اخر الاخبار

لم تنتظر الاحتجاجات العراقية مرور وقت طويل على ولادة حكومة علي الزيدي، إذ لم يكف صوت الشارع عن المطالب المعيشية والخدمية والمهنية، لتسجل خلال المائة يوم الأولى من عمر الحكومة 297 فعالية احتجاجية، وفق رصد «طريق الشعب» منذ منح مجلس النواب الثقة للحكومة في 14 أيار الماضي. بينها التظاهرات التي خرجت خلال اليومين الماضيين "تقرير اوفى في ص2".

وتوزعت مطالب الاحتجاجات بين توفير الكهرباء والماء وتحسين الخدمات، وصرف الرواتب والمستحقات، وتوظيف الخريجين، ودعم الفلاحين، وتحسين ظروف العمل، إلى جانب مطالب تتعلق بمكافحة الفساد والإصلاح.

ولا تبدو هذه الأرقام مجرد حصيلة لاحتجاجات مطلبية متفرقة، بقدر ما تعكس اتساع فجوة الثقة بين المواطنين ومؤسسات الحكم، في ظل تراكم أزمات اقتصادية وخدمية واجتماعية لم تجد حلولاً جذرية خلال السنوات الماضية. وفي الوقت الذي واصل فيه المواطنون اللجوء إلى الشارع للمطالبة بحقوقهم، شهدت بعض الفعاليات استخدام القوة والاعتقال والملاحقة، ما يضيف إلى الأزمة المعيشية بعداً يتعلق بالحق في الاحتجاج والتعبير.

ويكشف توزيع الاحتجاجات جغرافياً ومطلبياً أن أسباب الغضب لا تنحصر في محافظة أو فئة اجتماعية بعينها، بل تمتد من البصرة وبغداد إلى مختلف المحافظات، وتشمل العمال والفلاحين والخريجين والأطباء والمتعاقدين وسائر المواطنين.

واستقبلت الحكومة الجديدة في يوم تكليفها 4 فعاليات احتجاجية، في دلالة على ان المواطنين غير راضين على أداء الأقلية الحاكمة، التي تقاسمت المناصب وقدمت الوعود دون ان تفي بها.

قمع وملاحقة واعتقالات

وواجه المحتجون خلال هذه الفترة قمعا غير مشروع بواسطة الرصاص الحي والقنابل الصوتية والضرب والملاحقة والاعتقال، وحتى استخدام الطائرات المروحية لترويع المحتجين، حيث رصد التقرير حدوث 14 حالة اعتداء في مختلف المحافظات، ابرزها ما حصل للمحتجين المطالبين بتوفير الكهرباء في محافظات واسط وذي قار وميسان والمثنى. فيما جرى الاعتداء على المتظاهرين الفلاحين في واسط وبغداد. وشهدت احتجاجات الخريجين من مختلف التخصصات ومن المجموعة الطبية اعتداءات أخرى.

وفيما استنكرت قوى وجهات مختلفة هذه الاعتداءات، لم يصدر من الحكومة أي توضيحات او توجيهات بضرورة احترام الحق الدستوري في التعبير عن الرأي.

الكهرباء تتصدر

ولاحظ الرصد، ان احتجاجات الكهرباء جاءت بالمرتبة الأولى، حيث خرجت في مختلف المحافظات 93 فعالية احتجاجية طالبت بتوفير التيار الكهرباء ومحاسبة المسؤولين الذين تسببوا بهدر الأموال المخصصة لوزارة الكهرباء، ومعالجة هذا الملف بصورة سريعة.

وتصدرت محافظتا واسط والبصرة ثم ذي قار وميسان والمثنى قائمة الاحتجاجات المطالبة بالكهرباء، حيث قوبل عدد منها بالقمع المفرط.

