ينشط المتمسكون بهوياتهم الجزئية هذه الأيام – رغم المخاض العسير الذي يمر به الوطن - من أجل الحصول على تشريع يعزز وجود هوياتهم تلك، على حساب هوية الوطن. منهم على سبيل المثال المنادون بلزوم إصدار تشريع (مدونة سنية للأحوال الشخصية ) أسوة بالمدونة الجعفرية، أو البعض الذي ينادي بتسريع تشريع قانون للعشائر يعزز مكانة العشيرة وقضائها الرديف في ثنايا المجتمع، رغم المنع الذي نص عليه الدستور للأعراف العشائرية التي تتنافى وحقوق الانسان ( المادة 45 منه ). فوجود تشريعات تتلون بلون المرجعيات الطائفية او العرفية او العشائرية في البلد الواحد، يعني التعددية القانونية التي تفضي قطعا إلى هدم هوية المواطنة، وتبطش بسيادة القانون.
وقبل الوقوف على الأثار الناجمة عن المنظومة التشريعية تلك، لابد من المرور على تجربة التعددية القانونية التي اعتمدها المحتل البريطاني في موروثه التشريعي، طيلة احتلاله للعراق وتمكنه من تعزيز الهويات الجزئية، للوصول إلى حالة الطوعية التي مكنته من الإمساك بمقدرات الشعب، وتعزيز سيطرته وتأخير المباشرة في البناء المؤسسي للدولة، ومن ذلك:
الأحوال الشخصية – من النصوص المبكرة التي سنها الاحتلال البريطاني بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الاولى، بيان المحاكم رقم (6) لسنة 1917، وفيه تأكيد وترسيخ للنظام الطائفي. ففي المادة 12 منه نص على استمرار المحاكم الشرعية السنية بالنظر في الاحوال الشخصية للمسلمين السنة، وعلى وفق أحكام المذهب الحنفي الذي كان ساريا ايام الدولة العثمانية. اما الجعفرية فلهم محاكمهم الخاصة غير المرتبطة بمحاكم السنة. وتختص المحاكم تلك بقضايا الزواج والطلاق والنفقة والحضانة والعدة والمواريث، وغير ذلك من مواضيع الاحوال الشخصية، فضلا عن محاكم أخرى للمواد الشخصية لغير المسلمين. وهكذا حرص المشرع البريطاني على حشر العراقيين في هوياتهم الطائفية، لأسباب تنسجم واهداف المحتل. لذا كانت لذلك البيان خاصية التشظي والتطبيقات المبكرة لمبدأ " فرق تسد".
دعاوى العشائر – لم تدر في خلد المحتل فكرة انشاء دولة بالمعايير السياسية السائدة حينها، لأن هدف المحتل كان إبقاء العراق على حال التخلف الذي كان عليها حينئذ. فأصدر نظام دعاوى العشائر لسنة 1918 الذي لم يكتف بتفعيل الأعراف والعادات العشائرية، بل وارتقى بها إلى مستوى القاعدة القانونية ومنحها قوة القانون الملزمة. فمخالفها ينال الجزاء، ومن ذلك مثلا (الفصلية)، وهي تقديم النساء بدلا من الدية والحشم تعويضا في قضايا القتل، حيث تزوج البنت من أسرة القاتل بأحد أبناء أسرة القتيل من دون مهر. كما ابقى النظام على دية اللص ولو اقترنت السرقة بالقتل، مع التفصيل في مؤازرة عشيرة اللص على فعلته والمساهمة في دفع الدية، فضلا عن عدم عدالته في الأمور المتعلقة بالمنازعات الزراعية وحيازة الأراضي.
لقد عزز هذا النظام إبقاء العراق في مرحلة ما قبل الدولة، والذي تعزز أكثر بصدور القانون الاساسي (دستور1925) بإشراف المحتل، الذي ابقى على جميع البيانات والأنظمة والقوانين التي أصدرها القائد العام للقوات البريطانية في العراق، والحاكم الملكي العام والمندوب السامي (المادة 114 منه).
قانون العقوبات البغدادي – أصدر الفريق الاول و. ر. مارشال القائد العام لجيوش الحملة البريطانية في العراق ”قانون العقوبات البغدادي" في 21 تشرين الثاني 1917. وورد في مذكرته الايضاحية: (يسري مفعول هذا القانون ويطبق، مع مراعاة مقتضيات الاحتلال العسكري للأقاليم التي يطبق فيها، ومراعاة قوانين وعادات الحرب). وبموجبه انشأت السلطات العسكرية البريطانية المحاكم المكلفة بتطبيق أحكامه.
