اخر الاخبار

كشف مسؤول عراقي رفيع في العاصمة بغداد، لـ"العربي الجديد"، اليوم الأربعاء، أن فصيلاً مسلحاً سلّم عدداً من الطائرات المسيرة والصواريخ ذات المدى الذي يزيد عن 100 كيلو متر للحكومة بحضور ممثلين عن الجانب الأميركي، وذلك في موقع قرب بغداد قبل أيام، ضمن مساع حكومية عراقية لتحقيق تقدم مقنع للولايات المتحدة، التي تهدد بفرض عقوبات اقتصادية ومالية على العراق، في حال استمرت الجماعات الموالية لإيران، تحتفظ بترسانة السلاح الخاصة بها.

وما زالت الحكومة العراقية، تحجب جانباً كبيراً من ملف حصر السلاح بيد الدولة، متمثلاً بآلية التسلّم والتسليم ونوع السلاح المُسلّم أساساً، ضمن تفاهمات داخلية لإبعاد الاستحقاق عن المناكفات السياسية. وتتباين مواقف الفصائل البالغ عددها 69 فصيلاً مسلحاً، تنضوي كلها ضمن "الحشد الشعبي"، لكن قسماً كبيراً منها لا يرتبط بهذا العنوان إلا بتسلّم المرتبات الشهرية.

وتواصل الفصائل الرئيسة الأكثر ارتباطاً بالحرس الثوري الإيراني، رفض تسليم السلاح، والتهديد بالذهاب إلى أبعد حد مع الحكومة في حال قررت اللجوء إلى القوة، معلنة شروطها التي يصفها مراقبون بأنها تعجيزية، وأبرزها انسحاب القوات الأميركية والتركية، وحل قوات البشمركة، وأن يمتلك العراق قراره السياسي والاقتصادي والمالي وطرد الشركات الأميركية من البلاد، وفقاً لبيانات وتصريحات صدرت في الأسابيع الأخيرة عن كتائب حزب الله، والنجباء، والأوفياء، وسيد الشهداء، بينما يستمر صمت فصائل أخرى، أبرزها البدلاء، وبدر، والطفوف. واليوم الأربعاء، قال مسؤول أمني عراقي رفيع لـ"العربي الجديد"، إن فصيلاً مسلحاً، يملك جناحاً سياسياً وكتلة برلمانية، سلّم بشكل طوعي نحو 20 طائرة مسيرة ثابتة الجناح إيرانية الصنع، للحكومة وجرى ذلك بوجود ممثلين عن الجانب الأميركي، واطلعوا على مجريات ذلك في موقع خارج العاصمة بغداد.

وأوضح أن الطائرات التي تم تسلمها من النوع الانتحاري أحادية الجانب، وتصل إلى مديات أكثر من 250 كم وتعمل بمحرك وقود، وجرى عملية تصوير ذلك. وأبلغ المسؤول العراقي أن السلاح المستهدف لنزعه هو الطائرات المسيرة، والصواريخ العابرة للحدود، والتي تصل إلى مديات أكثر من 100 كيلو متر، مؤكداً أن الولايات المتحدة، غير معنية بالسلاح التقليدي مثل المدفعية أو الهاون، والأسلحة الرشاشة.

ولم يعلن أي فصيل من الفصائل المتجاوبة مع حصر السلاح نوعيات الأسلحة التي سلمها للدولة، وأبرزها "سرايا السلام" الجناح العسكري للتيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر، وحركة "عصائب أهل الحق" بزعامة قيس الخزعلي التي أعلنت فك ارتباط ألويتها، وانخرط بعض قادتها في إجراءات تسليم السلاح أو وضعه تحت تصرف القائد العام للقوات المسلحة (رئيس الحكومة)، وكتائب الإمام علي بقيادة شبل الزيدي، التي اختارت هي الأخرى فك الارتباط العسكري ووضعت بعض قدراتها تحت إمرة رئيس الحكومة.

