العربي الجديد
تتصدر قضية الترهل الوظيفي بين الملفات الأكثر إثارة للجدل اقتصادياً في العراق، خصوصاً مع الاعتماد الواسع على التوظيف الحكومي في السنوات الماضية بوصفه أداة لمعالجة البطالة وامتصاص الاحتجاجات الشعبية المتكررة، لا سيما حملة الشهادات الجامعية. ووفقاً لآخر بيانات وزارة التخطيط تجاوز عدد الموظفين الحكوميين أربعة ملايين عراقي في مؤسسات الدولة المختلفة، تتصدر وزارات الصحة والتربية والداخلية والدفاع والبلديات النسبة الكبرى بنحو 60%، فيما يؤكد وزير التخطيط العراقي خالد بتال، في تصريحات تحدث بها مؤخراً لوسائل إعلام محلية، أن "المشكلة لم تعد في العدد فقط، بل في نوعية الوظائف والمهارات المطلوبة داخل الجهاز الحكومي"، مقراً بأن "النسبة الأخرى كثير منها عبارة عن كم وليس نوعاً".
ويبلغ إجمالي مرتبات موظفي القطاع الحكومي ثمانية تريليونات دينار عراقي شهرياً، بما يعادل نحو خمسة مليارات دولار، وبواقع يصل إلى أكثر من 60 مليار دولار سنوياً من إجمالي الموازنة العامة التي تراوح سنوياً عند عتبة الـ 100 مليار دولار.
الموظف في إحدى الدوائر الحكومية ببغداد أحمد خالد يقول لـ"العربي الجديد" إن "ساعات العمل تمر ببطء، وإن ما ننجزه فعلياً لا يتجاوز ساعة أو ساعتين من أصل الدوام الرسمي البالغ ثماني ساعات".
ويضيف: "في بعض الأيام لا يصلنا أي عمل حقيقي، فنقضي الوقت في الأحاديث الجانبية، وهذا ما يجعلني أشعر بأن خبرتي تتراجع بدلاً من أن تتطور، لأن طبيعة العمل لا تفرض أي تحديات أو تدريب أو تقييم للأداء".
وفي وقت سابق بيّنت دراسة أجرتها كلية اقتصاديات الأعمال في جامعة النهرين ببغداد أن إنتاجية الموظف العراقي لا تتجاوز ساعة واحدة يومياً، مشيرة إلى أن العراق بحاجة إلى قانون ينظم العطل فيه أسوة بباقي الدول، كون كثرتها تسبب خسائر بالوقت والإنتاجية والتطور.
ولا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة للموظفة الحكومية سارة علي، إذ تؤكد أن المشكلة لا تكمن في الموظفين أنفسهم بقدر ما ترتبط بضعف التخطيط الإداري. وتقول سارة لـ"العربي الجديد" إن "هناك أقساماً مكتظة بالموظفين وأقساماً أخرى تعاني نقصاً حقيقياً، أحياناً تجد خمسة موظفين يؤدون مهمة يمكن أن يقوم بها شخص واحد، بينما تتعطل معاملات المواطنين في أماكن أخرى بسبب نقص الكادر".
ويذهب مؤيدو فرضية البطالة المقنعة إلى أن هذا العدد الكبير لا ينعكس بالضرورة على مستوى الخدمات أو الإنتاجية الحكومية. ويرى الخبير الاقتصادي العراقي نبيل المرسومي أن التوسع في التوظيف الحكومي خلال السنوات الماضية أدى إلى تضخم الجهاز الإداري للدولة وارتفاع الإنفاق التشغيلي على حساب الإنفاق الاستثماري، معتبراً في حديث لـ"العربي الجديد" أن ذلك "يحد من قدرة الدولة على خلق مشاريع إنتاجية وفرص عمل مستدامة".
ويرفض مختصون وموظفون تعميم وصف "عدم الإنتاجية" على جميع العاملين في القطاع الحكومي، إذ يقول مسؤول شعبة الرصد الإلكتروني في وزارة الشباب عبد الله إسماعيل لـ"العربي الجديد" إن "هناك اختلافاً بين وزارة وأخرى، لأن قطاعات الصحة والتعليم والأجهزة الأمنية والبلديات والخدمات تعتمد بصورة أساسية على موظفي الدولة، وإن أي تقييم للإنتاجية يجب أن يميّز بين المؤسسات المختلفة".
ويلفت إلى أن "إعادة توزيع الموارد البشرية يمكن أن ترفع الكفاءة من دون الحاجة إلى تحميل الموظفين مسؤولية الخلل المؤسسي بالكامل، ما يشير إلى أن المشكلة قد تكون مرتبطة بآليات الإدارة والتنظيم أكثر من ارتباطها بعدد الموظفين فقط"، مبيناً أن "هناك جهلاً حقيقياً في التخطيط، فضلاً عن عدم تنفيذ التخطيط إن وجد".
الاستشارية في جهاز "أنظمة الجودة" الحكومي يسرى حميد عباس تؤكد أن "الترهل الوظيفي يعود بالدرجة الأساس إلى التوظيف العشوائي الذي لا يستند إلى حاجة فعلية للمؤسسات"، مشيرة إلى أن هذا الواقع يؤدي إلى تكدس أعداد كبيرة من الموظفين في وظائف محدودة المهام، الأمر الذي يجعل عملية قياس الأداء وإدارته أكثر صعوبة وبالتالي انخفاض فرص الإبداع والابتكار الوظيفي.
وتضيف أن زيادة أعداد الموظفين من دون وجود توصيف دقيق للمهام أو حاجة حقيقية لهم تسهم في تعقيد الإجراءات الإدارية وتعزيز البيروقراطية، ما يحول المؤسسة تدريجياً إلى عبء مالي على الدولة بدلاً من أن تكون أداة فاعلة في تقديم الخدمات وتحقيق التنمية. وتشدد عباس على أن بناء جهاز إداري فاعل يتطلّب الالتزام بمبدأ "الشخص المناسب في المكان المناسب" واعتماد المؤهلات العلمية والخبرة العملية والكفاءة المهنية معايير أساسية في التعيين والترقية وإسناد المسؤوليات.
وترى المدرسة في الجامعة العراقية شفاء عبد الزهرة أن أبرز الحلول لمعالجة مشكلة الترهل الوظيفي في إجراء مراجعة شاملة على مستوى الدولة بهدف تحديد مواقع الفائض والعجز الفعلي في الموارد البشرية، بما يسهم في تحقيق توزيع أكثر كفاءة للموظفين بين مؤسسات الدولة.
وتقول عبد الزهرة لـ"العربي الجديد" إن "الأمر يتطلّب أيضاً فتح باب النقل الاختياري بين الوزارات والجهات الحكومية مع منح حوافز تشجيعية للموظفين الراغبين بالانتقال إلى المؤسسات التي تعاني نقصاً في الكوادر، بما يحقق التوازن في القوى العاملة ويعزز كفاءة الأداء". وتضيف: "من الممكن تفعيل نظام الإعارة المؤقتة للموظفين بين الوزارات والدوائر الحكومية لفترات زمنية محددة، بما يتيح الاستفادة من الخبرات المتاحة ومعالجة النقص الطارئ من دون الحاجة إلى نقل دائم أو استحداث درجات وظيفية جديدة". وأشارت إلى أن "التوسع في تطبيق الخدمات الإلكترونية والتحول الرقمي أحد الحلول الأساسية، إذ يسهم في تبسيط الإجراءات وتقليل الاعتماد على الأعداد الكبيرة من الموظفين في بعض القطاعات".