الثقافة العراقية، التي فقدت كثيراً من أصواتها الحرة بسبب السجون والمنافي والحروب، ما تزال بحاجة إلى استعادة نماذج من طراز شمران الياسري (1926- 1981)، لا لتكرارها، بل لاستلهام معناها. فالمثقف الحقيقي يُعرف حين يكون وفياً للحقيقة، وقدرته على أن يقول "لا" حين يتحول الجميع إلى جوقة تصفيق. إذ ترك الياسري أثراً لا يمحى في وعي الناس، وهو من الشخصيات والأسماء التي كان لها دور التميز في الموقف والسلوك.

يتقدم اسم شمران الياسري (أبو گاطع) بوصفه واحداً من أكثر المثقفين العراقيين اقتراباً من مفهوم "المثقف العضوي" الذي صاغه المفكر الإيطالي (أنطونيو غرامشي 1891ـ 1937). في الوقت نفسه كان مثالاً للمثقف الذي لم يقع في ما سمّاه الفيلسوف والروائي الفرنسي (جوليان بيندا 1867ـ 1956) في كتابه الشهير "خيانة المثقفين": ارتهان المثقف للسلطة أو للمصالح أو للأهواء الأيديولوجية الضيقة على حساب الحقيقة والإنسان.

ليس من المبالغة القول: إن شمران الياسري قدّم نفسه صحفياً متميزاً يكتب عموداً ساخراً،  أو صانع حكايات عبر برنامجه الإذاعي ( احجيها بصراحة) بعد تموز 1958، ثم روائياً في رباعيته المشهورة، ليس هذا فحسب، بل كان ضميراً اجتماعياً حمل هموم الفلاح العراقي، كتب بلسان البسطاء الذين لم تكن لهم منابر، وحوّل الكلمة إلى فعل مقاومة في مواجهة الاستبداد والقهر.

نشأ أبو گاطع في ريف الكوت، لم يدخل مدرسة في حياته، غير أنه علّم نفسه القراءة والكتابة، وصنع ثقافته بنفسه، في تجربة تؤكد أن الثقافة ليست نتاج المؤسسة التعليمية وحدها، إنما ثمرة الإرادة الحرة والاندماج بالحياة. لهذا بدا قلمه قريباً من الناس، بعيداً عن التعقيد النخبوي، لأنه خرج من الأرض نفسها التي خرج منها الفلاح والعامل والكادح.

يذهب غرامشي إلى أن المجتمع ليس بحاجة إلى "مثقف تقليدي" يكتفي بإنتاج المعرفة من أبراج معزولة، بل إلى مثقف عضوي يرتبط بقضايا الناس، يعبّر عن مصالحهم، ويسهم في بناء وعيهم التاريخي. فالمثقف، في نظره، ليس مراقباً محايداً، وإنما فاعل اجتماعي يشارك في تشكيل الوعي وموازين القوة داخل المجتمع.

لو أردنا البحث عن نموذج عراقي قريب يجسّد هذا المفهوم، لوجدنا في شمران الياسري مثالاً واضحاً. إذ لم يكتب عن الريف من خارجه، بل من داخله، ولم يتحدث باسم الفلاح بوصفه موضوعاً للبحث، وإنما بوصفه واحداً من أبنائه. ولذلك جاءت كتاباته مفعمة بتفاصيل الحياة اليومية، بالأمثال الشعبية، وباللهجة العراقية، وبالصور التي يعرفها الناس جميعاً.

أتقن الياسري حرفته، وأدرك مدى تأثيرها في الجمهور، وإثارة الجدل حولها. لجأ إلى السخرية بوصفها سلاحاً معرفياً قبل أن تكون وسيلة للضحك. فقد أدرك أن السلطة المستبدة تخشى الكلمة الساخرة أكثر مما تخشى الخطاب المباشر، لأن السخرية تكسر هيبة الطغيان، وتجعل المستبد موضوعاً للتهكم، مبتكراً طرائق متعددة للنقد والتحريض والتفكير، بلغة السهل الممتنع، وبأسلوب بارع يتعاشق فيه الحزن والفكاهة. على نحو متماسك، وحبكة درامية متميزة. لهذا تحولت مقالاته وشخصياته القصصية إلى مرايا تكشف تناقضات المجتمع، وتفضح الاستغلال، وتسخر من الإقطاع والبيروقراطية والفساد.