124 تظاهرة متنوعة

وخرجت خلال المدة الماضية، 124 تظاهرة كانت عناوينها صرف الرواتب، الماء، الصحة، التعليم، تحسين ظروف العمل، توفير السكن المناسب، مكافحة الفساد وغيرها. وتعكس هذه الأرقام والاحتجاجات أزمة بنيوية يعاني منها النظام العراقي، حيث تراجعت الخدمات بصورة كبيرة، نتيجة حكم منظومة المحاصصة الطائفية التي لم تول هذه الملفات اهتماما كافيا. وبينما تعاني الأغلبية من ظروف صعبة، راحت هذه المنظومة تتقاسم المناصب والموازنات وتدافع عن الفاسدين، دون توفير ابسط مقومات العيش الكريم للمواطنين.

الفلاحون يواصلون الاحتجاج

وشهدت مختلف المحافظات احتجاجات متصاعدة للفلاحين والمزارعين الذين يطالبون بصرف مستحقاتهم منذ 2024 وتعويضهم عن الخسائر التي لحقت بهم في المواسم الماضية، وتحديد أسعار مناسبة لمحاصيلهم، فضلاً عن دعم المنتج الوطني والزراعة العراقية، حيث خرجت خلال المدة الماضية 14 فعالية احتجاجية فلاحية. فيما اعتصم العديد من الفلاحين في محافظة النجف لعدة أيام، امام مبنى مجلس المحافظة. وشهدت تظاهرات الفلاحين اعتداءات وقمعا من قبل القوات الأمنية.

الخريجون والمتعاقدون يصعّدون

وخرج آلاف الخريجين من مختلف الاختصاصات، وخريجو المجموعة الطبية باحتجاجات واسعة في بغداد والمحافظات، طالبوا فيها بتوفير فرص العمل، وبالتوظيف الذي تلقوا وعوداً به في أوقات مختلفة، والتنصل منه لاحقاً.

وطالبت 36 فعالية احتجاجية للخريجين، بتوظيفهم وفقاً للقانون، وتوفير فرص عمل، وتشديد الرقابة على القطاع الخاص الذي يصفونه بأنه دمّر مستقبلهم، بسبب قلة الرواتب وساعات العمل الطويلة والشاقة، فضلاً عن عدم ضمانته لمستقبلهم، إذ يواصل أصحاب الشركات والمقاولون ومختلف القطاعات الخاصة، الامتناع عن التعاقد الرسمي مع الشباب الخريجين العاملين لديهم، ما يعني غياب الضمان الاجتماعي لهم بالمستقبل، او أي ظروف أخرى طارئة قد تبعدهم عن العمل.

وفي الفترة نفسها، نظم المتعاقدون مع مختلف مؤسسات الدولة، 20 فعالية احتجاجية، طالبوا فيها بتحويلهم على الملاك الدائم، وزيادة رواتبهم وتحسين ظروفهم المعيشية.

10 إضرابات و10 اعتصامات

وضمن هذه الفعاليات، شهد الحراك الاحتجاجي تنظيم 10 إضرابات مختلفة، ابرزها للأطباء المقيمين والصيادلة والأساتذة والمتعاقدين وغيرهم، مطالبين بحقوقهم المشروعة. فيما نُظمت 10 اعتصامات متنوعة؛ حيث نصب المحتجون سرادقات الاعتصام لأيام عدة، مطالبين بتحقيق مطالبهم. وكان من بينها اعتصامات الفلاحين والخريجين العاطلين في البصرة.

البصرة وبغداد تتصدران المشهد

ونظمت في محافظة البصرة 56 فعالية احتجاجية، تلتها العاصمة بغداد بـ53 فعالية، ثم المثنى بـ27، فيما نظم 24 احتجاجا في الديوانية، و23 في واسط، ثم بابل وميسان بـ15 فعالية، والنجف بـ12، ثم ذي قار بـ10، واخيراً في كربلاء خرجت 3 فعاليات احتجاجية، حسب التقارير الاحتجاجية التي رصدها "طريق الشعب" في تقارير التي تنشرها في اعدادها اليومية.

محافظات الوسط وشمال البلاد

وفي كركوك، خرجت 14 تظاهرة ووقفة احتجاجية، فيما خرجت في محافظة نينوى 10 احتجاجات، ابرزها للأطباء والمواطنين الذين يطالبون بحق السكن والكهرباء وتحسين الظروف المعيشية، في مشهد يعكس الظروف الصعبة التي تمر بها المحافظة. اما في محافظات ديالى وصلاح الدين والانبار فخرجت على التوالي 8و5و4 تظاهرات.

