اخر الاخبار

في كل العصور وعبر السنوات الطوال ومن خلال ألوان العطاءات وعلى شتى الأصعدة يبرز مبدعون لديهم من المزيات والأعمال ما يجعلهم في مقدمة الصفوف وعلى قمة الإبداع الثقافي والفني والسياسي، الشهيد حسين أحمد الرضي (سلام عادل) من هؤلاء المبدعين، فلم يكن سياسياً ومثقفاً عادياً بل كان من نوع مختلف عن السائد، ولم يكن وحيدا في تميزه لأنه كان ينتمي إلى الصفوة، التي لا تعرف الخوف طريقاً إلى عقولهم و قلوبهم وإلى مصادر الحياة العامرة في شرايينهم، فمنذ فتوته وشبابه المبكر دخل عالم السياسة فكراً ونضالاً وشارك فيهما بفعالية ملحوظة منذ التحول الاجتماعي والازدهار الثقافي الكبير، الذي حدث في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي وانتمى إلى الفكر الماركسي العلمي والثقافة التقدمية والديمقراطية الحرة المغايرة، فسبح في وجه التيار، وغرد خارج السرب، وعرفته السجون والمعتقلات، مناضلاً مدافعاً عن الحرية والسلم والتقدم والعدالة الاجتماعية، وإعلاء كلمة الإنسان في الفكر والعمل. كان سلام عادل شجاعاً في اختياره الفكر الذي يمثل المستقبل، وكان شجاعاً أيضاً في اختياره أنواع العمل السياسي والمعاناة مع الصفوف المكتظة بالناس الطيبين من شعبه، وهو يحمل راية الحرية والتقدم والسعادة للعراق وشعبه الطيب الأبي. عاش سلام عادل وبعمق مع متغيرات العصر وتفاعل معها تفاعل حياة ووعي، وكان ذا شخصية فكرية وثقافية مرموقة، لِمَ لا وهو وريث القيم النبيلة والأخلاق والشجاعة، قاتل بضراوة من أجل انتصار الطبقة العاملة والفلاحين والفقراء وكل الكادحين الذين يعانون الظلم والجوع والفزع المستمر والسياط وكل أنواع التعذيب. كان سلام عادل يتنفس الإنسان بكل كيانه فلا يترك منفذاً إلا مزجه باعتراضه الدائم على الذين دخلوا السياسة من شبابيك اللصوص، كان مفرطاً في إنسانيته يقول ذلك من عاشره وكشف عن خصائص الإنسان الحقيقي لأنه كان يسعى باستمرار لصياغة آمال جميلة لمستقبل العراق. يعلمنا سلام عادل من خلال مسيرته كمناضل صلب كيف يكون الإنسان متبصراً يعطي لنفسه من الذكر والفخر، وتذهلنا الجرأة التي كان يملكها والشجاعة التي رافقته والإقدام الذي كان يتحلى به، فها نحن بعد ثلاث وستين سنة من استشهاده نحتفي به وننظر إلى صورته وصور رفاقه، تلك الصور التي تؤكد لنا كل يوم أن لا حياة لوطن ليس فيه رفاق فهد، ولا مستقبل لبلاد ينسى أبناؤها رجلاً وقف وحيداً وبكل جرأة ليبصق في وجوه جلاديه. إنها مأثرة سلام عادل الحقيقية وإرثه النضالي الذي علينا جميعا أن نتمسك به ضد الاستبداد والانتهازية السياسية والطائفية، والأهم ضد إعادة شبح الدكتاتورية.

 قال الخالد فهد في بداية ثلاثينيات القرن الماضي في بيان بتوقيع عامل شيوعي: (لقد كنت وطنياً وعندما أصبحت شيوعياً صرت أشعر بمسؤولية أكبر تجاه وطني)، وجسدها الشهيد سلام عادل وسار عليها من خلال حبه للناس وولعه بحب الوطن. فالناس والوطن عنده متساويان وأحبهما وعشقهما وحرص عليهما وبذل حياته من أجلهما. علمنا الشهيد سلام عادل درساً في المواطنة التي كرست انتماءنا للعراق فالحديث عنه يعني الحديث عن كفاح الحزب الشيوعي العراقي وإذا تحدثنا عن كفاح الحزب الشيوعي العراقي معناه أننا نتكلم عن كفاح الشعب العراقي، من أجل التحرر والاستقلال.

محطات من حياة سلام عادل

- ولد حسين أحمد الرضي في مدينة النجف سنة ١٩٢٢ ، أكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة، ثم التحق بدار المعلمين الابتدائية في بغداد سنة ١٩٤٠ ، وفي أثناء دراسته في الدار انضم إلى الحزب الشيوعي العراقي.