وبقيت أسئلة كثيرة لم تجب عليها الفصائل أو الحكومة، بشأن نوعية الأسلحة وطبيعتها وفاعليتها، فيما لم يجب أحد عن التقارير الكثيرة التي تحدثت عن كون الأسلحة لا تعدو كونها "خردة"، لكن "العربي الجديد"، توصل إلى معلومات جديدة تخص نوعية السلاح، من قائد بارز ضمن فصيل عراقي سلّم سلاحه للدولة، وقال إن "عملية حصر سلاح الفصائل ليست بالتعقيد الذي يجري تداوله في الإعلام أو في سياقات التحليل السياسي والأمني.

وأوضح "حصر السلاح المقصود به الطيران المسيّر الذي يصل مداه إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة"، مضيفاً لـ"العربي الجديد"، أن "أحد الفصائل سلم هذا النوع من الطائرات، في عملية شاركت فيها القوات العراقية وممثلين عن الفصيل نفسه، بوجود عناصر يتبعون السفارة الأميركية، وهؤلاء قاموا بتصوير عملية التسليم والمباركة بهذا التحوّل".

وأكمل القائد، الذي رفض الكشف عن هويته، أن "الفصائل العراقية لديها كل أنواع الأسلحة الموجودة لدى الجيش العراقي، عدا الطيران الحربي، بل ن بعضها لديها تقنيات حديثة ومتطورة في الرصد والمراقبة للحركة الجوية والحربية، وأغلبيتها مستوردة من إيران في إطار منح الفصائل الخبرات الإيرانية عبر المستشارين والضباط الإيرانيين الذين يعملون منذ أكثر من عقد في العراق، وزادت هذه التقنيات خلال الحرب على تنظيم داعش، واستمرت أكثر بعد عام 2020، وتحديداً بعد اغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، حيث ضخت إيران موارد بشرية وتقنية وتأهيلية كبيرة للفصائل الموالية لها، وتحديداً لحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء وكتائب حزب الله، بالتالي فإن الأسلحة التي تمتلكها هذه الفصائل لا يمكن اعتبارها خردة أو عادية، بل متطورة ومهمة، لذلك ترفض تسليمها بأي شكلٍ من الأشكال".

وأكمل القائد، أن "حركة النجباء ترفض بشكلٍ قاطع تسليم أسلحتها، وتعوّل على الدور الإيراني من أجل إخماد حملة حصر السلاح في العراق من خلال المسؤولين الإيرانيين الذين زاروا العراق خلال الأسابيع الماضية، وآخرهم رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الذي أطلق في اللحظات الأولى من وصوله إلى بغداد تعليقات مؤيدة لفصائل المقاومة في تحدٍّ واضح لسلطة العراق المتجهة نحو حصر دور الفصائل وتحجيمه، أما كتائب حزب الله فقد عقدت أكثر من اجتماع مع مسؤولين في الحكومة ومجلس القضاء، وبرغم التوتر إلا أن الحوارات تتواصل بوتيرة بطيئة". وبشأن مقرات أو مخازن الأسلحة الخاصة بالفصائل، فقد أشار القائد، إلى أن "قادة الفصائل حريصون على عدم الحديث عن مقرات أسلحتهم أو الأنفاق التي يمتلكونها، وهذا الملف سري للغاية، بل حتى قادة إيرانيون لا يعرفون بعضها".

 وأجرى رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الأربعاء، زيارة رسمية للعراق، تزامناً مع تصاعد الضغوط الأميركية على فصائل "الحشد الشعبي" الحليفة لطهران، وفي ظل الأجواء الإقليمية المتوترة، وتأزم علاقات إيران مع دول الجوار العربي. وتوجه قاليباف فور وصوله إلى مطار بغداد الدولي، إلى مكان اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني السابق قاسم سليماني، الذي اغتيل بغارة جوية أميركية عام 2020 استهدفته فور وصوله إلى بغداد قادماً من دمشق، برفقة القيادي في "الحشد الشعبي" أبو مهدي المهندس. وقال إن "المقاومة في العراق أضحت تشكل عنصراً أساسياً من عناصر القوة العالمية".

