اخر الاخبار

العراق ونهاية سياسة التوازن

نشر موقع (مجلس العلاقات الخارجية) الأمريكي دراسة لمجموعة من الباحثين حول حالة عدم الاستقرار في العراق، ذكر فيها أن العراق شهد، ومنذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003، فترة طويلة من عدم الاستقرار، حيث استغلت جماعات مسلحة مثل تنظيم الدولة الإسلامية الفراغ السياسي الناجم عن حل الجيش، فسيطرت على أجزاء من أراضي البلاد، مما دفع الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما لتشكيل تحالف دولي يضم نحو ثمانين دولة لمساعدة القوات العراقية على مواجهة هذا التنظيم الإرهابي. وقد صعّدت إدارة ترامب الوجود الأمريكي في العراق بشكل حاد مطلع عام 2017، قبل أن تعلن الحكومة العراقية النصر، وتبدأ معظم القوات الأجنبية الانسحاب من البلاد، مع بقاء 2500 جندي أمريكي لتدريب الجيش وتقديم المشورة له ومساعدته في مكافحة الإرهاب الداخلي، بناءً على دعوة من حكومة بغداد.

هدوء مشوب بالحذر

واستعرضت الدراسة تطورات الأحداث السياسية في البلاد منذ هزيمة تنظيم داعش الإرهابي، والانتخابات التي جرت، والحكومات التي شُكلت، وسياسة التوازن بين العلاقات الأمنية والاقتصادية مع الولايات المتحدة، والصداقة العميقة مع عدوها اللدود إيران، فضلاً عن هامش لجهود إعادة الاندماج مع الدول العربية الأخرى، ولا سيما دول مجلس التعاون الخليجي.

كما وجدت الدراسة أن هذا الاستقرار المشوب بالحذر رافقته، منذ أواخر عام 2022، مشاكل اقتصادية وبنيوية، منها تذبذب قيمة الدينار العراقي وانخفاضها إلى مستويات قياسية، وارتفاع معدلات البطالة، وسعي الحكومة لحلها عبر زيادة فرص العمل في القطاع العام، فضلاً عن الخلافات الدورية العميقة بين الحكومة في بغداد وسلطات إقليم كردستان الفيدرالي في أربيل حول إنتاج وتسويق النفط، وتمويل الإقليم من الموازنة العامة، وعائدية محافظة كركوك، وتعرض مؤسسات الطاقة والكهرباء والنقل في الإقليم إلى هجمات مدمرة، اتّهمت بها فصائل مسلحة حليفة لإيران وممثلة في الحكومة الاتحادية.

وخلصت الدراسة إلى وجود قلق متزايد من أن تؤدي تداعيات الصراع والتوترات الطائفية وتحديات إعادة الإعمار والدمج إلى تفكك العراق، وإلحاق الضرر بالمنطقة لسنوات قادمة، وربما تطور الصراع بالوكالة بين مختلف الجماعات الدولية.

تصعيد خطير

وحول الموضوع نفسه ومدى خطورة تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية على العراق، نشر موقع (أمواج) البريطاني مقالاً أعتبر فيه الضربات السعودية الأمريكية المشتركة على مواقع قوات الحشد الشعبي تصعيداً خطيراً للصراع الإقليمي، وأول مشاركةٍ علنيةٍ للرياض مع واشنطن في الحرب، لا تقع عواقبها على السعودية أو إيران فحسب، بل على مشروع بغداد المستمر للخروج من حروب الوكالة في المنطقة، وعلى محاولاتها إعادة بناء العلاقات مع السعودية ودول عربية أخرى.

وذكر المقال أن مزاعم ترامب بأن الغارات كانت منسقة مع بغداد أثارت جدلاً واسعاً، رغم نفي الحكومة ومجلس الأمن القومي العراقي لها بشدة، ولانطلاق هجمات الطائرات المسيرة التي ضربت السعودية من الأراضي العراقية. كما نقل الموقع عن السفير الإيراني السابق لدى بغداد قوله أن الهجمات على السعودية كانت "مريبة"، ملمحاً إلى احتمال وقوف خلايا نائمة أوكرانية وراءها، في تناغم مع تصريحات لمستشار الأمن القومي العراقي أشار فيها إلى وجود عملاء أوكرانيين نشطين في العراق. وبغض النظر عن مصداقية هذه الروايات المتضاربة، رأى الموقع أنها تُظهر مدى سرعة تحول العراق إلى ساحة تتنازع فيها قوى خارجية على المسؤولية والشرعية والنفوذ.

تأخير مشروع حصر السلاح

وبناءً على تداعيات الضربات السعودية الأمريكية، أكد المقال على أن أبرز الأهداف الأمنية لحكومة الزيدي، والمتعلق بدمج الحشد الشعبي والفصائل المسلحة في المؤسسات الرسمية، بات مؤجلاً، رغم ما تحقق من تقدم في هذا المجال، بما في ذلك تحديد الثلاثين من أيلول المقبل موعداً نهائياً لإنجازه، مما سيعرض شرعية حكومة الزيدي للخطر، وقد يكلفها تأخير الدمج ثمناً باهظاً، وليس مجرد انتكاسة في القطاع الأمني.

وأشار المقال إلى أن تداعيات ذلك ستشمل الوجود العسكري الأمريكي نفسه، فقد ربطت بغداد مراراً وتكراراً التقدم المحرز في دمج الفصائل بالمفاوضات المتعلقة بالانسحاب النهائي للقوات الأمريكية. فما دام العراق ساحةً للصراع الإقليمي، قد لا تقبل الولايات المتحدة طلب بغداد بالانسحاب الكامل.

كما تهدد الضربات السعودية الأمريكية بقاء عملية التوازن التي اتبعتها بغداد، في ظل حكوماتها المتعاقبة، حيث تتضاءل قدرتها على الحفاظ على علاقات مثمرة مع واشنطن وعواصم دول الخليج العربية من جهة، وطهران من جهة أخرى، وسيهدد ذلك جذب الاستثمارات الخليجية، ويقوض الثقة السياسية التي سعت بغداد جاهدةً إلى إعادة بنائها مع جيرانها العرب.