عندما وصل ماريو فارغاس يوسا إلى قبر روجر كيسمنت (الدبلوماسي الإيرلندي وشخصية روايته حلم السلتي)، كان قد وقع في حبه بالفعل. يقول يوسا الحائزعلى نوبل وهو جالسٌ في مكتب دار ناشرِه في لندن: "كان بطلاً، ليس مثالياً، لكنه إنسانًا بمعنى الكلمة، وهذا ما جعله شخصية محببة لي. لا بل أكثر من محببة، لكن هناك من يجد صعوبة في تقبّل أبطال ليسوا مثاليين". في مقبرة غلاسنيفن في دبلن، وجد (يوسا) قبر الوطني الإيرلندي الذي أعدمته بريطانيا في عام 1916. "كان الأمر محزنًا جداً، لأن القبور التي تحيط بقبره، والخاصة بقادة التمرد الإيرلندي، كانت مليئة بالزهور، أما قبره فلم يكن عليه زهرة واحدة.
تبدأ رواية يوسا عن حياة كيسمنت،(حلم السلتي) باقتباس من الكاتب الأوروغوياني خوسيه إنريكي رودو: "كل واحد منا هو، على التوالي، ليس شخصًا واحدًا بل عدة أشخاص. وهذه الشخصيات المتعاقبة التي تنبثق من بعضها البعض تميل إلى تقديم أكثر التناقضات غرابة ودهشة فيما بينها." هذا ما أسر يوسا: التناقضات المدهشة في شخصية كيسمنت، فهو مِثلي الجنس سرًا وركيزة من ركائز النظام (نال لقب فارس لكشفه الانتهاكات في الكونغو) ثم حاول تدمير ذلك النظام. المتمرّد الإيرلندي الذي حاول إيقاف التمرد الإيرلندي (لأنه اعتقد أن انتفاضة عيد الفصح الإيرلندية ستفشل دون دعم ألماني). رجل مات شهيدًا، لكنه لم يستطع أن يشارك رفاقه الثوار نضالهم نحو الشهادة. يقول يوسا عن كيسمنت: "أعتقد أنه لن يتم قبوله بشكل كامل أبدًا. سيكون هناك دومًا تردد في تقبّل هذا التعقيد، وهو تعقيد الطبيعة البشرية. نحن لسنا مثاليين، وهذا أمر لا يُحتمل في أبطالنا".
كيسمنت هو مادة مثالية لماريو فارغاس يوسا، ليس فقط بسبب أوجه الشبه العديدة بين الإيرلندي المُهمل والبَيروفي المُحتفى به. إنه مثل بطله. يوسا رجل مغامر يجوب العالم، يتحدث عدة لغات بطلاقة، ويقول الحقيقة في وجه السلطة في بلده، وكاتب لا يخشى انتقاد القادة السياسيين في الخارج. ومثل كيسمنت، الذي هو أيضاً كتلة من التناقضات. عادة ما تجده أنيقاً بشكل مبالغ فيه – مرتدياً سترة رسمية، بشعر مفروق بعناية وسحر سهل – ومع ذلك هو الرجل نفسه الذي وجه لكمة لماركيز، منافسه على لقب أعظم كاتب في أمريكا اللاتينية. يبدو صارماً ومهذباً في الحديث؛ ومع ذلك هو رجل كتب عن ماضيه الجنسي المضطرب وجعل منه مادة روائية، وكتب – في أسوأ الحالات – أعمالاً إيروتيكية مبتذلة. وهو مثل كيسمنت، اتجه إلى السياسة في منتصف العمر وكانت العواقب كارثية (لا يزال يتألم عندما يتذكّر ترشّحه للانتخابات الرئاسية في بيرو عام 1990)؛ لكنه وعلى العكس من كيسمنت، عاش ليرى خطأه.
يسأل كيسمنت نفسه في لحظة من الرواية " هل أصبحت متطرفاً؟". كيسمنت يظل غريباً حتى عن نفسه. لم يعرف أي بطل سابق ليوسا هذا المستوى من التعقيد – سواء كان طائفياً مهووساً، ديكتاتوراً موهوماً، مقاتلاً مِثلياً أو فناناً يوتوبياً –، ولا كان مبهماً ومحبوباً في الوقت نفسه. رغم عيوب رواية "حلم السلتي" (الحوار الثقيل، والتكرار، والوصف المسطح بدلاً من تجسيد اللحظات الحاسمة)، إلا أنها تمتلك أكثر أبطال يوسا جاذبية.
