اخر الاخبار

العربي الجديد

في الوقت الذي أعلن رئيس الحكومة العراقي علي الزيدي، أمس الاثنين، أن "لا حصانة لأي فاسد"، واصلت قوات الأمن العراقية أمس، ولليوم الثاني، ممثلة بكل من جهاز مكافحة الإرهاب ووحدة العمليات الخاصة، ملاحقة قائمة المطلوبين في حملة الحرب على الفساد في العراق والتي شملت عمليات اعتقال ومطاردة، بدأت أول من أمس الأحد في بغداد ومحافظات ومدن عراقية عدة، وطاولت أكثر من 50 شخصاً من السياسيين والمسؤولين، على خلفية ملفات فساد وسرقة المال العام في وزارتي النفط والكهرباء.

وقد حصل "العربي الجديد" على معلومات من داخل محكمة جنايات قضايا الفساد في بغداد، أمس، كشفت عن قرب تنفيذ عمليات اعتقال إضافية بحق مسؤولين، ورفع حصانة عن نواب آخرين، بتهم غسل أموال واختلاس والاستيلاء على عقود ومناقصات حكومية بمبالغ مالية كبيرة، إلى جانب تلقي رشى. كما ستطاول الحملة، وفق المصادر، شخصيات ناشطة في اقتصاديات الفصائل العراقية الموالية لإيران.

 

لا حصانة لأي فاسد

ويبدو أن الانفتاح الأميركي على حكومة بغداد التي يزور رئيسها البيت الأبيض منتصف الشهر المقبل، إلى جانب حجم التأييد الداخلي الشعبي والسياسي لحملة الحرب على الفساد في العراق التي انطلقت فجر الأحد، شكّلا دفعاً للزيدي للمضي قدماً في هذه الحملة. وفي هذا السياق أشاد كل من زعيم التيار الوطني الشيعي، مقتدى الصدر، ورئيس تيار الحكمة عمار الحكيم، بدور السلطتين القضائية والتنفيذية وإجراءاتهما في إطار الإصلاح ومكافحة الفساد. وقال الزيدي خلال جلسة مجلس الوزراء أمس، إن الحكومة ماضية في مكافحة الفساد، مشدداً على أنها "صولة أولى" وستتبعها خطوات وإجراءات أخرى. وقال إن أي فاسد في هذه الحكومة "لن يتمتع بأي حصانة". وفي إطار تجديد التأكيد على أولويات حكومته، لا سيما في ملف السلاح، شدد على أن العراق سيبدأ صفحة جديدة، وأن السلاح سينحصر بيد الدولة، وستكون القوة حكراً على الدولة فقط.

وبينما لم تكشف السلطات العراقية إلا عن 15 اسماً من المعتقلين أول من أمس بقضية الفساد الرئيسة المتعلقة بوزارة النفط، بناء على ما ورد في اعترافات وكيل وزارة النفط عدنان الجميلي الذي اعتُقل الشهر الماضي على ذمة التحقيق، فقد قالت مصادر قضائية عراقية في بغداد، لـ"العربي الجديد" أمس، إن إجمالي المعتقلين بلغ حتى الآن 53 شخصية سياسية وحكومية وبرلمانية. كما ضبطت، وفق المصادر، مبالغ مالية ضخمة وجدت داخل منازل هؤلاء المعتقلين، تصل إلى مليارات الدنانير وملايين الدولارات، إلى جانب مقتنيات ذهبية وسيارات فارهة صودرت جميعها. وأبرز هؤلاء المعتقلين زعيم تحالف "عزم" (ثاني أكبر الأحزاب السنية النافذة في البلاد) مثنى السامرائي، بالإضافة إلى نواب بارزين، بينهم محمد جميل المياحي وعالية نصيف وزياد الجنابي. ووفق مصادر قضائية وحكومية، فإن الحملة قد تتوسع إلى عتبة الـ100 مسؤول خلال الفترة المقبلة.

في الأثناء أبلغ قاض في محكمة جنايات قضايا الفساد في بغداد، والتي ترتبط بمجلس القضاء الأعلى، "العربي الجديد"، أمس، أن "التحقيقات الأولية مع المعتقلين، أسفرت عن اعترافات ووثائق وأدلة ستقود إلى اعتقال آخرين، بينهم سياسيون ومسؤولون بارزون بالحكومة السابقة (حكومة محمد شياع السوداني)، ونواب ورؤساء شركات ووكلاء وزراء". وأشار إلى أن بغداد بدأت بإعداد لائحة أسماء بأشخاص هربوا إلى دول مجاورة، أبرزها تركيا والإمارات ولبنان والأردن وإيران، لاستعادتهم عبر الإنتربول (منظمة الشرطة الجنائية الدولية) أو من خلال سلطات تلك الدول ذاتها.