لم يكن انحياز شمران للفلاح موقفاً عاطفياً عابراً، بل رؤية اجتماعية متكاملة. فقد رأى في الفلاح المنتج الحقيقي للثروة، وفي الريف العراقي خزّاناً للقيم الأصيلة، بينما كان الإقطاع، في نظره، صورة من صور الظلم التاريخي الذي صادر الأرض والكرامة معاً. ومن هنا جاءت كتاباته دفاعاً عن العدالة الاجتماعية بقدر ما كانت دفاعاً عن الحرية.

غير أن قيمة شمران الياسري لا تكمن فقط في انحيازه للفقراء، وإنما في استقلاله الأخلاقي أيضاً. وهنا تلتقي سيرته ومع أطروحة "جوليان بيندا" في كتاب "خيانة المثقفين". إذ انتقد بيندا المثقفين الذين يتحولون إلى أدوات في يد السلطة أو القومية المتطرفة أو المصالح السياسية، وعدّ ذلك خيانةً للرسالة الأخلاقية للمثقف. فالمثقف الحقيقي، بحسب بيندا، يجب أن يبقى حارساً للحقيقة، مدافعاً عن العدالة، حتى إذا خسر امتيازاته أو حياته.

تكاد تنطبق هذه المفاهيم على تجربة أبو گاطع، السياسية والثقافية، والصحفية. فلم يكن من أولئك الذين يبدّلون مواقفهم تبعاً لتغير الأنظمة، ولم يجعل قلمه وسيلة للتقرب من السلطة أو الحصول على المناصب. على العكس من ذلك، ظل يدفع ثمن استقلاله الفكري والسياسي، حتى اضطر إلى مغادرة العراق هرباً من بطش النظام الدكتاتوري الذي لم يكن يحتمل صوتاً حراً أو رأياً مستقلاً.

أبو گاطع، في جميع الأجناس الأدبية التي كتب فيها، ظل وفياً للإنسان العراقي. كانت شخصياته تنتمي إلى الهامش الاجتماعي، مع احتفاظها بقيمتها الإنسانية. يلتقط التفاصيل الصغيرة ليكشف البنى التي تؤسس للاستبداد والظلم. في إثارة الشكوك والأسئلة المشاغبة. وإذا كان غرامشي يرى أن المثقف العضوي يسهم في بناء الهيمنة الثقافية البديلة، فإن شمران الياسري كان يحاول، عبر الصحافة والأدب والسخرية، أن يبني وعياً مضاداً لثقافة الخوف والطاعة. أما إذا كان "بيندا" يحذر من خيانة المثقف لرسالته الأخلاقية، فإن أبا گاطع بقي حتى اللحظة الأخيرة منحازاً لما عدّه "بيندا" القيم الكونية الإنسانية: الحقيقة، والعدالة، والحرية، والجمال.

كان الرجل يسارياً واضح الانتماء، وحمل مشروعاً سياسياً واجتماعياً محدداً، وهذا جزء من سيرته التاريخية. لكن القيمة الأعمق في تجربته لا تكمن في انتمائه الحزبي وحده، وإنما في قدرته على أن يجعل من ذلك الانتماء وسيلة للدفاع عن الإنسان لا ذريعة لإلغاء الإنسان. وهنا تكمن فرادته، إذ ظل المعيار الأخلاقي حاضراً في كتاباته أكثر من الشعارات الجامدة.

هكذا عاش شمران الياسري، وهكذا بقي في الذاكرة العراقية: مثقفاً بنتاجه المتنوع، ونصوصه المحرّضة، صار مدرسة في الشجاعة الأدبية، مؤمناً بأن حرية الإنسان هي القيمة التي تستحق أن يكرّس الكاتب لها حياته كلها. وفي هذا المعنى، فإن "أبو گاطع" يظل واحداً من أقرب النماذج العراقية إلى مفهوم "غرامشي" للمثقف العضوي، وإلى المثال الأخلاقي الذي لا يخون ضميره، ولا يبيع كلمته، ولا يجعل من الثقافة سلماً إلى السلطة، بل جسراً إلى الإنسان.

اختار المنفى، لكنه لم يختر الصمت. واصل الكتابة، وواصل نقد الاستبداد، وظل يؤمن بأن المنفى يحمله مسؤولية أكبر تجاه شعبه.

كانت نهايته المأساوية في المانيا عام 1981 أشبه بخاتمة مؤلمة لسيرة رجل عاش مطارداً من أجل أفكاره. غير أن الموت لم يضع خاتمة لحضوره الثقافي، فالأثر الصادق الأصيل يبقى خالداً وأطول عمراً من صاحبه.