تأمل يوسا كثيراً في كيسمنت قائلاً: "كل الشهادات تصفه كشخص مهذّب، خجول، يحمرُّ وجههُ عند سماع كلمات نابية، لكن عندما تقرأ يومياته تكون الصدمة كبيرة – من فظاظة الكتابة، والبذاءات، فهل من الممكن أن تكون (اليوميات السوداء) مفبركة من الاستخبارات البريطانية لإفشال حملة العفو عنه؟ "الإنطباع السائد هو أنها حقيقية من حيث أنه كتبها، لكن لا يوجد إعتقاد من أنه عاش تلك التجارب التي وصفها." فهل كتب تلك اليوميات كنوع من الخيال وتركها ليعثر عليها سكوتلاند يارد؟ "، من المستحيل تماماً معرفة الحقيقة بشكل قاطع."إن هذا الغموض في شخصية كيسمنت هو ما جذب يوسا إليه أيضاً. يقول في خاتمة الرواية: "ليس سيئاً أن يبقى الغموض محيطاً بروجر كيسمنت كدليل على أن معرفة إنسان آخر بشكل نهائي أمر مستحيل، لأنه عادة ما يتفلّتْ الإنسان من الشباك النظرية والعقلانية التي تحاول الإمساك به."
إن إيمان فارغاس يوسا الدائم بما يكتبه عن شخصيات تاريخية حقيقية هو أنه يمكن للخيال أن يلتقط ما تعجز عنه الحقائق. وهو يقولُ ضاحكاً "لقد أخذتُ الكثير من الحريات". "في الأدب، لستَ مقيداً بالحقائق الواقعية. حيث يمكنكَ التلاعب بالواقع، يمكنكَ أن تخترعَ من دون أن تخون جوهر التاريخ. أعتقد أننا نحصل على صورةٍ أدق عما حدث في الحروب النابليونية في روسيا من تولستوي، أكثر مما نحصل عليه من المؤرخين."
عندما حصل فارغاس يوسا على جائزة نوبل للآداب عام 2010، أثنت الأكاديمية السويدية على "رسمه لخريطة هياكل السلطة وصوره النافذة لمقاومة الفرد وتمرده وهزيمته". هذا التقييم يمكن أن ينطبق على "حلم السلتي" كما ينطبق على روايته الملحمية "حرب نهاية العالم" (1984)، المبنية على أحداث حقيقية وقعت في ولاية باهيا البرازيلية أواخر القرن التاسع عشر، وتركزت على واعظ كاريزمي يدعى أنطونيو كونسيليرو، دعا أتباعه لبناء مدينة جديدة في تحدٍ لحكومة أرادت تدميره. لقد كان يوسا مفتوناً دائماً بشخصيات متطرفة لها خلاف مع المجتمع . في رواية "الطريق إلى الفردوس" (2003)، كان مأسوراً في شخصية الرسام بول غوغان، حيث يقول: "كان غوغان يعتقد أن الفن العظيم يحتاج إلى شعوب بربرية، وأن الحضارة الزائدة تقتل الفن… وقد تم اُكتشاف الفن الأسود بعد غوغان وبفضله. كان أول من فكر في التوجه نحو الثقافات البدائية لأن الإبداع يكمن هناك، لقد خصمت الحضارة العقلانية الروح الإبداعية بالكامل". ويتابع: "كان كيسمنت تقريباً مثل غوغان. كان يقول: 'هؤلاء الناس ليسوا بربريين. نحن من نرتكب جرائم بحقهم لأنهم فقراء وليسوا أقوياء مثلنا.' كانت هذه فكرة ثورية في ذلك الوقت."
تعرف يوسا على كيسمنت عن طريق قراءته لسيرة جوزيف كونراد، لا من خلال أي صلة بيروفية. "كان لدى كونراد فكرة ساذجة تقول أن الاستعمار يجلب الحداثة والمسيحية والتجارة إلى الشعوب الهمجية. لكن كيسمنت جعله يرى الأمور بشكل واقعي أكثر. لقد أصبحا صديقين مقربين. في إحدى الرسائل كتب كونراد لكيسمنت: لولاك لما كتبت روايتي (قلب الظلام)، عندها بدأت أتساءل: من هو كيسمنت؟ وبدأت أحقق في حياته."
