بالتزامن مع الحراك الحكومي والسياسي تجاه ملف حصر السلاح بيد الدولة، وتفكيك الفصائل المسلحة الموالية لإيران، عادت كتل سياسية في البرلمان العراقي إلى طرح موضوع قانون "الحشد الشعبي"، الذي جرى تجميده العام الماضي داخل مجلس النواب، بعد رفض أميركي وامتناع العرب السنة والأكراد عن التصويت عليه. وعلم "العربي الجديد"، أنّ مشروع القانون خضع لتعديلات كثيرة خلال الفترة الماضية، تمهيداً لإعادة طرحه مجدداً في البرلمان وعرضه على القراءة ثم التصويت عليه.
ومن أبرز التعديلات التي طرحت على هيكل القانون، هو تخفيض صلاحيات "الحشد الشعبي" في التحرّك وإبعاده عن المدن وجعله جهازاً غير منافس للجيش العراقي من ناحية التسليح والتنظيم. وتهدف الخطوة التي يظهر بحسب تسريبات خاصة حصل عليها "العربي الجديد"، أنها مدعومة حكومياً ومن قوى تحالف "الإطار التنسيقي" الحاكم في العراق، إلى إقناع الفصائل بتسليم السلاح وتنظيمه تحت مظلة هيئة "الحشد الشعبي"، وإنهاء حالة الفصائل المستقلة بقرارها وتحركاتها، غير أنّ أي حراك من هذا القبيل يبقى متوقفاً عند مدى قناعة واشنطن بهذه الإجراءات، لا سيما وأنها ترى في "الحشد الشعبي" والفصائل حالة واحدة.
والأسبوع الماضي، أكد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، أنّ "الحشد الشعبي تحظى باهتمام ورعاية الحكومة التي ستمضي في تقديم قانون الحشد لإقراره، بوصفها جزءاً من تشكيلات وصنوف القوات المسلحة". عقب ذلك، شدد رئيس تحالف قوى الدولة الوطنية عمار الحكيم، على أهمية حصر السلاح بيد الدولة وتسليم سلاح الفصائل إلى هيئة "الحشد الشعبي" بكونها مؤسسة حكومية رسمية. جاء ذلك خلال استقباله في بغداد القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى العراق جوشوا هاريس، بمناسبة انتهاء مهام عمله.
وسبق أن اعترضت الولايات المتحدة على تشريع قانون "الحشد الشعبي" في العراق، وذلك في عهد رئيس الحكومة السابق محمد شياع السوداني، الذي كان يحاول أن يؤكد للطرف الأميركي أنّ القانون يأتي جزءاً من "إصلاح المؤسسات الأمنية"، إلا أنّ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، كان قد أفصح رسمياً عن مخاوف أميركية بشأن مشروع قانون "هيئة الحشد الشعبي"، مشدداً على أن "تشريع هذا النوع من القوانين سيؤدي إلى ترسيخ النفوذ الإيراني والجماعات المسلحة التي تقوض سيادة العراق".
النسخة المرفوضة من قانون "الحشد الشعبي"
قانون "الحشد الشعبي"، وفق النسخة التي رفضتها الولايات المتحدة، يتألف من 18 مادة رئيسة، تمثل الهيكل العام الذي يُنظم عمل "الحشد الشعبي"، المظلة الجامعة لأكثر من 70 فصيلاً مسلحاً في العراق. ويتلخص مشروع القانون في منحه استقلالاً كاملاً، بمعنى أن يكون مؤسسة أمنية بمعزل عن وزارتَي الدفاع أو الداخلية، ولا يرتبط بهما، وله رئاسة أركان وقيادة عمليات خاصة ترتبط مباشرة برئيس الوزراء الذي يحمل دستورياً صفة "القائد العام للقوات المسلحة". ويُلغي مشروع القانون الجديد القانونَ السابق الذي صوّت عليه البرلمان عام 2016 خلال فترة الحرب على تنظيم "داعش".
