يكتب شمران الياسري " أبو كاطع" وكأنه يمارس طقسا نقديا، يجعل من الخيار السردي أفقًا في تمثيل وعي ومسؤولية الكاتب، الذي يكتب العمود والرواية، كاشفا عن المخفي من السياسي والثقافي والاجتماعي، وناقدا لكل مظاهر الاستبداد والعنف والبيروقراطية، صريحا بالقول، وساخرا من السلطة والجهل والرثاثة، وعلى نحوٍ باتت فيه شخصيته الأثيرة "خلف الدواح" وكأنها أنموذج للبطل الشعبي، والحكواتي الذي تحوّل خطابه الى يافطة نقدية، والى خيال خصب في استبطان وعيه وثوريته وسخريته وفي مواجهته للقهر بحمولته الواقعية والرمزية..

أبو كاطع الروائي ليس بعيدا عن أبي كاطع صاحب البرنامج والعمود الأكثر شهرة "بصراحة" حتى بات التلازم بينهما عنوانا رمزيا لتمثيل الفاعلية السردية للخطاب النقدي، ولجدّة المثقف العضوي، والمثقف الملتزم الذي يؤمن أن الصناعة الثقافية تحتاج الى فاعلين ثقافيين، يؤسسون مشروعهم الثقافي عبر مشروعية الالتزام، وعبر تأطير الخطاب الثقافي بوصفه جزءا من مسؤوليتهم الوطنية والاخلاقية التي يحملونها، ومن اهمية الوعي في مواجهة مظاهر البؤس، وفي استغوار يوميات الصراع الذي يعيشه الفلاح وسط اغتراب عميق،  وصراع دامٍ مع الاقطاع والسركال والسلطة.

قد يكون ابو كاطع من ابرز ادباء "السخرية" في السرديات العربية، لكنه ايضا الأبرز في كتابة "الأدب الواقعي" في تمثلاته النقدية السياسية والاجتماعية، وفي رؤيته للنضال الوطني، والنضال الطبقي، عبر رصد مظاهر بؤس الحياة في الريف العراقي، وعلى نحوٍ دفعه لأن يجعل من ادب السخرية عتبة سردية أو تناصا مع تلك "الواقعية النقدية"، ومع وظائفية اجراءاتها، على مستوى جرأتها في استعمال تلك السخرية من السلطة ومن الواقع، أو على مستوى احتفاءها برمزية الصراع الذي يروي حكاياته " خلف الدواح" من خلال مواقف نقدية، وعبر افكار لاذعة، ومن يوميات غامرة بالمقموع والمسكوت عنه، لم يجد الياسري سوى السخرية تقويضا لها..

سردية السخرية لم تكن بعيدة ايضا عن مشغله في كتابة العمود الصحفي، الذي بدا وكأنه الأقرب الى " القصة الصحفية" وهذا ما جعل الياسري من اوائل الصحفيين العراقيين الذي استشرفوا كتابة تلك القصة، بوصفها فنا اعلاميا قريبا من السرد الأدبي..

التلاقي بين سردية القصة الصحفية ورباعيته الروائية " الزناد و بلا بوش دنيا، غنم الشيوخ، فلوس حميّد، أو قضية حمزة الخلف " يكشف عن هوية المشروع الثقافي الذي حرص الياسري على تمثيله، وصياغته، حتى بدا علامة فارقة في السردية العراقية، عبر تمثيل واقعيتها النقدية وبنيتها الدرامية، وكذلك عبر تمثيلها لما يشبه ادب سيرة الزمن العراقي العصيب، أو أدب الأرض، لاسيما في تتبع عوالم شخصياته " خلف الدواح" و "حمزة الخلف" و"مطشر" و" زينة" و" حميد سارق الغنم"  و"عودة الكبر" و"حسين" البطل الاجتماعي في القرية، كاشفا عبرها عن سخرية الوعي، وعن مفارقات الصراع الوجودي الذي تعيشه، وعن التغريبة الثقافية بين انتمائها الايديولوجي وبين رومانسية حلمها الثوري.

عالم الياسري السردي والحكواتي ليس بعيدا عن عالمه الواقعي، إذ كثيرا ما تبدو الحكايات في رباعيته أكثر تمّاسا مع الواقع اليومي، ومع خفايا مرائر وتناقضات الصراع الاجتماعي، حتى لغته السردية تخففت كثيرا من عقدة السارد التقليدي، لتنفتح على واقعية سردية، احتشدت بوقائع ويوميات، جعل منها الروائي تمثّلات سردية تهدف الى تعرية الواقع العراقي، والى الكشف عن كثيرٍ من صراعاته الطبقية والاجتماعية وعنفه الرمزي الاجتماعي، بدءا من نشوء الدولة العراقية وصولا الى يوميات ثورة 14 تموز 1958، حيث حمل هذا التنامي الزمني معه كثيرا من التناقضات الاجتماعية، وما حفلت به من صراع وجور، ومن كوميديا سوداء، ومن حرمانات نفسية وعاطفية..

تنامي الزمن الروائي في رباعية الياسري لم يكن بعيدا أيضا عن الزمن الواقعي، حيث كشفت هذه الرباعية، وحتى في جزئها الخامس " فلوس حميّد" عمّا يشبه "التراجيديا" العراقية، حيث دوستوبيا المكان، والعنف الطبقي والاجتماعي، وحيث الحرمان العاطفي والجنسي، حتى بدت السخرية والحلم الثوري وكأنهما يستبطنان مشاعر احتجاج عميقة، عبر شخصيات متعددة، حمل بعضها الحكمة والحساسية الثورية، وبعضها الآخر استغرقها الهامش الاجتماعي بمفارقاته، فضلا عن شخصيات السلطة برمزيتها الاجتماعية والطبقية، أو بخذلانها ورثاثتها..