اخر الاخبار

تتجه الانظار الى محافظة الأنبار بوصفها واحدة من أغنى المحافظات العراقية بالمواقع الاثرية والطبيعية والسياحية، في وقت يتواصل فيه اكتشاف مواقع أثرية جديدة لا تزال أجزاء واسعة منها مدفونة تحت الأرض، بالتزامن مع مطالبات بتطوير البنى التحتية واستثمار المقومات السياحية التي تمتد من الكرمة وهيت إلى حديثة وعانة وراوه والقائم.

وبينما تؤكد الجهات السياحية وجود خطط لإقامة مشاريع سياحية متكاملة، يرى باحثون ان ثروات أعالي الفرات، من النواعير والمواقع التاريخية الى العيون الكبريتية والمظاهر الجيولوجية، يمكن أن تتحول إلى قطاع اقتصادي مهم، إذا ما جرى توثيقها وتأهيلها وربطها ضمن خارطة سياحية متكاملة

 

الكشف عن مواقع جديدة

وكشف مدير سياحة الأنبار زهير عبد محمد، عن اكتشاف موقع أثري كبير مؤخراً في منطقة البوخنفر بقضاء الكرمة، فيما اكد أن المواقع التي ما تزال مدفونة تحت الأرض في المحافظة تفوق بأضعاف ما جرى اكتشافها حتى الآن.

وقال عبد محمد في حديث تابعته "طريق الشعب"، إن الأنبار "تضم مواقع أثرية لا تعد ولا تُحصى"، موضحاً أن الموقع المكتشف حديثاً في منطقة البوخنفر لم يحظَ بالتغطية الإعلامية اللازمة حتى الآن.

ويقول مدير مفتشية الآثار والتراث في محافظة الأنبار، عمار علي، إن السنوات الأربع الماضية شهدت تزايدا في أعداد المواقع الأثرية المسجلة ضمن قاعدة البيانات، بعد أن اسهمت أعمال المسح والاستكشاف الحديثة في الكشف عن مواقع جديدة لم تكن أعدادها أو مواقعها معروفة بشكل دقيق في السابق.

ومن أبرز أعمال المسح التي انجزت خلال الفترة الماضية، إجراء مسح شامل لضفتي نهر الفرات، امتداداً من قضاء القائم وصولاً إلى مدينة الرمادي وما حولها، حيث أسفر عن حصر عدد كبير من النواعير التراثية التي ارتبطت تاريخياً بحياة سكان المنطقة ونشاطهم الزراعي.

ويبين علي لـ"طريق الشعب"، ان " عدد النواعير  التي جرى حصرها بلغت 333 ناعوراً. وتتفاوت حالتها بين نواعير لا تزال تحتفظ بدولابها الخشبي، وأخرى لم يتبق منها سوى الهيكل، بعدما تعرضت الأجزاء الخشبية للتآكل والتلف بفعل مرور الزمن".

ويرى علي أن إعادة تأهيل هذه النواعير ممكنة من خلال تنفيذ أعمال الصيانة والترميم وإعادة تصنيع وتركيب الدواليب الخشبية، إلى جانب توفير كميات مناسبة من المياه تتيح لها الدوران من جديد، بما يعيد جزءًا من المشهد التراثي الذي تميزت به مناطق الفرات في الأنبار.

وفي مقابل هذا الاتساع في قاعدة البيانات الأثرية، لا تزال أعمال التنقيب الميداني محدودة، بل متوقفة في الوقت الحالي، بسبب قلة التخصيصات المالية الموجهة إلى قطاع الآثار في وزارة الثقافة.

ويأمل علي أن تشهد المرحلة المقبلة مشاركة المحافظة في أعمال البعثات التنقيبية العاملة في العراق، لاسيما أن الأنبار تضم مواقع أثرية مهمة لم تخضع حتى الآن إلى عمليات تنقيب علمية، واقتصرت الإجراءات بشأنها على تسجيلها بوصفها مواقع أثرية.

