اخر الاخبار

العربي الجديد

عاد اسم رئيس الوزراء العراقي الأسبق، نوري المالكي، مجدداً إلى صدارة المشهد السياسي في العراق، مرشحاً رسمياً لرئاسة الحكومة الجديدة، في خطوة أعادت ذاكرة سياسية وأمنية لا تزال حاضرة بقوة في وعي العراقيين، وأثارت موجة من التحفّظات السياسية والتحذيرات امتدت حتى داخل تحالف "الإطار التنسيقي" نفسه. وكان تحالف "الإطار" الذي يضم القوى الشيعية، عدا التيار الصدري، قد أعلن مساء أمس السبت، في بيان له، "ترشيح المالكي بالأغلبية لرئاسة الوزراء"، بعد خلافات وجدل استمر لأكثر من شهرين داخل الإطار، أعقبت الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي جرت في 11 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، فيما يكشف الإعلان، وتحديداً مفردة "الأغلبية"، أن الترشيح لا يمثل توافقاً شيعياً كاملاً، بل تسوية داخلية هشة، عكست عمق الانقسام داخل التحالف الحاكم، وحدود القدرة على إنتاج مرشح يحظى بقبول واسع.

وأكد مصدر سياسي مطلع من داخل الإطار، لـ"العربي الجديد"، طالباً عدم ذكر اسمه، أن "قوى متنفذة في الإطار لم تؤيد ترشيح المالكي، وفي مقدمتها عصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي، وتيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم اللذين تحفّظا قبل القبول، مقابل دعم واضح وقوي من قبل زعيم تحالف الفتح هادي العامري، فضلاً عن قوى أخرى"، مبيناً أن "المخاوف من انقسام الإطار دفعت باتجاه ترشيح المالكي لحسم الملف".

هذا التباين أثار تساؤلات حول طبيعة "الأغلبية" ومدى تماسكها في مواجهة استحقاقات تشكيل الحكومة المقبلة. ولا يمكن فصل عودة المالكي عن إرثه الثقيل في الحكم لدورتين متتاليتين 2008 - 2014، وهي مرحلة وُصفت على نطاق واسع بأنها من أكثر المراحل اضطراباً في تاريخ العراق الحديث، فقد شهدت تلك السنوات تصاعداً حاداً في التوترات الطائفية، وارتباكاً أمنياً واسعاً، رافقته حملات اعتقال جماعية استندت إلى الفقرة 4 من قانون مكافحة الإرهاب المثير للجدل، و"المخبر السري" و"الدعاوى الكيدية" التي طاولت الآلاف من المواطنين، لا سيما من المكون السني، وهو ما خلّف شعوراً عميقاً بالتهميش وانعدام الثقة بالدولة.

كما ارتبطت تلك المرحلة أيضاً بملفات فساد كبرى، أبرزها صفقات الأسلحة، وسوء إدارة موارد الدولة، وتراجع الخدمات، وقد انتهت ولاية المالكي الثانية بأخطر منعطف أمني تمثل باجتياح تنظيم داعش عدداً من محافظات البلاد، وسقوط مدن كبرى بيد التنظيم المتطرف، وهو حدث ما زال يُعدّ منعطفاً في سجل الدولة ومؤسساتها الأمنية. هذه المجريات أعادت إلى الواجهة هواجس العراقيين، السنّة بشكل خاص، إذ استحضرت ذاكرة التهجير، والدمار، وملف المغيبين والمختفين قسراً، إلى جانب الإخفاقات في إعادة الإعمار، وتحقيق العدالة المجتمعية، كما لم تغب عن الأذهان خلافات المالكي العميقة داخل البيت الشيعي نفسه، لا سيما صراعه مع التيار الصدري، الذي شكّل أحد أبرز عوامل الانسداد السياسي في مراحل لاحقة.

ومن هذا السياق، جاء موقف "المجلس السياسي الوطني السني"، محذراً من هذا الترشيح، ومعبراً عن "قلق واسع" لدى شرائح كبيرة من الشعب العراقي، خصوصاً في المحافظات التي عانت ويلات الحروب والإرهاب. وشدد البيان على أن "المرحلة الحسّاسة التي يمر بها العراق تتطلب قرارات تاريخية مسؤولة تقدّم مصلحة الوطن والشعب على أي اعتبارات أخرى، وعدم تداول أسماء مرشحين جدد ارتبطت مراحل سابقة من وجودهم في السلطة بأزمات سياسية وأمنية واقتصادية عميقة، لا تزال آثارها حاضرة في الواقع العراقي".

غير أن هذا الموقف لم يكن موحداً داخل البيت السني نفسه، إذ أعلن تحالفا "الحسم" بزعامة ثابت العباسي، و"العزم" بزعامة مثنى السامرائي، وهما ضمن "المجلس الوطني السني"، تأييدهما ترشيح المالكي، ونفيا أن يكون بيان المجلس قد صدر بإجماعه.

هذا الانقسام السني أضعف من ثقل الاعتراض، لكنه في الوقت ذاته عكس هشاشة المواقف التمثيلية، وعمّق صورة المشهد السياسي المرتبك. في المقابل برز موقف كردي لافت، تمثل برسالة تهنئة ودعم وجهها الزعيم الكردي مسعود البارزاني، الذي رحب بترشيح المالكي، وأبدى استعداده لـ"دعم المالكي في معالجة القضايا العالقة والخلافات القائمة، والعمل المشترك على تجاوز العقبات والتحديات التي تواجه البلاد، بما يسهم في تعزيز الاستقرار وتحقيق المصلحة العامة للعراق".

على الجانب الآخر، حاول حزب الدعوة وائتلاف "دولة القانون" احتواء تلك المخاوف، عبر خطاب سياسي ركز على الشراكة الوطنية، واختيار كابينة من "الكفاءات النزيهة"، والالتزام بتوجيهات المرجعية، وتقديم المالكي بوصفه مرشحاً "قادراً على ضبط الفصائل". ودعا، حزب الدعوة، القوى السياسية وجميع المكونات الوطنية، إلى "التعاون الجاد في تشكيل الكابينة الوزارية المقبلة"، مؤكداً أن المرحلة الراهنة تتطلب بناء جبهة تحالفية أوسع تضم الجميع لضمان استقرار البلاد، ومواجهة التحديات السياسية والاقتصادية".

وأشار الى أن "رفض الحلبوسي و(رئيس تحالف العزم خميس) الخنجر، ترشيح المالكي لن يدوم طويلاً، وأن الاعتراضات على ترشيح المالكي ستنتهي وتذوب قريباً".

ويحتاج المالكي إلى الحصول على أغلبية ثلثي أعضاء البرلمان، بعد أن يتم اختيار رئيس الجمهورية "من حصة الكرد" في 29 من شهر يناير/ كانون الثاني الحالي، ليكلَّف بعد ذلك مرشح الكتلة الكبرى، المالكي، رسمياً بتشكيل الحكومة.