وجد بعض النقاد أن رواية فارغاس يوسا مُثقلة بنتائج تحقيقه الذي استمر ثلاث سنوات، لكن عندما حقق أول نجاح أدبي له، لم يكن ذلك من خلال استلهام سِير الآخرين، بل من خلال استلهام سيرته الذاتية. ففي عام 1963، وكان عمره آنذاك 27 عامًا، فاز بجائزتي " بيبليوتيكا بريف" و"جائزة النقاد الإسبانية" عن روايته الأولى "المدينة والكلاب"، والتي تدور أحداثها بين طلاب إحدى المدارس العسكرية في بيرو، مستندًا إلى تجاربه في أكاديمية ليونثيو برادو العسكرية في ليما، حيث أرسله والده عندما كان في الرابعة عشرة من عمره. لقد كانت صورة المدرسة التي قدمها في الرواية شديدة الانتقاد لثقافة التسلّط والذكورية السائدة هناك، إلى درجة أن عدة جنرالات بيروفيين اتهموا الرواية بأنها نتاج "عقل منحرف"، وأن كاتبها تقاضى أموالًا من الإكوادور بهدف تقويض هيبة الجيش. وتم حرق ألف نسخة من الرواية في الأكاديمية.
بحلول ذلك الوقت، كان يوسا قد عمل بالفعل كمراسل جرائم، ودرس في ليما ومدريد، مُتخِذاً قرارًا مصيريًا بالتخلي عن الصحافة المدفوعة الأجر من أجل التفرغ الكامل للكتابة الروائية. قال في أحد اللقاءات: "قررت محاولة أن أكون كاتبًا، وأن أكرّس وقتي وجهدي للكتابة. كنت سأعيش من خلال أعمال هامشية. كان ذلك لحظة مهمة جدًا في حياتي". كان متزوجًا من قريبة له تكبره بعشر سنوات؛ فقد هرب عام 1955، عندما كان في التاسعة عشرة، مع جوليا أوركيدي، أخت زوجة خاله . وقد استلهم من زواجهما، الذي دام ثماني سنوات، مادّة روايته الأشهرعام 1977 (الخالة خوليا و كاتب السيناريو)، وهي رواية كوميدية عن طالب وكاتب طموح يقع في حب أخت زوجة خاله ويصادق كاتب مسلسلات بوليفي غريب الأطوار. وأهدى الرواية قائلًا: "إلى جوليا أوركيدي إيانيس، التي أدِينُ لها، أنا وهذه الرواية بالكثير". لاحقًا، قدّمت أوركيدي رواية مختلفة تمامًا عن علاقتهما في مذكراتها التي حملت عنوان(ما لم يقله فارجاس).
كتب ويليام بويد، الذي قام باقتباس الرواية للسينما: "لطالما احتفى فارغاس يوسا بالطاقة الجنسية والعاطفية بين الرجال والنساء – تلك الساعة التي تدق داخل معظمنا، سواء أدّت إلى نتائج ممتعة أو كارثية، أو كلاهما معًا." في رواية (في البيت الأخضر) عام 1966، التي تدور أحداثها في ماخورٍ في إحدى الغابات استوحاه من ماخور حقيقي اكتشفه عندما كان طالبًا عسكريًا، حيث وجد أن بيت الدعارة يُعد "مؤسسة مركزية في الحياة الأمريكية اللاتينية".
هاتان الروايتان كانتا غارقتان في إعجابه بالأساليب الأدبية وتقنيات سارتر، وفلوبير، وفوكنر. فهل يمكن ان نعده كاتبًا غير واقعيًا اجتماعيًا؟ لا، لأن الواقعية الاجتماعية تحاول أن تنافس علم الاجتماع والتاريخ. أن الأدب يجب أن يكون أكثر حرية من ذلك في وصف العالم الحقيقي والتجربة الواقعية. لا يمكننا إلغاء البُعد التخيّلي من العالم الواقعي، لأنه يلعب دورًا مهمًا في التاريخ، كما أن الأدب هو الوسيلة الأفضل للوصول إلى هذا البُعد التخيّلي الذي يُشكل جزءًا كبيرًا من ملامح الحقبة .
مع هذه الكتب، فضلاً عن حديث في الكاتدرائية (1969)، والكابتن بانتوخا والخدمة الخاصة (1973)، أصبح يوسا جزءًا من تلك الحركة الأدبية الفريدة في الستينيات وأوائل السبعينيات، والمعروفة باسم الطفرة الأدبية في أمريكا اللاتينية، وقد شملت هذه الحركة كتّابًا مثل غابرييل غارسيا ماركيز وكارلوس فوينتس، وخوليو كورتاثار – وكان القاسم المشترك بينهم هو التزامهم بتجريب أشكال جديدة في السرد، إلى جانب التزام سياسي نادر مقارنةً بأقرانهم في أوروبا أو الولايات المتحدة. لكن هذه الوحدة قد تكون مبالغًا فيها؛ ففي واقع الأمر، إذا كان ثمة قاسم مشترك بين أعضاء هذه الحركة المتنوعين، بمن فيهم كتاب كبار مثل نيرودا وبورخيس، فهو بالأحرى الازدهار الذي شهدته مبيعات كتبهم بفضل نشرها في أوروبا والولايات المتحدة خلال فترة الستينيات.