ويشير علي الى ان اجراء التنقيبات في هذه المواقع يمكن أن يضيف معلومات مهمة الى التاريخ والاثار في المحافظة، وربما يسهم في  النظر في بعض القناعات السائدة لدى الباحثين بشأن تاريخ المنطقة وأدوارها الحضارية، خصوصا ان مواقع الأنبار تمتد زمنيا عبر مراحل حضارية متعددة، من العصور السومرية والبابلية والآشورية وصولا الى العصور الإسلامية المتأخرة.

ولا تقتصر التحديات التي تواجه قطاع الاثار في الانبار على توقف التنقيبات إذ تواجه المفتشية جملة من المعوقات، يأتي في مقدمتها الجانب المالي. فقلة التخصيصات تحول دون تنفيذ مشاريع أساسية لحماية المواقع الأثرية، من بينها تسوير المواقع وتأمينها ومنع التجاوزات عليها، فضلا عن النقص في أعداد الحراس المكلفين بحمايتها ومراقبتها.

 

متحف الانبار الحضاري

ورغم هذه التحديات، يؤكد علي أن ديوان محافظة الأنبار لم يدخر جهدا في دعم مفتشية اثار الأنبار ولا سيما في ما يتعلق بمتحف الانبار الحضاري الذي شهد اعمال صيانة وترميم بدعم من المحافظة في خطوة تهدف للحفاظ على الارث الحضاري للمنطقة وابراز ما تمتلكه من موروث أثري متنوع.

ويؤكد انه "يحتاج إلى مزيد من الدعم لكي يتمكن من مواكبة حجم المواقع الأثرية المنتشرة في المحافظة". فالمطلوب، بحسبه توفير اختصاصيين جدد وإطلاق التعيينات وزيادة أعداد الحراس، فضلا عن تخصيص الأموال اللازمة لتنفيذ أعمال الحماية والصيانة والتنقيب.

وفي ظل محدودية الإمكانات، تواصل كوادر مفتشية آثار الأنبار العمل بما هو متاح، وتعتمد في جزء كبير من نشاطها على الجهود الذاتية، بهدف الحفاظ على المواقع الأثرية ومتابعتها بصورة مستمرة ودورية، سواء في مركز المحافظة أو من خلال الفرق المنتشرة في مناطقها المختلفة.

 

ثروة سياحية فريدة

من جهته، ذكر الباحث الاثاري ورئيس مجلس شباب حديثة المتحد، عماد خلف الحديثي، أن مناطق أعالي الفرات في محافظة الأنبار تمتلك ثروة سياحية وطبيعية وتراثية كبيرة، يمكن أن تجعل منها واحدة من أبرز الوجهات السياحية في العراق، إذا ما حظيت بالاهتمام والتخطيط والاستثمار المناسب.

وقال الحديثي لـ"طريق الشعب"، إن "أعالي الفرات لا تمثل مجرد منطقة يعبرها النهر من الغرب إلى الشرق، وإنما تشكل متحفا مفتوحا تشكلت ملامحه من الماء والطين والحجر والإنسان، من هيت إلى البغدادي وحديثة وعانة وراوة والقائم".

وأضاف أن المنطقة تتميز بتنوع كبير في عناصر الجذب السياحي من النهر والبساتين والنواعير والمواقع الأثرية والمعالم التاريخية للعيون الكبريتية والمظاهر الجيولوجية والخسفات والموروث الشعبي والحرف المحلية"، مبيناً أن جمع هذه العناصر ضمن رؤية واحدة يمكن أن يصنع مساراً سياحياً متكاملاً.

وأشار إلى أن النواعير كانت منتشرة على امتداد الفرات في عدد من مدن الأنبار، وكانت تمثل جزءاً من منظومة الري التي اعتمد عليها سكان المنطقة لرفع مياه النهر إلى الأراضي والبساتين المرتفعة عن مستواه، موضحاً أن الناعور لم يكن مجرد آلة لرفع المياه، بل شاهداً على قدرة الإنسان على الاستفادة من النهر وتسخير طاقته قبل ظهور التقنيات الحديثة.