وتُحدّد مواد مشروع القانون الـ18 مهمة هيئة "الحشد الشعبي" بـ"حماية النظام"، و"الدفاع عن البلاد وحماية وحدة وسلامة أراضيها ومكافحة الإرهاب"، كما تمنح أفراد "الحشد الشعبي" امتيازات مالية توازي تلك التي يتمتع بها أفراد الجيش العراقي، كما يتم تخصيص موازنة سنوية لتطويرها وتسليحها أسوة بوزارة الدفاع. لكن أفراد "الحشد الشعبي" سيحملون صفة "مجاهد" وليس "مقاتل". وبحسب مشروع القانون، يكون رئيس الهيئة بدرجة وزير، ويكون عضواً في اللجنة الوزارية للأمن القومي، وبإمكانه تخويل بعض صلاحياته إلى رئيس الأركان أو الأمين العام للهيئة، وعليه أن يمارس صلاحيات وزير الدفاع لتطبيق القوانين العسكرية على منتسبي الهيئة.
وترتبط بـ"الحشد الشعبي"، وفقاً لمشروع القانون، 16 إدارة ومديرية عامة، منها رئاسة الأركان، والأمانة العامة، والدائرة الإدارية والمالية، وشركة المهندس العامة للمقاولات. كما ستكون لـ"هيئة الحشد الشعبي" أكاديمية عسكرية تسمى "أكاديمية الحشد الشعبي" على غرار أكاديميات وزارتَي الدفاع والداخلية، وتمنح شهادة بكالوريوس في العلوم العسكرية لخريجي الأكاديمية.
وهذا المشروع كان قد خضع لقراءتين في البرلمان العراقي، رغم انسحاب عدد من القوى العربية السنّية والكردية احتجاجاً على ما قالت إنه طريقة إدراج القانون في جدول أعمال الجلسة؛ فقد أُعلن عن جدول مغاير، وبعد اكتمال النصاب القانوني جرى إدراج فقرة قراءة القانون بشكل اعتبرته كتل "السيادة" و"تقدم" و"التحالف الكردستاني" بمثابة خديعة لها. كما أنّ القانون، ورغم أنه مدعوم من الأحزاب الشيعية، إلا أنّ أطرافاً شيعية مناوئة لرئيس هيئة "الحشد الشعبي" حالياً فالح الفياض، وأبرزها حركة "عصائب أهل الحق"، كانت قد اعترضت على الامتيازات التي منحها القانون الجديد لرئيس الهيئة، وسعت إلى إقالة الفياض، كونها ترى أن الهيئة من حصتها وفق عرف المحاصصة السياسية والطائفية المعمول به في البلاد.
تعديلات في 4 بنود أساسية
مصدر رفيع في حكومة الزيدي، قال لـ"العربي الجديد"، إنّ "مشروع قانون الحشد الشعبي عُدلت فيه أربعة بنود أساسية تمهيداً لإعادة طرحه في البرلمان، وتحديداً:
تلك التي تأخذ من أدوار الجيش العراقي أو تجعله منافساً للجيش
بالإضافة إلى تقليل الامتيازات للقادة والمسؤولين في الحشد
وكذلك رسم آليات تخص تقاعد أفراده وحدود صلاحيات آمري الأفواج
مع غلق كل النوافذ ما بين العمل السياسي وقوات الحشد"
وأضاف المصدر الذي فضّل عدم الكشف عن هويته لـ"العربي الجديد"، أنّ "القانون سيتجه إلى تفريق أفراد الحشد وتوزيعهم بشكل يمنع وجود تكتلات فصائلية داخله، مع تغييرات شاملة في قيادته الحالية، حيث سيحالون للتقاعد بسبب بلغوهم سن الستين عاماً"، ويسعى الزيدي، وفقاً للمصدر ذاته، إلى أن تتحول قوات "الحشد الشعبي" إلى "جهاز لا يختلف عن أجهزة أخرى مثل فرق الرد السريع وجهاز مكافحة الإرهاب، مع إبعاد قوات الحشد عن المدن تماماً"، راجياً أنّ تؤدي التعديلات إلى "تحوّل مشروع القانون إلى ورقة أكثر رصانة وبعيدة عن نفوذ الفصائل المسلحة، ولن تشهد أي اعتراضات أميركية".