ويعد هذا القانون وريثا لقانون العقوبات العثماني، بنطاق سريانه على ولاية بغداد والولايات الاخرى. وقد تضمن كتباَ عدة: الأول عن القواعد العامة، والثاني عن الجرائم العمومية، والثالث عن جرائم الأشخاص والاموال ، وتضمن الكتاب الرابع احكاما متفرقة.
وتأكيدا لرغبة المحتل في تمزيق الجسد العراقي تشريعياً، فانه لم يكتف بتوزيعها على الهويات الجزئية، بل أضاف إلى ذلك توزيعها مناطقيا. فقد نص في نظام العشائر على أن: (لا تطبق أحكام هذا النظام على الجرائم التي تقع ضمن حدود البلديات في مراكز الالوية والاقضية وكذلك مراكز النواحي..) ما يعني أن ما يطبق في الأرياف هو نظام العشائر حصرا، وأن لبغداد ومراكز المدن قانون العقوبات البغدادي، ترسيخا لمبدأ عدم المساواة امام القانون.
بيان الأراضي – بتاريخ 18 كانون الاول 1918 أصدر القائد العام لقوات الحملة العراقية بيانا يخص الأراضي، وكان البيان الأطول الذي صدر في تلك الفترة، وتناول تفاصيل كثيرة عن ملكية الأراضي وحيازتها والحقوق المترتبة عليها، واعتبر الحاكم السياسي البريطاني مرجعا لهذا التشريع. وكان القصد من هذا البيان هو تعزيز سلطة "الشيخ" كما يقول حنا بطاطو على حساب الفلاح، والسعي إلى النظام شبه الاقطاعي.
جاء هذا البيان تعزيزا للتعددية القانونية، أي مع وجود قوانين أخرى للموضوع ذاته، منها : قانون الأراضي العثماني الذي أقره المحتل، وقانون انتقال الأموال غير المنقولة الذي بقي ساري المفعول بموافقة المحتل. وبموجب البيان ارتبكت مرجعيات الأراضي بين الحاكم السياسي البريطاني وسلطات دوائر الطابو ووظيفة المحاكم المعنية بنظر المنازعات. ولم يكتف المحتل بهذا البيان المتعلق بالأراضي بل أردفه ببيان آخر يحمل الرقم 28 وثالث يحمل الرقم 42 ورابع يحمل الرقم 54. ووفقا لهذا الانتشار التشريعي للأراضي تعددت مرجعياته، ما حال دون تماسك الشعب ووحدته.
النتائج – أدت التعددية القانونية للمحتل البريطاني إلى نتائج سلبية عدة: أولا - هشاشة النظام بسبب تشظي التشريعات الموزعة على الهويات الجزئية وتغليبها على النصوص المؤسسة، ما حال دون تأسيس دولة ذات سيادة، وبقي الحال على مكونات يحكمها موروثها حسب. ثانيا – أدى تنازع القوانين باختلاف مرجعياتها إلى صدور احكام قضائية مختلفة ومتناقضة، حيث أن لكل محكمة قانونها. وانعكست تلك الاحكام سلبا على حقوق الناس بسبب تشظي المرجعية القضائية. ثالثا - غياب المساواة أمام القانون، فما يعتبر حقا في هذا القانون يعد فعلا غير مشروع في القانون الآخر. وعدم المساواة هذا مقرون طبعا بالتعددية القانونية. رابعا - اهتزت معايير المساءلة والعدالة بالنظر لاختلاف المرجعيات الناظمة لهما. فما لا يعد في هذا القانون فعلا مباحا، يكون في القانون الآخر فعلا يوجب المساءلة. خامسا - أدت التعددية القانونية إلى انكفاء المكونات على نفسها بفعل التشظي التشريعي، وأفضت إلى انقسامات حادة ومتخاصمة، وأصبح الشعب الواحد حلما بعيد المنال. سادسا – انعكس الارتقاء بالعادات والعقائد إلى مستوى القاعدة القانونية سلبا على الخاصرة الرخوة في المجتمع، وهي خصوصا المرأة والطفل.
وعلى هذا كله فان المطالبة بشرعنة الهويات الجزئية، ليست سوى إحياء للموروث التشريعي للمحتل البريطاني سيء الصيت.