ويقر مواطنون ومراقبون في تلك المحافظات بصعوبة الخروج بفعاليات احتجاجية، حيث تحاول السلطات المحلية والقوات الأمنية منع أي فعالية احتجاجية في تلك المناطق التي جرى تحريرها من تنظيم داعش، بحجة الظروف الأمنية. وتعاني هذه المناطق من مشكلات كبيرة في مختلف القضايا، وابرزها الخدمات الأساسية.

تظاهرة واحدة في دهوك و8 في السليمانية

ولم يخل إقليم كردستان من الفعاليات الاحتجاجية، حيث خرجت في محافظة السليمانية 8 فعاليات احتجاجية، وفي أربيل فعاليتان، وفي دهوك فعالية واحدة. كان ابرزها يتعلق بموضوع الخدمات والكهرباء وفرص العمل.

أسباب الازمة عميقة!

وتعليقاً على رصد "طريق الشعب"، قال رئيس قسم الأبحاث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، الدكتور حيدر سعيد إن الاحتجاجات الحالية في العراق متوقعة، في ظل تراكم الأزمات الاقتصادية والمعيشية، مشيراً إلى أن الحركات الاحتجاجية في مختلف دول العالم تبدأ غالباً بمطالب اقتصادية وخدمية، قبل أن تتطور إلى مطالب سياسية مرتبطة بطبيعة النظام وأدائه.

وأضاف سعيد في حديث خص به "طريق الشعب"، أن "تاريخ الحركة الاحتجاجية في العراق في السنوات الاخيرة يؤكد هذا المسار"، مبيناً أن "الاحتجاجات التي بدأت بمطالب خدمية ومعيشية، شهدت في مراحل لاحقة تحولاً نحو المطالب السياسية، كما حدث في احتجاجات عامي 2015 و2019 التي انتقلت من المطالب المباشرة إلى طرح أسئلة تتعلق بإصلاح النظام السياسي بصورة جذرية".

وتابع أن "الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بالتطورات الإقليمية الأخيرة وانعكاساتها على قدرة العراق على تصدير النفط، بل إن السبب الأعمق يتمثل في غياب الاستقرار على خطط استراتيجية طويلة الأمد منذ عام 2003، ولا سيما في ما يتعلق بتنويع مصادر الدخل والتصدير والخروج من الاعتماد المفرط على الاقتصاد النفطي".

وأشار إلى أن "الحكومات المتعاقبة عجزت عن وضع خطط من هذا النوع"، لافتاً إلى أن "التوظيف الحكومي الواسع جرى في كثير من الأحيان من دون حاجة فعلية، وتحول إلى أداة لامتصاص الاحتقان الاجتماعي والسيطرة على المجتمع بدلاً من معالجة جذور الأزمة الاقتصادية".

وبيّن سعيد أن "استمرار التوظيف من دون بناء قطاعات إنتاجية حقيقية وضع الدولة أمام مشكلة أكبر، إذ بات من الصعب معالجة تضخم القطاع العام بعد وصول أعداد المتلقين للرواتب والإعانات الحكومية إلى مستويات مرتفعة جداً، ويكاد يكون من الأعلى في العالم، في وقت لم تُنشأ فيه بيئة اقتصادية قادرة على استيعاب هذه الأعداد عبر الصناعة والتجارة والبناء والإعمار والقطاعات الإنتاجية الأخرى".

وحذر الدكتور سعيد من أن "استمرار الأزمة من دون حلول جذرية قد يدفع باتجاه حلول ترقيعية، مثل الاقتراض أو طبع العملة، وهي إجراءات قال إنها قد توفر معالجة مؤقتة لكنها تحمل أضراراً كبيرة على الاقتصاد، إذا تحولت إلى بديل عن الإصلاح الحقيقي".

وشدد على أن "الدرس الأهم من الأزمة الحالية يتمثل في ضرورة بناء "عقل استراتيجي" داخل الدولة، يقوم على إعداد خطط طويلة الأمد وحلول اقتصادية حقيقية، بدلاً من اللجوء إلى التوظيف السريع وشراء الاستقرار الاجتماعي عبر الوظائف والحلول المؤقتة".

