اخر الاخبار

بغداد – طريق الشعب

يتسع حضور الاقتصاد غير الرسمي في العراق، ليشمل شريحة واسعة من أصحاب المهن والعمال والأنشطة التجارية التي تعمل خارج الأطر القانونية والتنظيمية، في ظل ارتفاع معدلات البطالة، وتعقيد إجراءات التسجيل، وارتفاع كلف الانتقال إلى الاقتصاد الرسمي. وبينما يوفر هذا القطاع فرص عمل لآلاف الأسر، فإنه يحرم العاملين من جانب مهم من الحماية الاجتماعية والقانونية، ويضع الشركات والمشروعات المسجلة أمام منافسة غير متكافئة، فيما يتخذ اقتصاد الظل أشكالاً أكثر تعقيدا، ترتبط بالتهرب الضريبي وغسل الأموال والاقتصاد الموازي.

 عمالة غير مسجلة تتسع

يقول محمد عمار، مسؤول قسم التوظيف في إحدى شركات القطاع الخاص، إن انتشار العمل غير المسجل يرتبط، إلى حد كبير، بكلف وإجراءات التوظيف الرسمي، فضلا عن طبيعة بعض الأعمال التي تعتمد على العمالة المؤقتة أو اليومية، مبيناً أن بعض أصحاب الاعمال يفضلون تشغيل العمال خارج الإطار الرسمي لتقليل الالتزامات المالية والإدارية.

وأضاف عمار لـ"طريق الشعب"، أن تسجيل العامل بشكل رسمي لا يمثل عبئاً على الشركة فقط، وإنما يوفر في المقابل استقراراً أكبر للعامل ويحفظ حقوقه، إلا أن ارتفاع الكلف والإجراءات قد يدفع بعض الشركات الصغيرة إلى الاستمرار في تشغيل العمال بصورة غير رسمية.

وأوضح أن العمالة غير المسجلة تؤثر أيضاً في المنافسة داخل سوق العمل، إذ تتحمل الشركات الملتزمة بالتسجيل والضمان الاجتماعي كلفا، لا يتحملها أصحاب الأعمال الذين يعتمدون على العمالة غير الرسمية، ما يخلق تفاوتاً بين الشركات، ويشجع أحياناً على استمرار النشاط خارج الاقتصاد الرسمي.

وأشار إلى أن تقليل حجم اقتصاد الظل يتطلب جعل التوظيف الرسمي أكثر سهولة وأقل كلفة، مع توفير حوافز للشركات والعاملين للانتقال إلى القطاع المنظم، مؤكداً أن معالجة المشكلة بالعقوبات وحدها لن تكون كافية ما لم ترافقها إجراءات مبسطة وحماية اجتماعية واضحة للعاملين.

 الاقتصاد الموازي

فيما يقول الباحث الاقتصادي أحمد عيد، إن "توسع اقتصاد الظل في العراق لا يرتبط فقط بالمهن غير المسجلة أو بمحاولة بعض أصحاب الأعمال التهرب من الالتزامات القانونية، بل يعكس أيضاً تعقيد إجراءات التسجيل والضرائب، وضعف الحوافز للانتقال إلى الاقتصاد الرسمي، بالتوازي مع وجود اقتصاد موازٍ أكثر خطورة، يرتبط بالفساد والنفوذ السياسي والمكاتب الاقتصادية وشركات الواجهة".

ويضيف عيد لـ"طريق الشعب"، أن "الخطورة تكمن في استخدام بعض هذه القنوات لإخفاء مصادر الأموال وغسل عائدات الفساد وتمويل جهات وتيارات سياسية وأنشطتها وحملاتها، بعيداً عن الرقابة المالية والضريبية، ما يؤدي إلى خسارة الدولة جزءاً من إيراداتها، وتشويه المنافسة، وإضعاف القطاع الخاص الحقيقي، وتهريب رؤوس الأموال بدلاً من توجيهها نحو الاستثمار والإنتاج".

ويتابع أن "ما تكشفه عمليات ضبط واسترداد أموال وعقارات مرتبطة بقضايا فساد وغسل أموال خلال الفترة الأخيرة، يؤكد أن المشكلة لا تختزل في قضية واحدة أو بما عُرف بصفقة القرن؛ فالمشهد الاقتصادي العراقي شهد خلال السنوات الماضية ملفات وصفقات وشبكات متعددة تستوجب التحقيق في حجم الأموال المتداولة، ومسارات انتقالها، والمستفيدين منها".

