العراق وأزمة تصدير النفط
نشر موقع معهد ستيمسون الأمريكي مقالاً للكاتب عمر النداوي حول سبل تصدير النفط العراقي، ذكر فيه أن الحرب على إيران قد أعادت تشكيل منظومة الطاقة الإقليمية، وكشفت، في هذا السياق، عن مدى هشاشة الاقتصاد العراقي، الذي يعتمد على تصدير النفط عبر نقطة اختناق واحدة، بحيث أوصل إغلاق مضيق هرمز مالية الدولة إلى حافة الانهيار، بعد أن انخفضت الصادرات بأكثر من 85 في المائة، وتراجعت الإيرادات الشهرية إلى أقل من 1.5 مليار دولار، وبات صعباً للغاية تمويل جميع الالتزامات الحكومية الرئيسية، من رواتب ملايين الموظفين والمتقاعدين وبرامج الرعاية الاجتماعية والخدمات العامة الأساسية.
متأخر جداً
وأشار الكاتب إلى أن الأزمة المالية الكبيرة التي تعيشها بغداد دفعتها إلى السعي مجددًا لتعزيز التعاون في مجال الطاقة مع دول الجوار، بهدف تنويع طرق التصدير، كما جرت مباحثات لإنشاء خطوط أنابيب جديدة تنقل النفط إلى ميناء بانياس السوري، وربما إلى طرابلس في لبنان، إضافة إلى السعي لزيادة تدفقات النفط عبر خط أنابيب العراق – تركيا. إلا أن هذه المبادرات، ولا سيما المسار المقترح من بلدة حديثة في غرب العراق إلى بانياس، تواجه أيضًا عقبات سياسية ومالية وفنية وأمنية هائلة. فضلاً عن أن البحث عن طرق بديلة لتصدير النفط والذي تحول من طموح طويل الأجل إلى حالة طوارئ، يبدو الآن متأخرًا إلى درجة تمنع هذه البدائل من إحداث فرق، لاسيما بعد أن أهمل العراق فرصاً كان ممكناً إعدادها منذ عقود، مثل تمديد خطوط الأنابيب إلى ميناء العقبة الأردني على البحر الأحمر، وتوسيع الصادرات عبر تركيا، وإعادة تشغيل الروابط التي انقطعت منذ فترة طويلة مع سوريا.
واستدرك الكاتب بالقول إن بعض الإخفاقات في هذا المجال كان لها أسباب موضوعية، مثل سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من غرب العراق وشرق سوريا، وصعوبة تأمين خطوط الأنابيب والبنية التحتية عبر مساحات شاسعة من الصحراء، وأسباب سياسية، تتعلق بمعارضة فصائل حليفة لإيران بصورة مستمرة لمشروع خط البصرة - العقبة، معللين خشيتهم من خضوعه لنفوذ الكيان الإسرائيلي، فيما يعللها آخرون برفض طهران تعزيز العراق علاقاته مع الدول العربية المجاورة، وكل ما يمكن أن يُضعف نفوذها على صادرات الطاقة العراقية.
بدائل معقدة
ورأى الكاتب أن تركيا لا تزال تحتل محورًا أساسيًا فيما يتعلق بتصدير النفط العراقي، فبعد فترة من التوتر والخلافات، بدأت بغداد وأنقرة صفحة جديدة في علاقاتهما، وتوصلتا إلى تمديد مؤقت لاتفاق خط أنابيب العراق- تركيا، بهدف رفع الصادرات من 225 ألف برميل يوميًا إلى 750 ألف برميل يومياً، علماً بأن الطاقة التصميمية للخط تبلغ 1.6 مليون برميل يومياً.
وأعتبر المقال اعتماد العراق على تصدير نفطه عبر سوريا ولبنان والأردن، استراتيجية مفيدة، لأنها تعمق تكامله الاقتصادي مع هذه الدول الثلاث، والذي تشجعه واشنطن، وتخلصه من مشكلة هرمز في الخليج والنفوذ الحوثي في البحر الأحمر. غير أن إنشاء هذه الخطوط لا يتطلب استثمارات بمليارات الدولارات فحسب، بل ويستغرق وقتاً طويلاً، لا تمتلكه بغداد حالياً، فضلاً عن الحاجة إلى إصلاح موانئ سورية ولبنانية وتأهيلها لمثل هذا النشاط.
وكلما طال أمد الأزمة، ازداد العجز المالي العراقي، وتراجعت قدرة الدولة على استثمار مليارات الدولارات في ممر البصرة – حديثة – بانياس. وحتى الحل السريع للأزمة قد لا يكون كافيًا؛ إذ تشعر الحكومة أصلًا بضغط كبير يدفعها إلى إعطاء الأولوية للاحتياجات الأساسية، ولا سيما الرواتب والمزايا الاجتماعية، بدلًا من مشاريع البنية التحتية المكلفة التي تبدو فوائدها بعيدة وافتراضية.
وفي الوقت نفسه، لا تزال المخاطر الأمنية كبيرة. فمئات الأميال من خطوط الأنابيب التي ستعبر غرب العراق وشرق سوريا ستحتاج إلى حماية مستمرة من أعمال التخريب التي قد تنفذها فلول داعش أو جهات مسلحة أخرى. ومن المرجح أن تؤدي هذه المخاطر إلى رفع تكاليف التمويل.
وبناءً على كل ما سبق، رأى الكاتب ضرورة النظر إلى النقاشات المتجددة حول طرق التصدير عبر البحر المتوسط بمزيج من التفاؤل الحذر والتوقعات الواقعية بشأن الجداول الزمنية. فمن جهة، من غير المرجح أن تحل هذه المشاريع أزمة العراق المالية الفورية، ومن شبه المؤكد أنها ستحتاج إلى سنوات من الإنشاء ومليارات الدولارات من الاستثمارات، في ظل الموارد الشحيحة حاليًا.
ويبقى السؤال عما إذا كان هذا الزخم سينتج عنه بالفعل نظام تصدير قادر على الصمود، أم سينضم إلى القائمة الطويلة لمشاريع خطوط الأنابيب التي لم ترَ النور، مرهوناً باستمرار الالتزام السياسي لفترة طويلة بعد انحسار الأزمة الحالية.