إمكانية تطور الحركة الاحتجاجية

وفي شأن مستقبل الاحتجاجات، قال سعيد إن من الصعب التنبؤ بمسارها، لأن الحركات الاجتماعية تتأثر بعشرات المتغيرات، لكنه أشار إلى وجود مؤشرات على إمكانية انتقالها من المطالب المعيشية والخدمية إلى مطالب سياسية، على غرار ما حدث في مراحل سابقة.

ولفت إلى أن "المجتمع والحركة الاحتجاجية تعرضا خلال السنوات الماضية إلى إنهاك كبير بفعل القمع والاغتيالات التي طالت ناشطين ومدنيين، إلا أن ذلك لا يعني انتهاء إمكانية ظهور حركة احتجاجية جديدة، خصوصاً إذا استمرت الأزمات الاقتصادية والمعيشية".

وأضاف أن "التجربة خلال السنوات الـ23 الماضية تظهر أن النظام السياسي لم يبادر من تلقاء نفسه إلى اتخاذ إجراءات إصلاحية جذرية عند شعوره بالأزمة، وإنما جاءت الإصلاحات غالباً تحت ضغط الاحتجاجات"، مشيراً إلى أن "استقالة الحكومة خلال احتجاجات تشرين كانت مثالاً بارزاً على ذلك".

وأكد الدكتور حيدر سعيد أن "معالجة الاحتجاجات لا تكون باحتوائها أمنياً أو سياسياً لمنع تكرارها، وإنما من خلال إصلاحات جذرية تعالج أسباب الأزمة التي تدفع المواطنين إلى الشارع"، محذراً من أن استمرار التفكير بالحلول الأمنية أو الترقيعية قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة بصورة أكبر.

ورأى أن الظروف الحالية تهيئ لاحتمال ظهور حركة احتجاجية ترفع مطالب سياسية، داعياً النظام السياسي إلى التعاطي بجدية مع الأزمة بوصفها جرس إنذار والتفكير بحلول جذرية، لأن الخروج من أزمة النظام، بحسب تقديره، لا يمكن أن يتحقق عبر الإجراءات المؤقتة، وإنما من خلال إصلاحات استراتيجية حقيقية.

حركة جماهيرية ذات مطالب سياسية

بدوره، قال أستاذ العلوم السياسية الدكتور عامر حسن فياض، إن الاحتجاجات التي يشهدها العراق لا يمكن التعامل معها بوصفها مجرد أزمة اقتصادية ومعيشية عابرة، محذراً من أن استمرارها من دون استجابة فعلية للمطالب قد يحولها من تعبير عن الرأي إلى حالة غضب أكثر اتساعاً وتنظيماً.

وأضاف أن بعض المسؤولين يتعاملون مع التظاهرات باعتبارها مظهراً من مظاهر الديمقراطية، مؤكداً أن الديمقراطية لا تقتصر على السماح للمواطن بالتعبير عن رأيه، وإنما تتطلب أيضاً الاستماع إلى مطالبه والاستجابة لها.

وفي شأن إمكانية تحول الاحتجاجات الحالية المتفرقة إلى حركة جماهيرية ذات مطالب سياسية موحدة، رأى فياض أن هذا الاحتمال قائم، مستشهداً بانتفاضة تشرين التي بدأت بمطالب متفرقة ومن جهات غير منظمة، قبل أن تتجه نحو التنظيم وتتحول الى حركة غاضبة أوسع.

وقال إن على القوى المدنية والديمقراطية في العراق أن تؤدي دوراً أساسياً في توحيد المطالب الاحتجاجية وبلورتها وقيادتها، داعياً هذه القوى إلى لمّ شملها والعمل ضمن أطر تنظيمية موحدة لتكون المعبر السياسي الحقيقي عن مطالب هذه الشرائح الاجتماعية.

وحول قدرة النظام السياسي على استباق موجة احتجاجية جديدة من خلال إصلاحات حقيقية، قال فياض إن التجارب السابقة تؤكد أن النظام لا يتحرك إلا تحت ضغط حقيقي من الشارع.