أوار حرب إسرائيل وأمريكا اللتين حزمتا أمرهما في الهجوم على إيران بمختلف الأسلحة المتطورة، وبالنظر للظروف الجيوسياسية التي تحيط بساحة الحرب فقد تتوافر إمكانية انتقال سعيرها إلى ساحة العراق إذا ما تحولت إلى حرب إقليمية شاملة في حال دخول دول أخرى متمثلة بدول الخليج، وكانت بوادر التحضير لهذه التدخل قبل أيام من اندلاع الحرب.
إن نذر الحرب الشاملة وعوامل اندلاعها كانت قائمة، فعلى سبيل المثال أن روسيا على لسان نائب وزير الخارجية الروسي نقل عن بوتين قلقه من شمولية الحرب فإنها إن وقعت ستغير الشرق الأوسط جذريا، ولهذا حذر أمريكا من مغبة التدخل المباشر، كما أن إسقاط النظام الإيراني كان مخططا تاريخيا فإن مؤشرات ما يحدث ترجعها التحليلات إلى الكتاب الصادر عن مؤسسة بروكنيز عام 2009 تحت عنوان (أي طريق إلى بلاد فارس )، أصدر هذ الكتاب خبراء السياسة الخارجية بمن فيهم كنيث بولاك وسوزان مالوني وروس ريدل وقد حددت خيارات السياسة الامريكية للتعامل مع إيران، وعرض الكتاب خمسة خيارات استراتيجية للتعامل معها، وتضمن الفصل الخامس منها تركها لنتنياهو لحثه على تنفيذ هجوم عسكري.
وفي ظرف اشتداد سعير الحرب وإمكانية دخولها لساحة العراق فإن مشكلة ارتفاع سعر صرف الدولار أظهرت غياب استقلالية البنك المركزي بعد تدخل البنك الفدرالي الأمريكي في وضع القيود على السياسة النقدية حيث قرر إيجاد منصة في البنك المركزي لمراقبة تهريب الدولار إلى الخارج وغيرها من التحويلات المشبوهة قد يكون ذلك تم بالتنسيق مع البنك المركزي وهي خطوة رغم اشكالياتها ولكنها جاءت متأخرة بعد تهريب مئات المليارات من العملة الصعبة لطالما جرى التأكيد على البنك المركزي العراقي بضرورة ادخال التكنولوجية في مراقبة المصارف، كما أن خطورة ارتفاع سعر الصرف كانت من اهتمامات ممثلة الأمم المتحدة في العراق إذ اكدت في تقريرها إلى مجلس الأمن الدولي مؤخرا بأن التأخير في الإصلاح السياسي والنقدي والمالي الذي تمس الحاجة إليه والذي طال انتظاره واضح في جميع انحاء البلاد، وكان مثيرا للقلق في الآونة الأخيرة رؤية ارتفاع سعر الصرف في السوق الموازي وبالفعل فقد ارتفع سعر الدولار في هذا السوق في هذه الأيام إلى 159 الف دينار لكل مائة دولار.
وفي اقتصاد الحرب فان الإنفاق العسكري سيكون مهيمنا على كل أشكال الإنفاق بسبب تعاظم متطلبات الحرب التي تستلزم بشكل أساس إدارة كفوءة في تعبئة الموارد وأوجه التصرف بها بعيدا عن الهدر المالي وكل اشكال الفساد. ومن الطبيعي أن اقتصاد الحرب لا ينبغي النظر اليه بوصفه فرعا مستقلا من فروع علم الاقتصاد بل من كونه أسلوبا مؤقتا في تحليل الأنشطة العسكرية مرهونا بحالة الحرب وأمدها.