 - عين معلماً في مدرسة ابتدائية في الديوانية، واختار اسماً حركيا هو (مختار)، ولنشاطه السياسي أبعدته السلطة عن الوظيفة، فعمل خطاطاً في مدينته النجف.

  - انتقل إلى بغداد واستقر فيها، إلا أنه اعتقل في التاسع عشر من كانون الثاني سنة ١٩٤٩، إثر مشاركته في مظاهرة نظمها الحزب الشيوعي، وأفرج عنه سنة ١٩٥١، فعاد إلى نشاطه الحزبي السري وعهدت إليه قيادة الحزب مسؤولية المنظمات في الجنوب.

 - بعد إعدام قائد الحركة الشيوعية يوسف سلمان (فهد) في الرابع عشر من شباط سنة ١٩٤٩، تألفت لجنة مركزية يقودها حميد عثمان، ومن ثم لجنة بقيادة زكي وطبان فتعرضت للاعتقال، ألف بعدها بهاء الدين نوري لجنة جديدة في أيلول سنة ١٩٤٩، اعتقلت أيضاً في نيسان سنة ١٩٥٣.

- بعد اعتقال بهاء الدين نوري سكرتير اللجنة المركزية للحزب تألفت قيادة جديدة للحزب يرأسها كريم أحمد وقد رشح سلام عادل عضواً فيها مسؤولاً للفرات الأوسط.

- في ١٦ حزيران سنة ١٩٥٤ هرب حميد عثمان من سجن الكوت، فتسلم قيادة الحزب وألف لجنة مركزية جديدة استبعد فيها سلام عادل لخلافه معه، وكان حميد عثمان قد عرف بتصعيد المواجهة مع السلطة على الرغم من العواقب الوخيمة التي قد يجر إليها- الحزب.

- في حزيران سنة 1955 عقدت اللجنة المركزية للحزب اجتماعاً وقررت تنحية حميد عثمان واختير سلام عادل لتولي منصب سكرتير اللجنة المركزية، وقد استطاع بناء الحزب من جديد ووحد صفوفه بعد عدد من الانشقاقات التي طالته، بسبب بعض مواقف القيادات التي تلت إعدام الرفيق يوسف سلمان (فهد)، ففاوض الكتل المنشقة عن الحزب وأعاد دمجها فيه، مثل راية الشغيلة ووحدة الشيوعيين، وقام بتغيير اسم جريدة الحزب المركزية السرية من (القاعدة) إلى (اتحاد الشعب) لتلائم التطور الجديد في مسيرة الحزب.

- كانت له صلة بحركة الضباط الأحرار، وهو من القلائل الذين عرفوا ساعة اندلاع الثورة، فجهد كثيراً لدعمها ووجه أعضاء الحزب ومؤيديه للخروج تأييداً لها والدفاع عنها، وقد عاد الحزب الشيوعي العراقي بعد اندلاع الثورة بقوة إلى ساحة العمل السياسي، وانخرطت في صفوفه أعداد كبيرة من مختلف شرائح الشعب العراقي وأصبح القوة السياسية الأولى في تأثيرها في الشارع السياسي والنقابي. وقد أصدر جريدته (اتحاد الشعب) بشكل علني، وكان له حضور واضح في الدفاع عن الثورة ومسيرتها في سنتها الأولى، وطالما أعرب سلام عادل لزعيم الثورة عبد الكريم قاسم عن رغبة حزبه بالمشاركة في الحكم.

 - تأزمت العلاقة مع السلطة سنة ١٩٦٠م، بعد صدور قانون الأحزاب، ولم تجز السلطة طلب العمل العلني للحزب الشيوعي العراقي، بل أجازت جماعة منشقة حملت إثم الحزب، وفي خضم تلك التطورات برزت في قيادة الحزب مجموعة معارضة لقيادة سلام عادل.

- وعندما وقع انقلاب ۸ شباط ١٩٦٣م الدموي، تولى توجيه المقاومة المسلحة ضد الانقلابيين الذين قاموا بمجازر بشرية يندى لها جبين التاريخ والإنسانية، وقامت قطعان الحرس القومي بمساعدة القطعات العسكرية بحملات قتل واعتقال للآلاف من أعضاء الحزب وأنصاره، ولم ينج إلا من لاذ بالاختفاء والهجرة، وقد حاول سلام عادل الاتصال بفروع الحزب في الألوية لإعادة ربطها، إلا أن اعتقاله في 19 شباط في وكر حزبي في منطقة الكرادة الشرقية أنهى كل شيء، وقد تعرض لتعذيب شديد تم الإجهاز عليه وإعدامه في مشهد دموي رهيب.

