عن دار الفارابي في بيروت صدر للمناضل الراحل غسان الرفاعي في كانون الثاني ٢٠١٧، كتابه "ماركس.. عن الدولة" حيث يحتل العنوان موقعا مركزيا في إطار حملة التشويه والتحريف، ذلك لان للدولة دورا كبيرا على مسارات المجتمع وعلى جميع الصعد السياسية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية، حيث للناس مصالح وآراء مختلفة ومتضاربة حولها. وبالنظر لما يتمتع به المناضل اللبناني غسان الرفاعي من قدرة وإمكانية نتيجة تجربة طويلة في العمل السياسي في الحزب الشيوعي اللبناني؛ ويتمتع بقدرات فكرية ومعالجات يسارية، وله كتاب ( اليسار الحقيقي واليسار المغامر ) الذي يعد الأداة الأساسية في نضال الشيوعيين اللبنانيين، ويقدم كتابه هذا قراءة نقدية وتفصيل يحدد خلاله السبل الكفيلة لبلورة اهداف النضال الصحيحة والواقعية، وسبل واشكال هذا النضال عن طريق صياغة استراتيجية تستجيب حقا وفعلا لمتطلبات تطور مجتمعاتنا . وتنتهي مقدمة الكتاب بأهمية فتح باب النقاش الواسع، واشراك افراد وهيئات أكثر فأكثر في هذا الحوار، بغية تبديد التشويهات والتفسيرات الخاطئة التي تتعرض لها نظرية ماركس، مما يفسح المجال لبلورة رؤية سليمة لأوضاع بلداننا، وتحديد السبل الكفيلة لبلورة اهداف النضال الصحيحة والواقعية. البحث يقتصر على تناول موضوع الدولة الحديثة - البرجوازية على وجه التحديد- الدولة التي دعا اليها وبشر بها وسعى الى بنائها مفكرو عصر التنوير، وحددوا الأساسي من مواصفاتها التي تميزها من اشكال وأساليب الحكم والسلطة التي سبقتها، والهدف الذي يسعى اليه الكاتب غسان الرفاعي فتح باب النقاش الصريح مع جميع من ينسب نفسه لليسار بمن فيهم المجددون على اختلاف اجتهاداتهم، وتجنب الوقوع في شباك التضليل الأيديولوجي لمفكري رأسمالية العولمة الجدد.
يضم الفصل الأول/ نظرية الدولة، وفيه يبرز فيه لزوم التصدي للحملات المتجددة ضد الماركسية التي يقوم بها الممثلون الأيديولوجيون المباشرون لرأسمالية العولمة مثل فوكو ياما وهتنغتون لتشويه وتعطيل منهجية البحث، او لإظهار الماركسية بانها باتت متخلفة عن تفسير المستجدات التي أتت بها الرأسمالية في القرنين الماضيين، واما لمحاولة الإيحاء بانها كانت باطلة بالأساس منذ اليوم الأول لولادتها، وضمن هذا الاطار التاريخي الملموس، تأتي أفكار ماركس من حيث هي منظومة أفكار متكاملة مبنية على المادية الديالكتيكية التاريخية لكشف القانون العام الموضوعي لتطور المجتمع البشري عموما . فيما يوضح في الفصل الثاني نسبية ماركس، النسبية بين الفهم العدمي والفهم الديالكتيكي، اذ لابد من عرض وتوضيح الخطوط العامة لرؤية ماركس وانجلز عن تطور التاريخ، وطروحاتهما الرئيسية للعملية الاجتماعية – السياسية، تمهيدا وتسهيلا للوصول الى إدراك جوهر المفهوم الذي صاغاه حول الدولة، طبيعتها ودورها.
وفي الفصل الثالث/ يتحدث عن نقض الماركسية بالنفي او نقضها بالتجديد، وتميزها ببعض السمات والخصائص الجديدة، هذا الجديد نشأ حسب تقدير الكاتب تحت تأثير عاملين رئيسيين ومتكاملين فيما بينهما، وان كانا متناقضي الفعل والتأثير، يتمثل العامل الأول بدخول الرأسمالية مرحلة العولمة والثورة التكنلوجية التي تتطلب، بل انها تدفع وتقوي الميل، من جهة الى التوسع والاندماجات العضوية فيما بين اقتصادات بلدان مختلفة، مما يؤدي الى تسريع التوجهات بهذه الصورة نحو الهيمنة العالمية من قبل الاحتكارات العظمى، تفتح بها صيغة جديدة للتبعية في العلاقات الدولية، وتفرض من جهة ثانية ضرورة معالجة ازمة اقتصادية – مالية ذات طبيعة نوعية شاملة.
كما يستعرض في الكتاب/ آراء خصوم الماركسية، والعودة الى المثالية الفلسفية لنقض الماركسية، ويخلص الى فشل تلك المحاولات لدحض الماركسية كنظرية علمية عن طريق تجزئتها وضرب وحدتها البنيوية، القائمة على مقاربة التاريخ وقوانين تطوره من منطلق مادي ديالكتيكي، مع عدم التقليل من شأن الصراع الايدلوجي والسياسي الذي سيستمر ضد نظرية ماركس، وضد برامج وسياسات القوى السياسية والاجتماعية التي تتبنى نظرية ماركس. كذلك يتحدث الكتاب عن تجديد الماركسية، حيث ان قوة الماركسية كنظرية تكمن على وجه الضبط وبالأساس، في التزامها المبدئي الثابت بهذه المقاربة وبانسجامها معها عند صوغ الاستنتاجات، وبإخضاعها المستمر لهذه الاستنتاجات أي الممارسة، أي تعريض الاستنتاجات الفكرية (النظرية) بصورة دورية الى المقارنة مع المتغيرات المحتملة التي تحصل في الواقع الموضوعي الذي كان في أساس صياغتها الأولى، وتدقيق مدى انسجامها وتوافقها مع تلك المتغيرات. ويخلص الكتاب الى انه لا يمكننا ان نبلور استراتيجية نضالية لقوى اليسار والتي تساعد على بناء قوى اجتماعية تغييرية فاعلة، مع بقاء الالتباسات والتشوش على صعيد الوعي الاجتماعي السائد، جراء الفعل السلبي للحملة الايديولوجية ضد الماركسية عموما، وحول موقفها من موضوع الدولة بوجه خاص، ومع استمرار ضغط وسيادة وبقايا المكونات المتخلفة للأيديولوجيات الاقطاعية التقليدية على الوعي الشعبي، ونقطة الاختلاف، لكي نكون قادرين على التعامل مع المستجدات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ولدتها رأسمالية العولمة التي تحدد في الواقع المسارات العامة لتطور بلداننا وسائر البلدان النامية .
ان حقيقة اعادة النظرية الماركسية الى دائرة الضوء والفعل من قبل مفكري اليسار المعاصرين، كما طرحها ماركس وانجلز، تعني اتباع منهجية لفهم الواقع، بعيدا عن التشويهات المقصودة، او تلك الناتجة من التحريفات التي سببتها وطأة الإحباط جراء انهيار ( المثال النموذج ) عند البعض، وتلك مهمة ملحة وضرورية تقع على عاتق قوى اليسار المتنور لطرح قيم وأفكار تتطابق مع التجديد الذى يتجسد في ثنايا النظرية الماركسية، من منطلق ايديولوجي وسياسي معين، من اجل توضيح معنى الدولة التي نعيش في ظلها، في ضوء المتغيرات والتطورات التي حصلت وتحصل منذ قرنين.