تعليق قاليباف أثار حفيظة الداعمين لحملة رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي لحصر السلاح، خصوصاً أنه جاء بعد يوم بيان المتحدث باسم كتائب حزب الله أبو مجاهد العساف، الذي وجه خطاباً حاداً للزيدي، على خلفية اعتقال مسؤول الاستخبارات في حركة "النجباء" عباس اليعقوبي. وقال العساف في بيانه، إن الزيدي "شاب" وأن "صبرنا بدأ ينفد"، واصفاً المائة يوم من عمر حكومة الزيدي بأنها كانت "عبقريات فارغة للشاب علي الزيدي"، وأن عليه أن "يفهم المعادلات الحاكمة، وأن يستمع لنصائح السياسيين الشيبة، إلا أننا لم نرَ منه أي تطور في استيعاب الظروف المعقدة التي تمرّ بالعراق والمنطقة، بل زاد البلاء بلاءً بإصراره على الاستماع لنصائح المبعوث الأميركي توماس براك".

من جهته، لفت علي فضل الله، وهو باحث في الشأن السياسي ومقرب من الفصائل العراقية، إلى أن "هناك من يريد جر الدولة والفصائل إلى معركة، وإلا فماذا يعني أن يتم اعتقال وترويع عوائل المقاتلين بالهجمات والاعتقالات غير المبررة وبطريقة جنونية، ولا يمكن أن يقبلها عراقي له كرامة وحق في العيش ببلاده آمناً". وأوضح لـ"العربي الجديد"، أن "من يقول إنه يعرف نوعيات الأسلحة التي تمتلكها الفصائل فهو يتحدث بلا فهم، لأن الفصائل تتعامل مع هذا الملف بسرية كبيرة، وبالنسبة لمصادر الأسلحة فأغلبها عراقية أو أنها قد وصلت إلى العراق بطرق كثيرة، وأن الفصائل التي سلمت سلاحها لا يعني أنها تخلت عن فكرة المقاومة، لكن الوضع العراقي يحتاج إلى التفكير بطرق براغماتية وليس عبر منطق القوة والتشدد بالرأي والمواقف".

وأكمل فضل أن "الفصائل التي سلمت سلاحها أخلت ذمتها أمام الدولة العراقية من أية هجمات قد تستهدف الأميركيين أو منشآت متهمة بالتعامل مع العدو الإسرائيلي في مناطق عراقية، لكن الفصائل التي ترفض تسليم سلاحها، فهي ترى أن العراق ما يزال محتلاً واقعياً، حيث ما تزال القوات الأجنبية لديها دور خبيث على الأرض العراقية، بالإضافة إلى أن القرار العراقي ما يزال يتأثر بالتوجيهات الأميركية وهذا مرفوض"، مشيراً إلى أن "سلاح الفصائل سيبقى بيد الفصائل، ولا توجد قوة قادرة على سحبه بالقوة".

أما الباحث في الشأن الأمني العراقي سرمد البياتي، فقد لفت إلى أن "الحكومة العراقية تبدو جادة بشكلٍ حازم، ومن دون تراجع، في حسم ملف الفصائل، وأن الإجراءات التي تتبعها تتجه باتجاهات تصعيدية لتثبيت الأمن والاستقرار وإنفاذ القانون من خلال المحاصرة والملاحقة والاعتقالات، وبالتالي فإن الفصائل تشعر بهذا الخطر لذلك تبدو منفعلة وفق البيانات الأخيرة، رغم أن الإطار التنسيقي (التحالف الشيعي الحاكم) يريد أن تستمر عملية حصر السلاح لكن عبر التفاهم والهدوء"، مستبعداً، في حديثٍ مع "العربي الجديد"، أن "الوضع لغاية الآن يعتبر مسيطراً عليه، وأن فرضية المواجهة بين الطرفين مستبعدة حالياً، لكن الوضع غير مطمئن بشكلٍ عام".