- وفي يوم السابع من آذار سنة ١٩٦٣م أصدرت قيادة الانقلاب الأسود بياناً بتنفيذ حكم الإعدام بسلام عادل مع إثنين من رفاقه في قيادة الحزب الشيوعي العراقي.

ورقتي البحثية عن الشهيد سلام عادل تتألف من محورين:  

فكر سلام عادل الصيرورة والتكوين

لقد كانت أغلب دعوات التغيير التي هبت رياحها على العراق تهدف إلى تنوير المجتمع وتقدمه من خلال مقاومة الظلم والجهل ونبذ العادات والتقاليد البالية التي كانت تسود المجتمع العراقي آنذاك، إذ أخذت هذه الدعوات حيزاً واسعاً من تفكير النخبة التي تبنت المفاهيم الجديدة، هذه الأفكار والتصورات كانت تعكس مفاهيم اشتراكية تقدمية تعود بنا إلى البواكير الأولى لتغلغل الفكر الاشتراكي، ودور الرواد الأوائل في نشره بين أوساط المجتمع العراقي. يقول الدكتور فيصل السامر (١٩٢٢ – ١٩٨٢): (من الذي يصنع التاريخ؟ هذا سؤال عتيد أثار كثيراً من الخصومات والرد بين المشتغلين في البحث التاريخي منذ القرن الثامن عشر، ومنشأ الخلاف أن فريقاً من المؤرخين قالوا إن السبب الأوحد في أية حركة تاريخية هو الفرد وأنكروا بذلك أي سبب آخر، على حين رد فريق ثانٍ بأن الاتجاه التاريخي تحدده الأسباب العامة. أما اليوم وبعد أن تحول التاريخ من مجرد قصص تسرد على سبيل الإمتاع والتسلية إلى علم ذي قوانين وأصول عامة، وبعد أن أخذ كل مجتمع نصيبه من العلم والتقدم فإن جميع المؤرخين العلميين على مختلف مدارسهم ومنازعهم أجمعوا على أن دور "الرجل العظيم" أمر لا ينكره أحد في التأثير على سير الأحداث وتوجيهها. لكن "الرجل العظيم" لا ينبثق من العدم.

انتمى سلام عادل إلى الحزب الشيوعي العراقي وتدرج في صفوفه في واحدة من الفترات النضالية المعقدة والحالكة بالنسبة للشعب والحزب الشيوعي إذ واجه الحزب أوضاعاً سياسية وتنظيمية وفكرية غاية في الصعوبة والإرباك، خصوصاً بعد إعدام قادته الأبطال فهد وحازم وصارم، وتلقى الحزب، في ظروف إعلان الأحكام العرفية وبحجة حماية مؤخرة الجيش المتوجه للحرب في فلسطين، ضربات بوليسية موجعة كانت في كل مرة تطال قياداته وكوادره وشبكة واسعة من تنظيماته. وقاد هذا الواقع فيما قاد إلى تصدع وحدة الحزب وانشقاق مجموعة من قادته وكوادره وتشكيلهم منظمة "راية الشغيلة" وإلى الإخفاق في الوصول إلى اتفاقات وتفاهمات سياسية مشتركة مع القوى الوطنية الأخرى. كما قادت بعض السياسات غير الواقعية إلى التفريط بكادر الحزب وأعضائه من خلال زجهم في فعاليات مكشوفة يصفها الباحث والمؤرخ حنا بطاطو (١٩٢٦ - ٢٠٠) بـ "الانتحارية". ورغم كل ذلك حققت منظمات الحزب الباسلة وكادره ومناضلوه بما تحلوا به من شجاعة نادرة وتفان قل نظيره، انتصارات وإنجازات باهرة، سجلت في أنصع صفحات النضال الوطني الديمقراطي، وفي مقدمة تلك الإنجازات كانت وثبة تشرين الثاني سنة ١٩٥٢م والإضرابات العمالية والنقابية العديدة والانتفاضات الفلاحية وظهور منظمات عديدة للطلبة والشباب والنساء والمثقفين والفلاحين وغيرها من المنظمات والجمعيات التي كان للحزب الشيوعي دور ريادي في تشجيع إنشائها ودعمها). (- سلام عادل... سيرة مناضل: ثمينة ناجي يوسف، نزار خالد).

