تواجه مساعي حصر السلاح بيد الدولة في العراق مأزقًا جديدًا، بعدما رفضت رئاسة الوزراء اعتماد تفاهمات توصلت إليها قيادات من الإطار التنسيقي مع فصائل مسلحة مرتبطة بإيران.
ويتمحور الخلاف بشأن تسليم الترسانات العسكرية والضمانات التي تطالب بها تلك الفصائل، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انتقال المواجهة السياسية إلى تحركات ميدانية تهدد الاستقرار الداخلي.
اعتراضات الحكومة
وكشفت تطورات الخميس عن اقتراب المفاوضات من طريق مسدود، بالتزامن مع تصاعد الانتقادات الموجهة إلى رئيس الوزراء علي الزيدي، وتحركات داخل الإطار التنسيقي لاحتواء الأزمة، بعدما تبين أن الصيغة المطروحة لا تحظى بتوافق بشأن آليات التنفيذ وصلاحيات الجهات المشرفة.
وأوضح مصدر سياسي عراقي مطلع على الاتصالات بين رئاسة الحكومة وقيادات الإطار، لـ"إرم نيوز"، أن الاعتراضات الحكومية تتركز على التمييز بين إخضاع قرار استخدام السلاح لإشراف القائد العام للقوات المسلحة، وتسليم الأسلحة فعليًا إلى المؤسسات الأمنية المختصة.
وبحسب المصدر، فإن الصيغة التي قدمتها لجنة الإطار تتضمن ترتيبات لتنظيم العلاقة بين الفصائل والأجهزة الرسمية، لكنها تثير تحفظات حول مصير مخازن الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، والجهة التي ستتولى إدارتها، والضمانات المطلوبة لمنع استخدامها خارج الأوامر الحكومية.
وتزداد حساسية الخلاف مع مطالبة بعض الجماعات بالإبقاء على تشكيلاتها القائمة خلال المرحلة الانتقالية، في مقابل تعهدات بعدم تنفيذ عمليات عسكرية مستقلة، وهو ترتيب تخشى أوساط حكومية أن يتحول إلى اعتراف عملي باستمرار سلطات مسلحة موازية.
نقطة التعثر
وتشير التصريحات المنشورة إلى وجود صيغة تفاهم بشأن تنظيم السلاح، تحدث عنها النائب سعود الساعدي، المرتبط بكتائب حزب الله، دون إعلان وثيقة موقعة من رئيس الوزراء، بينما نفت أطراف أخرى داخل الإطار وجود مسودة نهائية جاهزة للاعتماد.
وكشف المصدر العراقي أن نقطة التعثر الأبرز تتعلق بغياب آلية ملزمة للتحقق من تسليم الأسلحة، إلى جانب خلاف حول توقيت الانتقال من التعهدات السياسية إلى الإجراءات الأمنية الفعلية.
وأضاف أن رئاسة الحكومة تفضل ترتيبات تتضمن جرد الترسانات وتحديد المواقع التابعة للتشكيلات المسلحة، وربط أي إدماج للعناصر في المؤسسات الرسمية بقرارات قانونية وإدارية واضحة.
أما الفصائل الأكثر تشددًا، فتربط قبولها التخلي عن السلاح بقضايا تتجاوز التنظيم العسكري، تشمل الوجود الأجنبي ومصير جماعات المعارضة الإيرانية الموجودة في إقليم كردستان، فضلًا عن ترتيبات تتعلق بمستقبل قياداتها ومصالحها داخل مؤسسات الدولة.
ويثير إدخال هذه المطالب في التفاوض اعتراضات مرتبطة بمحاولة الجماعات القريبة من طهران فرض شروط على السياسة الأمنية والخارجية العراقية، رغم أن قرار الحرب والسلم والعلاقات الدولية يقع ضمن اختصاص السلطات الدستورية.
مسار منفصل
وانعكس الخلاف على دور اللجنة السياسية التي تولت الوساطة، بعدما اتجه الزيدي إلى إجراء اتصالات مباشرة مع بعض قيادات الفصائل، في خطوة أثارت اعتراضات لدى أطراف داخل الإطار التنسيقي اعتبرت أنها تجاوزت التفاهمات السابقة.
وذكر المصدر أن رئاسة الوزراء تريد الانتقال إلى تفاوض يحدد التزامات كل جماعة على حدة، خصوصًا مع اختلاف مواقف الفصائل بشأن التسليم الكامل وإمكان الاندماج في المؤسسات الأمنية.
وأشار إلى أن الحكومة تتحفظ على تحويل اللجنة السياسية إلى جهة تمنح ضمانات تتجاوز صلاحياتها، أو تسمح بإبرام اتفاقات تتعلق بمواقع إدارية وأمنية دون المرور بالإجراءات القانونية المعتمدة.
وتتصل هذه المسألة بمطالب طرحتها بعض الفصائل للحصول على مناصب تنفيذية مقابل التخلي عن السلاح، وهو ما يزيد تعقيد التفاهمات بسبب احتمال استبدال النفوذ العسكري بامتيازات مؤسسية تبقي مراكز القوة نفسها داخل أجهزة الدولة.
ولفت المصدر إلى أن الأولوية الحكومية تتمثل في إخضاع التشكيلات المسلحة للتسلسل القيادي الرسمي، ومنع استمرار شبكات مستقلة لاتخاذ القرارات العسكرية أو إدارة الموارد والمعدات.
مخاوف التصعيد
وتزامنت الأزمة مع ارتفاع حدة الخطاب الصادر عن بعض الجماعات المسلحة، وسط تحذيرات من احتمال انتقال الاعتراضات السياسية إلى الشارع، بينما تكثفت الاتصالات بين شخصيات مؤثرة داخل الإطار لاحتواء التوتر.
وأفاد المصدر العراقي بأن الجهات الحكومية المعنية تتابع مواقف الفصائل التي ترفض التسليم، مع اهتمام بمنع أي تحرك مسلح أو استعراض للقوة يهدف إلى التأثير في مسار التفاوض.
وشدد على أن معالجة الخلاف تتطلب التزامات قابلة للتنفيذ؛ لأن الاتفاق السياسي وحده لا يكفي لضمان احتكار الدولة للسلاح إذا احتفظت الجماعات بترساناتها وسلاسل قيادتها المستقلة.
وتبقى المهلة المتداولة لإنجاز حصر السلاح بحلول منتصف عام 2027 مرتبطة بقدرة الحكومة على تحويل التفاهمات إلى إجراءات فعلية، رغم نفي مسؤولين عراقيين سابقًا وجود جدول حكومي نهائي ملزم.
وتكشف الأزمة الراهنة أن العقبة الأساسية تتعلق بمقاومة بعض الفصائل المرتبطة بإيران التخلي عن أدوات نفوذها العسكري والمؤسسي، فيما يصبح مصير الاتفاق مرهونًا بمدى استعدادها لقبول سلطة الدولة على السلاح والقرار الأمني دون شروط تسمح باستمرار وضعها الاستثنائي.