تبلغ نسبة بطالة النساء في العراق 28.2 في المائة، فيما تصل بين الشابات إلى نحو 53 في المائة، وفق تقارير رسمية وإحصاءات وزارة التخطيط، في مؤشر يكشف حجم الفجوة التي تواجهها النساء في الوصول إلى سوق العمل. ولا تقف المشكلة عند غياب فرص التوظيف، بل تمتد إلى ضعف مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي، وما يرافق ذلك من تبعات معيشية واجتماعية ونفسية يومية.
وفي هذا السياق، كشف مستشار صندوق الأمم المتحدة للسكان، مهدي العلاق، في تصريح اطلعت عليه "طريق الشعب"، أن نسبة النشاط الاقتصادي للإناث في العراق لا تتجاوز 13 في المائة، محذرًا من أن استمرار هذا الواقع يحرم الاقتصاد العراقي من الاستفادة من شريحة واسعة من الطاقات البشرية. وقال العلاق إن تحسين رأس المال البشري يتطلب التركيز على تنمية المهارات والمعارف، وعدم الاكتفاء بالتعليم الأكاديمي، مشيرًا إلى أن فرص العمل الحقيقية ترتبط بامتلاك المهارات التي يحتاج إليها سوق العمل.
وبيّن أن من أبرز توصيات صندوق الأمم المتحدة للسكان للحكومات تعزيز برامج التدريب والتأهيل ورفع مستويات المعرفة، بما يسهم في زيادة فرص التوظيف وتحسين الإنتاجية. وأشار إلى أن رفع نسبة مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي يمثل أولوية، موضحًا أن اقتصار هذه النسبة على 13 في المائة يعني تعطيل جزء كبير من القدرات البشرية القادرة على الإسهام في سوق العمل.
شهادة تبحث عن فرصة
وراء هذه النسب والأرقام تقف نساء يعشن يوميًا تفاصيل البطالة، من البحث المتواصل عن وظيفة إلى مواجهة ضغوط الأسرة والمجتمع والحاجة إلى دخل مستقل. تقول سارة محمد، خريجة جامعية، لـ "طريق الشعب": "أرسلت عشرات طلبات التوظيف وراجعت شركات ومؤسسات كثيرة، لكن في كل مرة أعود إلى المنزل من دون نتيجة. أشعر أحيانًا أن سنوات الدراسة ذهبت سدى، لأنني لا أجد فرصة أستطيع من خلالها إثبات نفسي". وتضيف: " البطالة ليست فقط عدم وجود راتب، وإنما انتظار طويل وقلق مستمر. أحيانًا أشعر أنني أصبحت عبئًا على عائلتي، رغم أنني قادرة على العمل وتحمل المسؤولية".
أما نغم علي، وهي أم لطفلين، فتقول لـ "طريق الشعب"، إن فقدانها العمل جعلها تواجه صعوبة أكبر في تلبية احتياجات أسرتها، "كنت أعمل وأساهم في مصاريف البيت، لكن بعد فقدان الوظيفة أصبحت المسؤوليات المالية أكبر. أبحث باستمرار عن عمل، لكن أغلب الفرص إما بأجور قليلة جدًا أو تتطلب ساعات عمل طويلة لا تتناسب مع مسؤولياتي الأسرية".
ولا تنتهي المشكلة عند ندرة فرص العمل، فالنساء اللواتي يجدن طريقهن إلى القطاع الخاص يواجهن، في أحيان كثيرة، أجورًا منخفضة، وغياب الاستقرار الوظيفي، وعدم شمولهن بالضمان الاجتماعي، فضلًا عن صعوبة التوفيق بين العمل والمسؤوليات المنزلية.
وتشير هذه الوقائع إلى أن معالجة بطالة النساء لا يمكن أن تقتصر على إعلان برامج تدريبية أو توفير فرص محدودة، بل تتطلب سياسات اقتصادية وتشغيلية تضمن للنساء فرصًا حقيقية للعمل، وأجورًا عادلة، وحماية اجتماعية، وبيئة عمل آمنة.
فحين تبقى نسبة النشاط الاقتصادي للنساء عند حدود 13 في المائة، فإن الخسارة لا تقع على النساء وحدهن، وإنما تطال الاقتصاد العراقي بأكمله. إذ إن آلاف النساء اللواتي يمتلكن التعليم والخبرة والقدرة على العمل يواصلن الانتظار خارج سوق العمل، فيما يبقى جزء كبير من طاقات المجتمع معطلًا.