في ظل إجراءات اقتصادية ومالية جديدة بدأ تنفيذها مع مطلع عام 2026، تصاعد الجدل بين الحكومة والبرلمان، والمراقبين المختصين، حول مسار السياسة المالية، وتداعيات فرض الضرائب الجديدة.
فبينما تؤكد الحكومة استقرار الرواتب والإيرادات بدعم التدفقات النفطية، يحذر نواب وخبراء من آثار “الإصلاحات الجديدة” على معيشة ذوي الدخل المحدود.
وقال مظهر محمد صالح، المستشار المالي لرئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني، في تصريح تابعته “العالم الجديد” (7 كانون الثاني يناير 2026)، إنه “لا توجد أي مخاوف تتعلق بتأمين رواتب الموظفين والمتقاعدين وإعانات الرعاية الاجتماعية، ما دامت التدفقات النقدية بالعملة الأجنبية مستمرة”، مبيناً أن “استمرار التدفقات النقدية بالعملة الأجنبية، يعكس حقيقة مفادها أن أسواق الطاقة العالمية لا يمكن أن تتعرض لانهيار شامل، ما يضمن حداً أدنى مستداماً من الإيرادات النفطية الكفيلة باستمرار دوران عجلة الاقتصاد الوطني والوفاء بالالتزامات الأساسية”.
وأضاف، أن “هذا الاطمئنان لا يعفي الحكومة من ضرورة العمل الجاد على إنجاح مسارات السياسة المالية والإجراءات الانضباطية التي جرى اعتمادها مؤخراً، بهدف تحقيق الاستدامة المالية ومواجهة الهبوط الدوري الملازم لدورات الأصول النفطية”، مشيراً الى ان “مفهوم الاستدامة المالية يقتضي ضبط الإنفاق العام وإعادة فحصه وتدقيقه وفق معايير كفاءة الصرف وترتيب الأولويات، بالتوازي مع تعظيم الإيرادات غير النفطية، بما يضمن تأمين النفقات الواجبة الدفع والوفاء بالالتزامات المالية بصورة مستقرة ومستدامة، بعيداً عن تقلبات الإيرادات النفطية”.
ووجد صالح أن “قرار مجلس الوزراء الصادر مؤخراً، يؤسس لمرحلة جديدة في إدارة السياسة المالية، تقوم على نهج التعزيز المالي، الذي يستهدف تقليص العجز المالي تدريجياً على المدى القصير، وترسيخ مسار الانضباط المالي في المدى المتوسط، ولا سيما في موازنة عام 2026، فضلاً عن اعتماد استراتيجية متدرجة لخفض رصيد الدين العام”.
وأكد أن “الإجراءات المالية الأخيرة تهدف الى دعم التدفقات النقدية للموازنة العامة من خلال تفعيل أوعية إيرادية كانت مهملة أو غير مستثمرة بالكفاءة المطلوبة”، معتقداً أنها “لا تتعارض مع الحفاظ على استقرار المستوى المعيشي للمواطن ورفاهيته، بل تأتي ضمن إطار إصلاحي أوسع يسعى الى توسيع قاعدة الإيرادات غير النفطية، وتحسين كفاءة إدارة الموارد العامة، وتعزيز الانضباط المالي بوصفه شرطاً أساسياً لتحقيق الاستقرار المالي واستدامة التمويل العام”.
من جانبها، عدت النائبة منى الغرابي، ما أقدم عليه مجلس الوزراء من إجراءات تتعلق برفع الضرائب “مخالفة صريحة للدستور، ولا يمكن السماح بالعمل بها خارج الأطر القانونية والدستورية”، موضحة أن “الإجراءات المتخذة من قبل مجلس الوزراء برفع الضرائب تفتقر إلى السند الدستوري والقانوني، كون فرض الضرائب أو تعديلها من الصلاحيات الحصرية لمجلس النواب، وفقاً لما نص عليه الدستور العراقي”.
وأشارت إلى أن المادة (28 / أولًا) من الدستور العراقي نصّت صراحة على أنه “لا تُفرض الضرائب والرسوم، ولا تُعدّل، ولا تُجبى، ولا يُعفى منها، إلا بقانون”، مؤكدة “نحن كأعضاء في مجلس النواب سنقف بوجه هذا التخبط الحكومي، لما له من آثار سلبية مباشرة على المواطن العراقي، الذي يعيش هذه الأيام حالة من القلق والحيرة، في ظل إجراءات حكومية غير مدروسة تُحمّله أعباءً مالية إضافية”.
وكان الخبير الاقتصادي منار العبيدي، كتب أمس الثلاثاء (6 كانون الثاني يناير 2026)، على حسابه في فيسبوك، وتابعته “العالم الجديد”، أنه “مع دخول عام 2026، بدأ تطبيق حزمة إجراءات جديدة لتنظيم عمليات الاستيراد إلى العراق، ورغم أنها نوقشت سابقاً مع الجهات المعنية، إلا أن تأثيرها الفعلي ظهر مع بدء التنفيذ”.
وبحسب العبيدي تتمثل أبرز هذه الإجراءات بثلاث نقاط رئيسية:
أولاً: تطبيق التعرفة الكمركية وفق قانون التعرفة رقم (22) لسنة 2010، وهو قانون نافذ منذ أكثر من عقد لكنه لم يُطبّق فعلياً إلا مطلع 2026، ما يعني أن الخطوة ليست قراراً جديداً، بل تنفيذاً متأخراً لتشريع قائم، وتعديل نسبه يبقى من صلاحية مجلس النواب حصراً.
ثانياً: اعتماد الاحتساب الكمركي المسبق، من خلال تحديد الرسوم والالتزامات الكمركية قبل إجراء التحويل المالي، بهدف الحد من تضخيم الفواتير والتحويلات الوهمية، وضمان تحصيل حقوق الدولة بشكل قانوني.
ثالثاً: فرض التأمينات الضريبية على البضائع المستوردة عبر نظام الأسيكودا، على أن تُسوّى الضرائب نهاية السنة المالية وتُحتسب من مبالغ التأمينات المستوفاة.
وأوضح العبيدي، أن “توقيت التطبيق جاء بعد استكمال أتمتة الكمارك والمنافذ الحدودية، وهو مشروع طال انتظاره واستفاد من تأخيره كثيرون”، مشيراً إلى أن “ارتفاع سعر الدولار يعكس تضييق منافذ تهريب العملة، ما دفع بعض الطلب إلى السوق الموازي” .
وحول شكاوى التجار من صعوبات فنية ومصرفية، وجد الخبير الاقتصادي، بأنها “طبيعية في المراحل الأولى للتطبيق”. أما بشأن الأسعار، فتوقع ارتفاع أسعار عدد من السلع، خصوصاً الاستهلاكية، “ما يستدعي إجراءات اقتصادية دقيقة لضمان حماية أسعار الغذاء والدواء والنقل وعدم تحميل المواطن أعباء إضافية”.
وأظهرت وثائق متداولة صادرة عن مجلس الوزراء العراقي، بتاريخ (16 كانون الأول ديسمبر 2025)، خطة الحكومة لفرض الضرائب، من بينها “بطاقات تعبئة الرصيد وخدمات الإنترنت”، ضمن حزمة الإصلاحات الاقتصادية التي تهدف إلى زيادة الإيرادات وتحسين الوضع المالي للدولة، بحسب الوثائق.
وتشمل المقررات أيضا إجراءات لتعزيز الرقابة على الخدمات الرقمية، وتوسيع قاعدة الضرائب، لتشمل مختلف الفئات المستفيدة من الخدمات الإلكترونية.