القاضي الابتدائي الذي طلب عدم الكشف عن هويته قال أيضاً لـ"لعربي الجديد"، إن إجمالي المبالغ المتوقعة في قضية الفساد بوزارة النفط، قد تصل إلى 750 مليار دينار عراقي (نحو نصف مليار دولار أميركي) على شكل أموال كاش (نقداً)، أو عقارات ومجوهرات وسيارات ومقتنيات مختلفة، تم ضبط جزء منها حتى الآن. وأشار إلى مسألة "التسويات القانونية باسترداد الأموال غير واردة"، كاشفاً عن بدء القضاء عملية حجز أموال على ممتلكات المسؤولين وأقربائهم حتى الدرجة الثانية، في حين تتواصل عمليات التدقيق في حسابات مالية وعقود حكومية ومشاريع استثمارية يشتبه بتورط شبكات فساد منظمة فيها. في إشارة إلى توسيع حملة الحرب على الفساد في العراق في الأيام المقبلة، ذكر أن "دائرة التحقيقات تتوسع تدريجياً لتشمل مسؤولين سابقين وحاليين، فضلاً عن رجال أعمال وشركات يعتقد أنها كانت واجهات لتمرير صفقات مشبوهة أو غسل الأموال".

 

مرحلة ثانية من الحرب على الفساد في العراق

ولفت القاضي إلى أن المرحلة الثانية من الحملة ستطاول أعضاء بارزين في فصائل مسلحة، ناشطين في اقتصاديات تلك الفصائل بصلاح الدين ونينوى والأنبار وبغداد وبابل وديالى، أبرزها كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق والإمام علي وسيد الشهداء، وردت أسماءهم في إطار التحقيقات المتعلقة بعقود النفط والكهرباء والإعمار. وأوضح أن "وكيل وزارة النفط عدنان الجميلي المعتقل على ذمة التحقيق، أقر بتقديم مبالغ شهرية ثابتة لفصائل مسلحة تنشط في بغداد وصلاح الدين". وذكر المصدر نفسه أن "الحملة قد تستمر ستة أشهر على الأقل، وبشكل تدريجي"، متحدثاً عن "نيّة جادة من مجلس القضاء الأعلى ورئيس الوزراء، مع وجود دعم شعبي كبير للإجراءات".

من جهته أكد مسؤول بالخارجية العراقية، لـ"العربي الجديد"، أن حملة الحرب على الفساد في العراق تأتي "ضمن متطلبات الإيفاء بتعهدات الحكومة لواشنطن بتجفيف منابع الإرهاب وغسيل الأموال، وإغلاق قنوات تمويل اقتصاديات فصائل مسلحة نافذة ومصنفة على أنها حليفة لإيران". واعتبر أن "إجراءات مكافحة الفساد ثاني الشروط الأميركية بعد حصر السلاح بيد الدولة التي فرضت على الحكومة الجديدة من قبل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب". في غضون ذلك أعلن المتحدث باسم الحكومة العراقية حيدر العبودي، أمس، أنه "سيتم إنشاء حساب في وزارة المالية لإيداع الأموال المستردة من المتورطين بالكسب غير المشروع". وأوضح في تصريحات أوردتها وكالة الأنباء العراقية الرسمية (واع) أن "الاعترافات التي أدلى بها المتهمون تقود لشبكات أخرى على مستوى الأسماء والأموال".

من جانبه قال عباس متعب، المدير العام لدائرة الاسترداد في هيئة النزاهة ونائب رئيس مجلس إدارة صندوق استرداد أموال العراق، لوكالة الأنباء العراقية مساء أول من أمس، إن "الهيئة تمكنت من حجز كميات كبيرة من الأموال في الخارج، الأمر الذي حال دون تمكن مرتكبي جرائم الفساد من التصرف بها". وأضاف أن "هيئة النزاهة تعمل، بالتنسيق مع وزارة العدل، على إقامة دعاوى مدنية لاسترداد الأموال المحجوزة، والتي تقدر بكميات كبيرة"، لافتاً إلى "عدم وجود تشريعات متكاملة تنظم عمليات الاسترداد". وأعلن أن "هناك مسودة قانون خاصة بالاسترداد ستعرض قريباً على مجلس النواب".

على صعيد آخر فتح بيان مجلس القضاء الأعلى في العراق، حول الحرب على الفساد في العراق وعمليات الاعتقال، باب الجدل واسعاً حيال شرعية الانتخابات التي أجريت في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، إذ أكد أن المعتقلين استعملوا الأموال المنهوبة من الدولة في تمويل حملاتهم الانتخابية منذ شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. وليل الأحد الاثنين، نقل مجلس القضاء الأعلى في العراق، في بيان، عن قاضي محكمة مكافحة الفساد ضياء جعفر قوله إن "التحقيقات في قضية المتهم (الجميلي) بدأت في الشهر العاشر من عام 2025، إثر تلقي المحكمة مجموعة من الإخباريات التي تتضمن قيام مرشحين بصرف مبالغ مالية طائلة لدعم دعايتهم الانتخابية مستغلين موارد الدولة، وبدعم من شخصيات نافذة في الحكومة السابقة".

