العربي الجديد
قالت ثلاثة مصادر عراقية كردية في إقليم كردستان شمالي العراق، اليوم الاثنين، إن حزب العمال الكردستاني أخلى، خلال الأيام الماضية، موقعين بارزين له شمال شرقي دهوك بمحاذاة الحدود الدولية مع تركيا، مع تقدّم الجيش التركي إليهما والسيطرة عليهما، وذلك في أحدث انسحابات الحزب الذي قرر العام الماضي قبول خريطة سلام تقوم على إلقاء السلاح، وإنهاء "الكفاح المسلح".
وكان حزب العمال الكردستاني قد أعلن في مايو/أيار 2025، حلّ نفسه وإنهاء ما وصفه بـ"الكفاح المسلّح"، استجابة لدعوة مؤسس الحزب وزعيمه الروحي عبد الله أوجلان، المعتقل في تركيا والمحكوم بالسجن مدى الحياة.
وأجرت قيادة الحزب عدة خطوات فعلية على الأرض في مناطق انتشارها شمالي العراق خلال الأشهر العشرة الماضية، كان أبرزها الإعلان، في نهاية أكتوبر/تشرين الأول الماضي، عن سحب عناصرها وخلاياها من الأراضي التركية، وتنظيم فعالية رمزية لإحراق وإتلاف أسلحة عناصرها، في وقت تشهد المناطق الحدودية العراقية–التركية هدوءاً غير مسبوق منذ سنوات، نتيجة تراجع العمليات العسكرية من كلا الجانبين.
وتحدثت ثلاثة مصادر كردية عراقية، أمس الأحد واليوم الاثنين، لـ"العربي الجديد"، بمعلومات متطابقة، عن انسحاب عشرات من مقاتلي حزب العمال الكردستاني من قمة جبل كاره، الواقع شمال شرقي دهوك على بعد 35 كيلومتراً من الحدود الدولية مع تركيا، قبل أن تتقدم وحدات من قوات الكوماندوز التركية إلى الموقع وتسيطر عليه بعد ساعات من الانسحاب.
ووفقاً للمعلومات، جرى ذلك يوم الأربعاء الماضي، الموافق الأول من يوليو/تموز، أعقبه، في اليوم التالي، انسحاب مسلّحي الحزب مع أسلحة ومعدات ثقيلة من سفح جبل يطل على قرية بامرني، ضمن قضاء العمادية في محافظة دهوك. وقال أحد المصادر، وهو ضابط في اللواء 80 بقوات البيشمركة، لـ"العربي الجديد"، إن الجيش التركي سيطر بالكامل على الموقعين. وأضاف أنّ الفترة الماضية شهدت أيضاً سيطرة القوات التركية على مواقع أخرى في مناطق سوران، وسيدكان، وحفتانين، والزاب الأعلى، بعد تراجع مسلحي حزب العمال باتجاه منطقة قنديل.
وتسمح القوات التركية، التي باتت تتمركز فعلياً داخل العمق العراقي لمسافة تصل إلى نحو 40 كيلومتراً في مناطق حدودية كانت خاضعة منذ سنوات لسيطرة مسلحي حزب العمال الكردستاني، بعودة الحياة إلى تلك المناطق، بعدما فرض الحزب حظراً على المدنيين والمزارعين ومنعهم من دخول العديد من المناطق الواقعة تحت سيطرته. وكان حزب العمال الكردستاني قد أعلن، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، سحب قواته من منطقة الزاب الأعلى، الواقعة جنوب شرقي محافظة دهوك، إلى مناطق بعيدة عن نقاط التماس مع الجيش التركي.
وأعلن الحزب حلّ نفسه وإنهاء الصراع المسلح استجابة لدعوة مؤسسه المسجون عبد الله أوجلان، عقب انعقاد مؤتمره العام في السابع من مايو/أيار الماضي، في خطوة كان يُتوقع أن تسدل الستار على صراع استمر 47 عاماً، بعد مسار طويل ومعقد منذ تأسيس الحزب في سبعينيات القرن الماضي.
وبدأت أولى مراحل اتفاق السلام في أكتوبر/تشرين الأول 2024، ومرت بمحطات عدة، شملت لقاءات مع أوجلان في محبسه، ودعوات متكررة منه للحزب بحل نفسه وتسليم سلاحه، وصولاً إلى استجابة الحزب لتلك الدعوة.
وقال عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني الحاكم في إقليم كردستان العراق، كريم عبد الله، لـ"العربي الجديد"، إن انسحاب مسلحي حزب العمال المتكرر من مواقعهم يتم وفق عملية تنازل عن مواقع ذات أهمية عسكرية، وهو ما يعد رسالة إلى الجانب التركي تؤكد رغبة الحزب في السلام والمضي بقرار إنهاء القتال. وأضاف أن قرارات الحزب لا تُتخذ بالتنسيق مع بغداد أو أربيل، وهو ما يتيح للجيش التركي ملء الفراغ مباشرة مع كل انسحاب، وقد يكون ذلك متعمداً بهدف توسيع الخلاف بين بغداد وأنقرة بشأن الوجود العسكري التركي داخل العمق العراقي.
واعتبر أن استمرار حالة الهدوء الحالية في المنطقة الحدودية، بما تضمّه من مدن وبلدات وقرى، يسمح بعودة السكان إليها، ولو بصورة محدودة، ما يستدعي وجود سلطة تمثل حكومة إقليم كردستان. من جهته، توقع الخبير في الشأن السياسي الكردي، رشيد حلبجي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن تستمر انسحابات الحزب من مواقعه المتقدمة لمصلحة القوات التركية. وأضاف أن الحزب قد يحصر وجوده في سلسلة جبال قنديل، كما كان عليه قبل عام 1998، مقابل ترك مهمة استعادة بغداد وأربيل سيادتهما على بقية المناطق من الجيش التركي، وليس من حزب العمال الكردستاني.
ووصف حلبجي مسار السلام بأنه "ما زال ملغماً"، معتبراً أن الشك وانعدام الثقة من الجانب التركي تجاه مسلحي حزب العمال يدفعان إلى الإبقاء على انتشار القوات التركية في المنطقة الحدودية كما كان عليه قبل إعلان الحزب إلقاء السلاح. كما وصف الخريطة العسكرية الحالية في المنطقة الحدودية ضمن المثلث العراقي–التركي–الإيراني بأنها تميل لمصلحة القوات التركية، بما في ذلك هيمنتها على الأجواء.