وأضاف المصدر أنّ "زيارة الزيدي إلى واشنطن ولقاءه بالمسؤولين الأميركيين، فتحا المجال أمام الحديث عن مشروع قانون الحشد الشعبي، بصفته قانوناً عراقياً وليس إيرانياً، كما أن المسؤولين الأميركيين عبروا عن مخاوفهم من بعض بنود المشروع، لكن الزيدي أكد لهم أن القانون لن يكون أكثر من أداة لتنظيم وضع عناصره والهيكلية الإدارية، وأنّ الحشد لن يكون أقوى من الجيش العراقي"، معتبراً أنّ "الزيدي يريد أن يتضمن القانون منفعة للمقاتلين أكثر من القادة، ويُبعد أي حالة استغلال سياسي للمقاتلين، خصوصاً وأن قادة في الحشد تمكنوا خلال السنوات الماضية من السيطرة على أصوات المقاتلين في الانتخابات".
من جانبه، أشار عضو البرلمان العراقي ضياء شغاتي، إلى أنّ "مجلس النواب سيعمل خلال الفترة القريبة المقبلة على مشروع قانون الحشد الشعبي، بالتالي فإن الوضع يتجه إلى تنظيم السلاح وفق السياق الحكومي الذي يعمل بالتفاهم والاتفاق، وإعادة رسم هيكل وتنظيم وآلية للعمل المؤسسي الأمني"، مستكملاً حديثه مع "العربي الجديد"، أن "الحشد مؤسسة أمنية تحت سلطة الدولة، ولا يقبل أي عراقي في أن يفرّط بها، رغم الحملات الإعلامية التي تحدثت عن سعي أطراف حكومية وخارجية لتفكيكها وحلّها، لذلك نرى أن إقرار قانون الحشد سيجعله أكثر رصانة ويبعده عن التلاعب السياسي، وقد حان موعد انضواء الفصائل جميعها تحت سلطة الدولة والانضمام إلى قوات الحشد الشعبي"، وفق قوله.
أما الباحث في الشأن السياسي والأمني نبيل العزاوي، فقد أشار إلى أن "الشروع بإقرار قانون جديد للحشد الشعبي، يهدف إلى مأسسة وضع المقاتلين وحدود القادة، وهو يضمن عدم خروج سلاح بعض الألوية داخل الحشد الشعبي والفصائل خارج القانون"، مؤكداً لـ"العربي الجديد"، أنّ "التوجه الحكومي نحو دعم قانون الحشد الشعبي، يؤكد الفصل بين التعامل الحكومي مع الفصائل التي ترفض تسليم سلاحها والحشد الشعبي كقوة تريد الانضواء مع الدولة، بالتالي فإن إقرار القانون سيؤدي إلى تنظيم السلاح، وسيتضح أكثر شكل السلاح المنفلت والخاضع للأشخاص وبعض القادة وبين السلاح الخاضع للدولة".
يشار إلى أن "هيئة الحشد الشعبي" تأسست رسمياً عام 2016 بعد تصويت مجلس النواب على قانون تشكيلها الذي حمل الرقم 40، فيما أعلنت رئاسة الوزراء في العام نفسه ضم قوات "الحشد الشعبي" إلى القوات المسلحة. وفي عام 2020، جرت معادلة راتب عنصر "الحشد الشعبي" براتب الجندي في الجيش العراقي البالغ مليوناً و250 ألف دينار، أي ما يعادل قرابة ألف دولار شهرياً، إلى جانب منح عناصر الحشد المخصصات نفسها المتعلقة بالسكن وغيرها، مع تأكيد توزيعهم وفقاً لنظام الألوية العسكرية. لكن عملياً، ما زال كل فصيل مسلح (في الحشد) يحافظ على اسمه وعناصره وارتباطاته السياسية والعقائدية، فضلاً عن تقاسم مناطق النفوذ والوجود بين مختلف المحافظات التي ينتشر فيها.