 

انعكاس للتطورات السياسية

في هذا السياق اعتبر الخبير العراقي المختص في مكافحة الفساد سعيد ياسين، في حديث لـ"العربي الجديد" أن الحملة الحالية "تمثل انعكاساً لتطورات سياسية بالعراق"، مضيفاً أن "نجاحها لن يقاس بعدد أوامر القبض أو الاعتقالات، وإنما بقدرة الدولة على استرداد الأموال المنهوبة، وإصدار أحكام قضائية باتة، وتفكيك شبكات الفساد التي تشكلت على مدى سنوات داخل مؤسسات الدولة". وبيّن ياسين أن "التحقيقات التي تتولاها الجهات القضائية وهيئة النزاهة تعتمد على الأدلة والوثائق والتدفقات المالية والاعترافات، وهي إجراءات قد تقود قانونياً إلى الكشف عن متورطين جدد إذا ما دعمتها قرائن وأدلة مادية كافية".

وقضايا الفساد الكبرى، وفق ياسين، "غالباً ما تكون مترابطة وتشمل مسؤولين وموظفين وشركات ورجال أعمال وشبكات مالية عملت بصورة منظمة لإخفاء الأموال أو تهريبها إلى خارج البلاد". وأضاف أن "استرداد الأموال المنهوبة يمثل أحد أكثر الملفات تعقيداً، لأنه يتطلب تعاوناً قضائياً ودبلوماسياً مع الدول التي أودعت فيها تلك الأموال أو يقيم فيها المطلوبون، فضلاً عن تفعيل الاتفاقيات الثنائية والدولية الخاصة بتسليم المتهمين والمساعدة القانونية المتبادلة". وأكد أن "مكافحة الفساد لم تعد قضية داخلية فحسب، بل أصبحت ترتبط أيضاً بمتطلبات الإصلاح المالي والامتثال للمعايير الدولية الخاصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب".

أما عن نتائج الحرب على الفساد في العراق والتي تواصلت أمس، فذكر أن "أي حملة لمكافحة الفساد لن تحقق أهدافها ما لم تترافق مع إصلاحات مؤسسية تشمل تحديث أنظمة الرقابة المالية، وأتمتة (التحوّل الرقمي) الخدمات الحكومية، وتعزيز الشفافية في العقود العامة، وربط قواعد بيانات المؤسسات الحكومية"، مشدداً على أن "الوقاية من الفساد لا تقل أهمية عن ملاحقة مرتكبيه". والمرحلة المقبلة ستكون، بحسب ياسين، "حاسمة في اختبار قدرة المؤسسات العراقية على التعامل مع ملفات الفساد الكبرى بعيداً عن الضغوط السياسية".

من جانبه رأى رئيس مركز الرفد للدراسات الاستراتيجية (مقره في بغداد) عباس الجبوري، لـ"العربي الجديد"، أن الحرب على الفساد في العراق الحالية "تمثل نقطة تحوّل في العلاقة بين الدولة ومراكز النفوذ السياسي والاقتصادي". واعتبر أن "ما يجري اليوم ليس مجرد حملة اعتقالات، بل عملية إعادة رسم لخريطة النفوذ المالي التي تشكلت خلال أكثر من عقدين".  وأشار الجبوري إلى أن "الضغوط الأميركية خلال الآونة الأخيرة، ولا سيما في ملفات مكافحة غسل الأموال، والرقابة على التحويلات المالية، وإغلاق منافذ تهريب الدولار، أسهمت في دفع الحكومة العراقية إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد شبكات الفساد". وأوضح أن "الضغوط جاءت في إطار مطالبات بتعزيز الامتثال المالي ومنع استغلال النظام المصرفي العراقي في عمليات غير مشروعة، وهو ما انعكس على توسع التحقيقات في ملفات الفساد الكبرى".

وأضاف أن المرحلة الحالية من الحرب على الفساد في العراق "لن تتوقف عند اعتقال مسؤولين أو سياسيين، بل ستصل إلى رجال أعمال وشبكات اقتصادية وشركات يشتبه في تورطها بإدارة عمليات غسل الأموال أو الاستيلاء على المال العام أو استغلال العقود الحكومية". وبيّن أن "التحقيقات المالية عادة ما تقود إلى كشف حلقات مترابطة تمتد بين المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص". وفي رأيه فإن "استرداد الأموال المنهوبة قد يشكل فرصة مهمة لدعم المالية العامة إذا نجحت الدولة في استكمال الإجراءات القانونية والقضائية اللازمة"، مشدداً على أن "الأهم من قيمة الأموال التي قد تسترد هو بناء منظومة تمنع تكرار الفساد مستقبلاً". أما إذا توقفت الحملة عند حدود معينة أو استثنت شخصيات نافذة، فإنها، وفق الجبوري، "ستفقد الكثير من أثرها السياسي والاقتصادي".