اخر الاخبار

بين ترقبٍ لخطوة نقدية جرى الحديث عنها منذ سنوات، وتساؤلاتٍ حول تداعياتها على الاقتصاد والسوق، يبرز مشروع حذف الأصفار من الدينار العراقي مجدداً، وسط حديث عن استبدال العملة الحالية بأخرى جديدة وفق آليات وفترة انتقالية تحددها الجهات المعنية.

المشروع الذي يرتبط بتغيير الوحدة الاسمية للدينار يفتح ملفات متعددة، من حجم السيولة المتداولة خارج الجهاز المصرفي، إلى آليات التعامل مع الأموال المكتنزة ومصادرها، فضلاً عن قدرة القطاع المصرفي على استيعاب الأموال خلال عملية الاستبدال، وما قد يرافق ذلك من تغير في سلوك المدخرين وحركة الأموال في السوق.

آراء متباينة

في ظل اختلاف التقديرات الاقتصادية بشأن جدوى الخطوة وتوقيتها، تتجه الأنظار إلى الشروط والإجراءات التي يمكن أن تحدد نتائجها، ومدى ارتباط نجاحها باستقرار البيئة النقدية والمالية وإصلاح القطاع المصرفي.

وبين من يرى في الاستبدال فرصة لتنظيم الكتلة النقدية وإدخال أموال إلى الدورة المصرفية، ومن يشدد على ضرورة تهيئة القطاع المصرفي والبيئة المالية والنقدية قبل الإقدام عليه، تتباين آراء المختصين بشأن جدوى حذف الأصفار وتوقيته، وما إذا كان يمكن أن يتحول إلى إصلاح نقدي متكامل أم يبقى مجرد تغيير في الوحدة النقدية.

حزمة اشتراطات

في هذا السياق، يرى أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي أن مشروع حذف الأصفار من العملة يمكن أن يمثل خطوة مهمة في إصلاح النظام النقدي، شرط ألا يُنظر إليه كإجراء شكلي، بل كجزء من حزمة إصلاحات مالية ومصرفية واقتصادية متكاملة.

ويقول السعدي في حديث مع "طريق الشعب"، أن حذف الأصفار، أو إعادة تسمية العملة، يعني تقليص عدد الأصفار من القيمة الاسمية للعملة مع إجراء تخفيض متناسب في الأسعار والأجور والعقود والأرصدة، من دون تغيير القيمة الحقيقية أو القوة الشرائية للعملة. وبيّن أن الهدف الأساسي يتمثل في تبسيط التعاملات النقدية والمحاسبية وتقليل تكاليف تداول النقد وتحديث الأنظمة المصرفية والإلكترونية.

ويضيف أن الاقتصاد العراقي يعاني من ظاهرة اكتناز وتسرب نقدي واسعة، إذ تقدر الكتلة النقدية المصدرة بنحو 100 إلى 109 تريليونات دينار، فيما يوجد نحو 87 إلى 90 بالمئة منها خارج الجهاز المصرفي، بما يقارب 95 تريليون دينار، نتيجة ضعف الثقة بالمصارف ومحدودية الشمول المالي وانتشار التعامل النقدي.

وبحسب السعدي، فإن عملية استبدال العملة القديمة بالجديدة يمكن أن تشكل فرصة لإعادة هذه الأموال إلى القنوات المصرفية، من خلال إلزام أصحاب النقد المكتنز باستبداله عبر المصارف والمراكز الرسمية، بالتزامن مع تقديم حوافز مصرفية تشجع على إبقاء الأموال داخل الجهاز المصرفي بدلاً من إعادة اكتنازها.

ويشير الى أن نجاح المشروع يرتبط بالتجارب الدولية، مستشهداً برومانيا التي حذفت أربعة أصفار عام 2005 ضمن إصلاحات اقتصادية أوسع، مقابل تجارب زيمبابوي وفنزويلا التي أعادت الأصفار بعد استمرار التضخم والإصدار النقدي.

ويربط السعدي نجاح حذف ثلاثة أصفار من الدينار العراقي باستقرار التضخم، وبقوة الاحتياطيات الأجنبية، وتعزيز الشمول المالي، والتوسع في الدفع الإلكتروني، وفرض الانضباط المالي ومنع تمويل العجز بالإصدار النقدي.

ويخلص إلى التنبيه بالقول إن حذف الأصفار ليس حلاً سحرياً للاقتصاد العراقي، لكنه يمكن أن يكون فرصة لإعادة تنظيم النظام النقدي واستقطاب السيولة المكتنزة وتحديث القطاع المصرفي، إذا اقترن بإصلاحات حقيقية تمنع عودة التضخم والأسباب التي أدت إلى تراكم الأصفار.

تداعيات محتملة

من جانبه، قال الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي أن خطة حذف ثلاثة أصفار من الدينار العراقي، رغم ما يحيط بها من ملاحظات وعقبات، يمكن أن تسهم بدرجة كبيرة في حصر حركة الأموال داخل القنوات الرسمية، والحد من قدرة أموال الفساد على الدوران في الاقتصاد عبر قنواته غير الرسمية.