رؤيته للنضال والحزب

أصدرت مجموعة من الشيوعيين العراقيين كراساً عنوانه (سلام عادل) جاء فيه: (عبر الأهوال والصعاب، قاد سلام عادل سفينة الحزب إلى الأمام. وفي قلب الإعصار الأسود وقف شامخاً يذود عن حرية الكادحين، عن خبز الجياع، عن كرامة الحزب وأفكار الشيوعية العلمية الظافرة. لم يرد لراية الحزب أن تهوى تحت أقدام البرابرة الفاشست، غرزها في قلبه الجسور، لتبقى شامخة راية فهد وحازم وصارم، راية الحزب الشيوعي العراقي المقدام، رجل من صميم الشعب عاش تجربة الجماهير المحرومة، وفي قلبه المفعم بالإيمان والبسالة حمل هموم الملايين، معه عملنا، ومنه تعلمنا كيف تصنع الحياة وكيف توهب من أجل الوطن لخير الشعب لسعادة الكادحين، عاش سلام عادل من أجل الحرية، في سبيل الديمقراطية، من أجل المثل العليا للشيوعية. استشهد سلام عادل، للناس ومن أجل الناس/ للحياة والسعادة والسلام على الأرض. عاش ومات سلام عادل رمزاً خالداً للبطولة وللبسالة والفداء، مشعلاً وهاجاً على درب الحرية والانتصار). يعرض تقرير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي المقدم إلى الكونفرنس الثاني المنعقد في شهر أيلول سنة ١٩٥٦م بأن: (حزبنا استطاع رغم الانتكاسات والمحن التي تعرض لها في السنوات الأخيرة أن يفرض وجوده كأقوى تنظيم سياسي في البلاد)، وكانت قيادة الحزب في تقريرها هذا قد عالجت أداءها في تطبيق قرارات تموز المتخذة من اللجنة المركزية بشكل دقيق وملموس، إذ كان للمناضل سلام عادل دور في تقوية البناء الحزبي وللخطة التي التزمها الحزب في تقويم حياته الداخلية، وإصلاح أخطائه السياسية والفكرية،

- (فقد اتخذت جملة من التدابير لضمان الحقوق الحزبية للأعضاء، وتطبيق المشروعية الثورية في الحزب بمقدار ما تسمح بذلك الظروف الصحية التي يمر بها، كما أعيد تنظيم الهيئات القيادية الحزبية على أساس التطبيق الواعي للنظام الداخلي للحزب، وأجريت تصحيحات فكرية وتطبيقية ملموسة فيما يتعلق بتطوير النظرة إلى القوى الوطنية وضمان السلوك السياسي الصحيح إزاءها، وشن الحرب كفاحاً متواصلاً ضد القيادة الفردية من أجل توسيع تطبيق المبادئ الجماعية، وضد سياسة التفريط والغرور، ونبذ جملة من الأساليب البيروقراطية في السياسة والتنظيم).

(تقرير اللجنة المركزية المقدم إلى الكونفرنس الثاني/ ١٩٥٦).

وكان لتقوية المنظمات الديمقراطية في المدن والريف قد أخذ من تفكير سلام عادل كثيراً: (فعلى الصعيد الجماهيري وجه الحزب اهتمامه شطر الفلاحين والعمال و جمهور الكادحين، ولم يحصل في تاريخ الحزب من قبل، أن كان للحزب قواعد وطيدة وواسعة في الريف مثل ما هو عليه الآن، كما أن بناء القواعد الحزبية في المعامل وأماكن تركز الطبقة العاملة هو في مركز اهتمام وتوجه منظمات الحزب)، هذه الرؤية النضالية للحزب الشيوعي العراقي كان يتصف بها الشهيد سلام عادل إذ: (انتعش العمل في المنظمات الجماهيرية، وتشكلت لجنة العمل الديمقراطي التي كان مسؤولها يتصل مباشرة، بسلام عادل، وتقوم بقيادة رابطة الدفاع عن حقوق المرأة واتحاد الشبيبة الديمقراطي واتحاد الطلبة العام وأصبحت هذه المنظمات أكثر جماهيرية من خلال كسب الجماهير النسائية والطلابية والشبابية، نشاطات وأساليب أكثر شفافية تقرن العمل السري بالعلني، مستخدمة النشر العلني لأهدافها الوطنية والاجتماعية، كما انتعشت حركة السلام وجذبت إليها أوساطاً أوسع من مختلف القوميات والآراء والمعتقدات. أخذت هذه المنظمات وحركة السلم تتابع حضور فعاليات المنظمات العالمية وتحتك بشعوب العالم تتعلم منها تجربتها في النضال وتنقل لها التجربة الوطنية العراقية في هذه الميادين).

• هذه النقاط الثلاث كانت تحمل رؤية واضحة نقلها الشهيد سلام عادل وعمل بها مع رفاقه في الحزب.