إرم نيوز
تتحرك بغداد نحو فتح مسار جديد لملاحقة عشرات المتهمين بقضايا الفساد الذين غادروا العراق خلال الأيام والأسابيع الماضية، في امتداد خارجي لحملة "صولة الفجر" التي أطلقها رئيس الوزراء علي الزيدي، بعدما تركزت مرحلتها الأولى على تنفيذ الاعتقالات داخل البلاد.
وقال مصدر حكومي عراقي إن "اللجنة العليا المعنية بمكافحة الفساد أنهت جرد عشرات الأسماء التي غادرت العراق أو استقرت في دول أجنبية، تمهيداً لمخاطبة الجهات القضائية والرسمية في تلك الدول، وإرسال ملفات تتضمن أوامر القبض والأدلة والمعلومات المتوافرة عن الأموال والأصول المرتبطة بهم".
وأضاف المصدر لـ"إرم نيوز" أن "المرحلة المقبلة ستنتقل تدريجياً من الاعتقالات والتحقيقات الداخلية إلى ملاحقة المطلوبين في الخارج، عبر التنسيق بين القضاء وهيئة النزاهة ووزارة الخارجية والأجهزة المختصة، فضلاً عن الاستفادة من قنوات الشرطة الدولية والاتفاقات القضائية المبرمة مع بعض الدول".
وتابع أن "بغداد أبرمت خلال السنوات الماضية اتفاقات ومذكرات تعاون تتعلق باسترداد المطلوبين والأموال المنهوبة، وهو ما يجعل استعادة بعض الشخصيات مسألة وقت متى ما اكتملت الملفات القضائية، لكن سرعة التنفيذ ستختلف من دولة إلى أخرى بحسب طبيعة الاتفاقات، وموقف سلطاتها من طلبات التسليم العراقية".
يأتي ذلك ضمن المسار الذي أطلقته حكومة الزيدي لمكافحة الفساد، والذي أسفر عن اعتقال عدد من المسؤولين ورجال الأعمال والوسطاء، فيما أكد متحدثون حكوميون أن الحملة لا تستهدف جهة سياسية محددة، وأن أوامر القبض تصدر تباعاً وفقاً لإفادات الموقوفين والوثائق التي تصل إلى القضاء.
قائمة المطلوبين
ومن أبرز الشخصيات التي وردت أسماؤها في ملف الملاحقات الأخوان محمد وحسن الكردي، المتهمان بسرقة مبالغ طائلة، إذ أكد وزير الاتصالات مصطفى سند أنهما غادرا العراق إلى فرنسا، ومعهم أموال قُدرت بنحو نصف مليار دولار.
ووفق تقارير متداولة، برز اسم حسن الكردي بوصفه رجل أعمال ينحدر من محافظة صلاح الدين، وعمل وسيطاً في ملفات مالية وعقود مرتبطة بقطاع الطاقة، مع اتهامات بإدارة شبكات تمويل سياسي واقتصادي، وهي اتهامات تبقى خاضعة للتحقيقات والإجراءات القضائية ولم يصدر فيها حكم بات حتى الآن.
وتلاحق السلطات النائب عن ميلشيات كتائب حزب الله حسين مؤنس على خلفية أوامر قضائية مرتبطة بملفات يجري التحقيق فيها، فيما ورد اسم وزير العمل والشؤون الاجتماعية السابق أحمد الأسدي ضمن الشخصيات المطلوبة وفق تصريحات وتقارير سياسية، بينها حديث القيادي في الإطار التنسيقي عامر الفائز عن وجود إجراءات قضائية بحقه، إذ تشير تقارير إلى أن الأسدي غادر العراق إلى أستراليا.
معركة قانونية
بدوره، أوضح الباحث في الشؤون القانونية عمار الشمري أن "الحكومة العراقية يمكنها العمل على استعادة المطلوبين متى ما توافرت اتفاقات ثنائية أو متعددة الأطراف مع الدول التي يقيمون فيها، أو من خلال الإنتربول والإنابات القضائية وتبادل المعلومات".
وأضاف لـ"إرم نيوز" أن "عدد الدول التي تتعاون بسرعة مع العراق في ملفات التسليم ما يزال محدوداً، إذ تشترط بعض الحكومات ضمانات قضائية وحقوقية واسعة، وتدقق في طبيعة الاتهامات، وما إذا كانت جنائية ومالية أم مرتبطة بخلافات سياسية".
وأشار إلى أن "السجل السابق للعراق في مجال حقوق الإنسان، ووجود اتهامات باستخدام بعض أوامر القبض في صراعات سياسية، جعلا بعض الدول أكثر تحفظاً في الاستجابة لطلبات بغداد، ولذلك فإن نجاح الحكومة يتطلب إعداد ملفات قانونية دقيقة، وإبعادها تماماً عن الصراع السياسي".
استرداد المطلوبين
ويواجه العراق منذ سنوات صعوبات في استرداد مطلوبين وأموال مهربة، بسبب نقل الأصول إلى شركات وعقارات وحسابات بأسماء متعددة، فضلاً عن اختلاف التشريعات بين الدول، وعدم وجود اتفاقات تسليم نافذة مع بعض الوجهات التي يقصدها المطلوبون.
لكن مسؤولين عراقيين يرون أن الملفات الحالية تختلف عن التجارب السابقة، بسبب اتساع حجم التحقيقات، والوثائق التي ضُبطت، وإفادات الموقوفين، فضلاً عن وجود إرادة حكومية لإكمال الحملة وعدم الاكتفاء بالاعتقالات الداخلية.
وتمكنت حملة الزيدي، وفق بيانات وتقارير مرتبطة بالتحقيقات، من استرداد مبالغ وأصول كبيرة من عدد من المتهمين، ولا سيما في قضية عدنان الجميلي، إذ تحدثت تقارير عن استعادة مبالغ نقدية بعشرات الملايين من الدولارات، إلى جانب مليارات الدنانير وأصول وعقارات وذهب جرى ضبطه أو وضع اليد عليه.
وتداولت تقارير رقماً إجمالياً يقترب من نصف مليار دولار للأموال والأصول المرتبطة بعدد من ملفات الحملة، إلا أن هذا الرقم يشمل تقديرات لقيمة عقارات وممتلكات وأموال قيد الحجز والتحقيق.
ويرى مختصون أن انتقال الحملة إلى خارج العراق سيشكل الاختبار الأكثر تعقيداً، لأن نجاحها سيعتمد على قوة الأدلة، وسرعة تحرك القضاء والدبلوماسية العراقية، وقدرة بغداد على إقناع الدول الأجنبية بأن ملفاتها جنائية ومالية مكتملة، وليست امتداداً لخلافات سياسية داخلية.