في عام 1990، سعى يوسا إلى التعبير عن التزامه السياسي من خلال وسيلة أخرى غير الأدب، حيث رشّح نفسه لرئاسة بيرو ضمن ائتلاف "الجبهة الديمقراطية" ذو التوجه اليميني الوسطي، داعيًا إلى إصلاحات نيوليبرالية. لكنه خسر الانتخابات لصالح ألبرتو فوجيموري، وهو بيروفي من أصول يابانية، استغل مخاوف الفقراء من تدابير التقشف التي اقترحها يوسا. وقد لجأ خصومه إلى قراءة مقاطع جنسية صريحة من رواياته على العلن، بغرض صدمة الناخبين ودفعهم للتصويت ضده. ولكن، من أين أتى هذا الانحراف لرجلٍ كان في شبابه من المعجبين بفيدل كاسترو؟ لقد رصد سلمان رشدي هذا التحول منذ عام 1984 في رواية" الحياة الحقيقية" لأليخاندرو مايْتا، واعتبرها "أول كتيّب يميني صريح" لفارغاس يوسا. غيرأن ميوله نحو اليمين بدأت في واقع الامر قبل ذلك بكثير؛ ففي عام 1971، تراجع عن حماسه السابق للثورة الكوبية، وسخر من ماركيز.
بعد هزيمته الانتخابية، لجأ يوسا إلى تضميد جراحه علنًا من خلال الكتابة. كانت رواية "موت في جبال الأنديز" (1993)، التي تدور أحداثها في بيرو خلال تمرد جماعة "الطريق المضيء" الماوية وحملات التصدي لها في الثمانينيات والتسعينيات، بمثابة صرخة إحباط نحو السكان الأصليين في بلده، الذين لم يصوّت كثير منهم لصالحه. وفي نفس العام، نشر مذكراته (سمكة في الماء،) والتي تضمنت على ما وصفه أحد النقاد بـ " أنين ملحمي" عن حملته الانتخابية الفاشلة. أما أكثر أعماله نضجًا فكانت حفلة التيس (2000)، وهي رواية عن ديكتاتورية رافائيل تروخيو في جمهورية الدومينيكان بين عامي 1930 و1961، حيث صوّر فيها عملية اغتيال الديكتاتور وما تلاها من آثار مروّعة. وقد رأى بعض النقاد تشابهًا بين تصويره لتروخيو وعدوّه السياسي فوجيموري، ذلك الزعيم السلطوي الذي استمد قوته من خداع شعبه.
لقد كتب أحد نُقاد الملحق الادبي لجريدة التايمز، عن الرواية قائلاً "ستظل الرواية الرمزية الكبرى لأمريكا اللاتينية في القرن العشرين، وتسلب هذا اللقب من رواية "مئة عام من العزلة"" لا بد أن فارغاس يوسا استمتع بتلك الكلمات (إن كان قد قرأها حقًا)، فمع أنه كتب أطروحة الدكتوراه عن غارثيا ماركيز، إلا أنه لكمه على وجهه في عام 1976 في مكسيكو سيتي لأسباب لم تُكشف أبدًا. من المحتمل أن الخلاف كان له علاقة بما فعله ماركيز مع زوجة يوسا الثانية (وابنة عمّه في الوقت نفسه)، باتريسيا، أم أولاده الثلاثة. ومهما كانت الأسباب، فإن الكاتبين العظيمين لم يتبادلا الكلام لاكثر من ثلاثة عقود.
وعندما سوْل يوسا إن كانت هناك مقاطع في روايته الجديدة تعكس عدم ملاءمته للسياسة. اجاب: "نعم، نعم تمامًا. لقد تعلمت من تجاربي السياسية أنني كاتب، ولست سياسيًا. جزء من الأسباب التي جعلتني أعيش هذه الحياة هو أنني أردت أن أحيا حياة مليئة بالمغامرات. لكن أفضل مغامراتي كانت أدبية أكثر منها سياسية."
هل ينصح الكاتب أن يخوض مغامرة الفوز بجائزة نوبل؟ يضحك يوسا ويقول: "جائزة نوبل أشبه بحكاية خرافية تدوم أسبوعًا وكابوس يدوم عامًا. لا يمكنك أن تتخيل الضغط لتقديم المقابلات، وحضور معارض الكتب. كانت السنة الأولى صعبة جدًا. بالكاد كنت أستطيع الكتابة."
ـــــــــــــــــــــــــــ
*عن موقع آيريش تايمز.