تحتفل صحيفة «طريق الشعب» هذا العام بمناسبتين لا تخصان تاريخها حسب، بل تمسان تاريخ العراق الحديث؛ مئوية ميلاد الكاتب والمناضل شمران الياسري "أبو كاطع" (1926–1981)، ومرور تسعين عاماً على صدور جريدة "كفاح الشعب" (31 تموز 1935)، التي أرست تقاليد صحافة وطنية انحازت للإنسان ودافعت عن الحرية والعدالة، لتواصل «طريق الشعب» حمل رسالتها عبر الأجيال.

إن استذكار "أبي كاطع" ليس احتفاءً بكاتب كبير حسب، بل بمرحلة كاملة كان فيها القلم موقفاً، والصحافة ساحة نضال دفع فيها الصحفي حريته وأحياناً حياته ثمنًا لشرف كلماته.

ولد "أبو كاطع" في عراق يموج بالتحولات؛ فمنذ خمسينيات القرن الماضي عاشت البلاد مخاضاً سياسياً واجتماعياً حاداً بين مشاريع التحرر والإصلاح، ومواجهة الاستعمار والإقطاع والتفاوت الطبقي. وكانت الصحافة -في المقاهي والجامعات والنقابات المقر الأهم لتلك الصراعات. ومع انطلاقة ثورة 14 تموز 1958، فتحت الآفاق أمام أحلام العراقيين، قبل أن تدخل البلاد لاحقاً دوامة الانقلابات، وصولاً إلى هيمنة الدكتاتورية التي صادت الحياة السياسية وحاولت جعل الكلمة صدىً للسلطة.

في تلك الحقبة، لم تكن جريدة "طريق الشعب" مجرد صحيفة معارضة، بل مدرسة وطنية خرّجت أجيالاً رأوا في القلم مسؤولية أخلاقية. ومن بينهم برز شمران الياسري؛ لا كمنظّر سياسي، بل كابن للأرض، وصوت للفلاحين والبسطاء.

في السبعينيات، كان آلاف العراقيين يفتحون الصحيفة من صفحتها الأخيرة؛ حيث ينتظرهم عمود "أبو كاطع". لم يكن مجرد زاوية، بل نافذة يطلون منها على أنفسهم؛ بصوت يشبه رائحة الطين بعد المطر، ولهجة فلاح لا تتكلف اللغة بل تمتلك صدقها. وبسخريته الآسرة، كان يخفف من قسوة الواقع ويقول ما تعجز عنه المقالات المطولة، حتى أضحت الصفحة الأخيرة صفحة البداية للجميع.

لا يكمن سر أثره في لغته الشعبية فقط، بل في إنسانيته، إذ عاش بين الكادحين وشاركهم همومهم، فشعر الناس كأنه يعرفهم فرداً فرداً، وأن شخصياته نسيج واقع القرى والأهوار والمضايف. وعندما ضاقت المساحات، لم يتراجع ولم يتحدث بلغة الخوف، بل أدرك أن السحر بالسخرية أشد إيلاماً للطغيان، ليغدو عموده اليومي مقاومة ثقافية، وتتحول رباعيته الخالدة (الزناد، النعمان يرتد أحمر، غنم العليج، قضية حمزة) إلى إحدى أعمق الشهادات الأدبية على تاريخ الريف العراقي.

اليوم، بعد مئة عام على ميلاده، لا نستعيد "أبا كاطع" كصفحة طُويت، بل كقيمة قائمة؛ فالوسائل تتغير، لكن الصحافة التي تنحاز للإنسان وتكتب بضمير تبقى صانعة للوعي.هذا هو الدرس الذي تركه "أبو كاطع" لـطريق الشعب، وللصحافة العراقية، قد تُصادر الصحيفة وتُغلق أبوابها، لكن الفكرة والكلمة الصادقة لا تُغلق أبداً. وفي مئويته، لا نرثي رجلاً رحل، بل نجدد العهد مع مدرسة آمنت بأن الدفاع عن الإنسان هو جوهر المهنة، وأن الوطن يُبنى بالحقيقة والحرية.