واضاف الهاشمي في حديثه مع "طريق الشعب"، إن إحلال الدينار الجديد محل القديم سيضع أموال الفساد المكتنزة أمام تحديات كبيرة، إذ سيحاول أصحابها خلال الفترة الانتقالية تبييض جزء منها عبر شراء الأصول، ولا سيما العقارات، إلا أن هذه المحاولات ستبقى محدودة الأثر في حال تشديد التدقيق على مصادر الأموال المستخدمة في شراء الممتلكات.

وتابع أن محاولات تحويل أموال الفساد إلى الدولار أو الذهب ستكون محدودة أيضاً، بسبب متطلبات التدقيق من جهة، ومحدودية المعروض من هذه الأصول مقارنة بحجم الكتلة الكبيرة من الأموال الفاسدة من جهة أخرى، فضلاً عن أن جزءاً من هذه الأموال سيكون مهدداً بفقدان قدرته على التداول مع انتهاء العمل بالدينار القديم.

وأشار الهاشمي إلى أن أصحاب الأموال غير المشروعة حاولوا خلال السنوات الماضية تبييض أموالهم عبر شراء الأصول، إلا أن القيود المصرفية وتجنب إثارة الشبهات دفعت بعضهم إلى الاحتفاظ بالسيولة النقدية وانتظار فرص مناسبة لإخراجها من دائرة الاكتناز.

وأكد أن ما كان صعباً في السابق سيكون أكثر صعوبة مع بدء استبدال الدينار القديم بالجديد، لأن عملية الإحلال ستتيح للجهات الرسمية فرصة أكبر لتتبع مصادر الأموال وإدخالها ضمن القنوات المالية الخاضعة للرقابة.

وعن التداعيات المحتملة ذكر انها قد تكون على شكل ارتفاعات في اسعار الدولار والذهب، لكن يمكن ان تبدأ ان تهدأ تدريجياً خلال الفترة الانتقالية لاستبدال العملة.

وحذر في الوقت ذاته من إمكانية عرقلة مشروع استبدال الدينار، معتبراً أن تورط أطراف نافذة في اكتناز أموال الفساد قد يدفع إلى استخدام حجج وذرائع مختلفة لتعطيل المشروع أو تأجيله، بما يبقي أموال الفساد خارج الرقابة ويتيح استمرار استخدامها بعيداً عن الدورة الاقتصادية الرسمية.

واختتم بأن حذف الأصفار، إذا نُفذ بالتزامن مع رقابة صارمة على مصادر الأموال وتتبع عمليات شراء الأصول وتشديد الإجراءات المصرفية، يمكن أن يتحول من مجرد إجراء نقدي إلى أداة للحد من حركة الأموال غير المشروعة داخل الاقتصاد العراقي. 

اجراءات مهمة تسبق هذا التوجه

الى ذلك، قال أستاذ العلوم الاقتصادية عبد الكريم جابر أن المشكلة الأساسية في مشروع حذف الأصفار من العملة العراقية لا تتعلق بالإجراء النقدي نفسه، وانما بتوقيت تنفيذه والبيئة الاقتصادية والمصرفية المحيطة به.

واضاف أن السياسة النقدية والمالية تواجه حالياً تحديات تتعلق بالسيولة وتمويل عجز الحكومة وضعف أدوات الدين، إلى جانب التحديات الجيوسياسية واحتمالات انعكاسها على النشاط الاقتصادي والصادرات النفطية، معتقدا انه في ظل هذه الظروف، قد ينظر الجمهور إلى حذف الأصفار باعتباره محاولة لتحسين صورة العملة، بدلاً من كونه نتيجة طبيعية لاستقرار اقتصادي ونقدي.

وحذر جابر من أن النتيجة قد تكون عكسية، خصوصاً مع احتفاظ جزء كبير من السيولة خارج الجهاز المصرفي، إذ قد تدفع متطلبات الإفصاح عن مصادر الأموال وضعف الثقة بالمصارف أصحاب المدخرات إلى تجنب إيداع أموالهم والتوجه بدلاً من ذلك إلى العقارات أو الدولار أو الذهب، أو إبقاء أموالهم ضمن الاقتصاد غير الرسمي.

وهذا قد يزيد، بحسب جابر، الطلب على الأصول التحوطية ويعزز التعاملات خارج القطاع المصرفي ومخاطر غسل الأموال.

وأكد أن نجاح حذف الأصفار يتطلب أولاً إصلاح القطاع المصرفي وبناء الثقة وتعزيز أدوات الدين والسوق المالية، إلى جانب وضع آلية واضحة لاستيعاب الأموال الموجودة خارج الجهاز المصرفي دون خلق مخاوف لدى الجمهور.

كما شدد على أهمية توفير فئات نقدية صغيرة لتجنب رفع الأسعار عبر التقريب إلى الأعلى. وبيّن أن حذف ثلاثة أصفار لا يعني تحسن القوة الشرائية للدينار؛ فإذا كان الدولار يعادل 1300 دينار قبل الحذف، فسيصبح 1.3 دينار جديد بعده، من دون تغير في القيمة الحقيقية.

وحذر جابر من أن تنفيذ المشروع لمجرد تحقيق إنجاز سريع للحكومة قد يجعله نجاحاً شكلياً أكثر منه إصلاحاً اقتصادياً حقيقياً، خصوصاً إذا اعتقد الجمهور أن حذف الأصفار سيؤدي إلى ارتفاع قيمة الدينار، ثم اكتشف لاحقاً أن قوته الشرائية لم تتغير.