وبين ان كثيرا من النواعير اندثر بسبب تغير مناسيب المياه والعوامل الطبيعية والإنشائية، مؤكداً أن ما تبقى منها يمثل جزءا مهما من الذاكرة الزراعية والمائية للمنطقة.

ولفت الى أن تجربة احياء نواعير هيت أثبتت امكانية تحويل المعالم التراثية إلى مواقع سياحية واقتصادية، مشيرا الى ان الاقبال على هيت من خلال الرحلات السياحية المنظمة، يؤكد وجود اهتمام متزايد بالسياحة الداخلية واكتشاف المواقع التراثية والطبيعية في الأنبار.

وقال إن "المكان لا يحتاج إلى اختراع قصة سياحية جديدة. انما المطلوب هو تطوير هذه القصة وتحويلها الى تجربة متكاملة من خلال توفير الخدمات وتنظيم مسار واضح للزائر، وتهيئة أماكن الجلوس والمرافق الصحية والإنارة، ودعم الحرف والمنتجات المحلية، وتعريف الزائر بتاريخ صناعة الناعور وطريقة عمله.

 

منارة الفاروق التاريخية

وفيما يتعلق بمنارة الفاروق التاريخية، أكد الحديثي ان المعلم يمثل جزءا مهما من هوية هيت وذاكرتها التاريخية، ولا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد بناء قديم.

وأوضح أن المنارة التي يبلغ ارتفاعها نحو 25 مترا ترتبط بتاريخ جامع الفاروق، مشيرا إلى ما تعرضت له خلال السنوات الماضية من تصدعات وتشققات وميلان في القاعدة، فضلاً عن تأثير الرطوبة وأعمال الصرف الصحي في بنيتها.

ورحب بالخطوات الأولية الخاصة بمشروع ترميم المنارة خلال عام 2026، ومنها فحوص التربة والدراسات الفنية، مؤكداً أهمية الانتقال من مرحلة التشخيص والتحذير إلى أعمال الترميم والحفاظ المستدام.

وأشار إلى أن ترميم المنارة يجب أن يترافق مع تأهيل محيطها والطريق المؤدي إليها ووضع لوحات تعريفية وتوثيق تاريخها وإدراجها ضمن مسار سياحي يضم النواعير والمواقع التراثية والأثرية الأخرى في هيت. وقال ان "التراث الذي لا يستطيع الزائر الوصول إليه، ولا يعرف قصته، يبقى تراثاً محصوراً في الكتب".

وأكد الحديثي ان السياحة في اعالي الفرات يجب ألا تتوقف عند هيت، مبينا أن حديثة والبغدادي وعانة وراوه والقائم تمتلك هي الأخرى مقومات يمكن أن تدخل ضمن منظومة سياحية واحدة.

وأشار إلى أن العيون الكبريتية في حديثة والمظاهر الجيولوجية والخسفات تمثل فرصاً سياحية وعلمية مهمة، داعياً إلى إجراء مسح شامل للمواقع الطبيعية والجيولوجية والتراثية وتوثيقها وإدراجها ضمن خارطة السياحة العراقية.

ورأى ان تطوير السياحة في المنطقة يمكن أن يتحول إلى فرصة اقتصادية لابناء الأنبار، من خلال توفير فرص العمل ودعم المشاريع الصغيرة والحرفيين وأصحاب المطاعم والنقل والخدمات والمنتجات المحلية، مؤكداً أن السياحة الناجحة هي التي تنعكس فوائدها مباشرة على المجتمع المحلي.

ودعا إلى الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى مشروع متكامل تشترك فيه الجهات الحكومية والمحلية والآثار والموارد المائية والوقف والقطاع الخاص والمجتمع المحلي والشباب، مع وضع رؤية واضحة لتأهيل المواقع وتحسين الخدمات وربطها بمسارات سياحية والترويج لها على المستوى الوطني.