ويؤكد عيد أن "معالجة الظاهرة لا تكون بملاحقة أصحاب المهن الصغيرة وحدهم، بل بتسهيل انتقالهم إلى الاقتصاد الرسمي، بالتوازي مع تفكيك شبكات الاقتصاد الموازي، وتشديد الرقابة على مصادر الأموال والشركات والمكاتب الاقتصادية والتمويل السياسي، وربط قواعد البيانات المصرفية والضريبية والعقارية والكمركية بما يسمح بتتبع الثروات ومقارنتها بالدخول الحقيقية".

 مهن خارج التنظيم

وفي السياق، يذكر الباحث الاقتصادي عبدالله نجم، أن ظاهرة المهن غير المسجلة في العراق لم تعد حالة محدودة، وإنما أصبحت جزءا واضحا من سوق العمل، نتيجة مجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية، في مقدمتها ارتفاع معدلات البطالة، وتراجع فرص العمل في القطاع الرسمي، وحاجة الكثير من الأسر إلى إيجاد مصادر دخل بديلة.

يقول نجم لـ"طريق الشعب"، ان أصحاب المهن الصغيرة كأصحاب الورش والمحلات والأعمال اليومية، غالباً ما يتجهون إلى العمل خارج الإطار الرسمي، بسبب ارتفاع الكلف أو تعقيد بعض الإجراءات، فضلاً عن اعتقادهم بأن التسجيل سيضيف عليهم التزامات مالية وإدارية من دون أن يحصلوا بالمقابل على فوائد واضحة.

ويضيف نجم أن المشكلة لا تتعلق بصاحب المهنة وحده، فاقتصاد الظل ينعكس على مجمل الاقتصاد العراقي، لأنه يتضمن أنشطة اقتصادية حقيقية، لكنها لا تدخل بصورة كاملة ضمن المنظومة الرسمية، الأمر الذي يحد من قدرة الدولة على معرفة حجم النشاط الاقتصادي الفعلي والتخطيط لسوق العمل بصورة دقيقة.

ويشير إلى أن العامل غير المسجل يكون أكثر عرضة لفقدان مصدر دخله من دون وجود حماية اجتماعية أو ضمانات قانونية كافية، في حين يجد صاحب المهنة المسجل نفسه أمام التزامات ورسوم وكلف تشغيلية لا يتحملها منافسه غير المسجل، وهو ما يؤدي إلى منافسة غير متوازنة داخل السوق.

ويعتقد أن استمرار هذا الوضع يعني بقاء أعداد كبيرة من العاملين خارج مظلة الحماية الاجتماعية، الأمر الذي يجعلهم أكثر هشاشة أمام الأزمات الاقتصادية والمرض وفقدان العمل والتقاعد. كما أن بقاء النشاط الاقتصادي خارج الإطار الرسمي يحرم الدولة من جزء من المعلومات والموارد التي يمكن توظيفها في تطوير الخدمات، ودعم سوق العمل، لذلك فإن معالجة الظاهرة يجب أن تكون جزءاً من سياسة اقتصادية شاملة، وليس مجرد حملة لتسجيل أصحاب المهن.

 حوافز التسجيل

ويبين نجم أن الانتقال من الاقتصاد غير الرسمي إلى الرسمي يحتاج إلى حوافز حقيقية، تبدأ بتبسيط إجراءات التسجيل وتقليل الرسوم والكلف، وتوفير أنظمة تسجيل مرنة تتناسب مع طبيعة المشاريع الصغيرة، إلى جانب توسيع مظلة الضمان والحماية الاجتماعية.

ويؤكد أن صاحب المهنة لن يجد دافعاً كافياً للتسجيل إذا كان ينظر إلى العملية باعتبارها مجرد التزام ضريبي أو مالي، لذلك يجب أن يشعر بأن التسجيل سيمنحه بالمقابل حماية قانونية، وضمانا اجتماعيا، وفرصا أفضل للحصول على التمويل والخدمات الحكومية.

ويتابع أن مواجهة اقتصاد الظل لا ينبغي أن تقوم على العقوبات فقط، لأن الضغط من دون توفير بدائل قد يدفع بعض أصحاب المهن إلى إغلاق أعمالهم أو الانتقال إلى نشاط أكثر خفاءً. والأفضل، بحسب نجم، هو اعتماد سياسة تدريجية تجمع بين التنظيم والحوافز، بحيث يصبح الانتقال إلى الاقتصاد الرسمي خياراً أكثر فائدة وأماناً لصاحب المهنة، وفي الوقت نفسه يحقق للدولة سوق عمل أكثر تنظيماً وعدالة واستقرارا.