اخر الاخبار

تحولت منصات التواصل الاجتماعي الى مساحة لإعلان المواقف الرافضة للترافع في دعاوى إسقاط حضانة الأمهات، إذ نشر عدد من المحامين والمحاميات مقاطع فيديو وبيانات ومنشورات أعلنوا فيها امتناعهم عن تبني هذا النوع من القضايا. وجاءت هذه المواقف حاملة تبريرات قانونية ومهنية وإنسانية، اعتبر أصحابها أن الدفاع عن حقوق الأسرة والطفل ينسجم مع رسالة المحاماة، فيما رأى آخرون أن الترافع في مثل هذه الدعاوى يتعارض مع قناعاتهم ومبادئهم في تحقيق العدالة.

سلب حقوق المرأة والطفل

أعلنت المحامية مدى خلف رفضها التام التوكل أو استلام أي دعوى قضائية تخضع لأحكام التعديلات الجديدة على قانون الأحوال الشخصية، معتبرة أن هذه الخطوة تمثل انسجاما مع قناعاتها المهنية والأخلاقية، في ظل ما وصفته بـ"الانتكاسة الحقيقية" التي أصابت منظومة الحقوق والعدالة جراء التعديلات الأخيرة.

وقالت خلف لـ"طريق الشعب"، إن تعديل قانون الأحوال الشخصية بصيغته الحالية "يفتح الباب أمام تفكك أسري غير مسبوق، ويؤدي إلى سلب حقوق المرأة والطفل التي كفلها القانون النافذ على مدى عقود"، مشيرة إلى أن النصوص الجديدة تثير مخاوف جدية بشأن مستقبل الاستقرار الأسري والضمانات القانونية للفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت أن من أبرز تداعيات التعديلات تراجع الحماية القانونية للطرف الأضعف في العلاقة الأسرية، الأمر الذي من شأنه، بحسب تعبيرها، أن يزيد من معدلات الظلم الاجتماعي ويقوض التوازن الذي سعت التشريعات السابقة إلى تحقيقه في قضايا الأحوال الشخصية.

وأضافت أن إقرار هذه النصوص سيؤدي إلى تصاعد النزاعات الأسرية وتعقيدها، فضلاً عن ارتفاع معدلات التفكك الأسري والطلاق بصورة غير منضبطة، وهو ما سينعكس سلباً على البنية الاجتماعية واستقرار الأسرة العراقية.

وفي ما يتعلق بحقوق الأطفال، حذرت خلف من أن التعديلات تمس حق الطفل في الحضانة والرعاية الآمنة والمتوازنة، معتبرة أن حماية مصلحة الطفل الفضلى يجب أن تبقى في صدارة أي تشريع ينظم شؤون الأسرة.

تحرك مهني مستقل

من جانبه، قدم المحامي محمد جمعة دعما واضحا للمواقف التي اتخذها عدد من المحامين الرافضين للترافع في دعاوى إسقاط حضانة الأمهات، معتبراً أن تلك الخطوة تمثل موقفا مهنيا وإنسانيا يستند إلى جوهر رسالة المحاماة، وليس خروجا على واجباتها، مؤكداً أن المحامي لا يقتصر دوره على تطبيق النصوص القانونية، بل يمتد إلى حماية الحقوق والدفاع عن العدالة.

وقال جمعة لـ"طريق الشعب"، إن الانتقادات التي وُجهت إلى المحامين الممتنعين عن الترافع في هذه الدعاوى أغفلت الطبيعة الإنسانية لمهنة المحاماة، مبينا أن حق الدفاع مقدس إلا أن المحامي، بوصفه حامياً للحقوق، يمتلك أيضاً الحق في رفض الترافع في دعوى يرى أنها تنطوي على ظلم أو تستند إلى قانون لا يقتنع بعدالته.

وأوضح أن دراسة القانون غرست في المحامين منذ مقاعد الدراسة أن المحامي هو حامي الحقوق وصاحب رسالة إنسانية، ولذلك فإن من حقه أن يتخذ موقفاً مبدئياً من أي تشريع أو دعوى لا يؤمن بها، مضيفاً: "كيف يمكن لمحام أن يطالب بحق لشخص استناداً إلى قانون هو غير مقتنع به؟".

ووصف مواقف المحامين، ولا سيما المحامين الشباب، بأنها "مواقف مميزة وجديرة بالثناء"، معتبراً أنها تمثل أول تحرك مهني مستقل بعيداً عن أي تأثيرات نقابية أو توجهات أخرى، الأمر الذي منحها قيمة خاصة، على الرغم من تعرض أصحابها للانتقاد واللوم.

وأشار إلى أن هذه المواقف تستحق التقدير من مختلف الفعاليات المدنية، لأنها تعبر عن استقلالية المحامي وحقه في ممارسة قناعته القانونية والأخلاقية، معربا عن أمله في أن يزداد عدد المحامين الذين يتبنون هذا النهج.

مخاصمة الأم تراجع أخلاقي

وفي حديثه عن دعاوى إسقاط الحضانة، عبّر جمعة عن رفضه الشخصي للترافع في مثل هذه القضايا، واصفاً مخاصمة الأم داخل قاعة المحكمة بأنها من أصعب المواقف التي يمكن أن يواجهها المحامي، لما تمثله الأم من مكانة إنسانية واجتماعية رفيعة.

وقال إن الوقوف خصما في مواجهة أم للمطالبة بإسقاط حضانتها أمر بالغ الصعوبة، حتى في الحالات التي قد تكون فيها الأم مقصرة، مؤكداً أن مكانة الأم تجعل من هذا النوع من الخصومات عبئاً أخلاقياً قبل أن يكون إجراءً قانونياً.

ازدواجية في المعايير القانونية

وفي محور آخر، وجّه جمعة انتقاداً لقرار محكمة التمييز رقم (93) المتعلق بالحضانة، معتبراً أنه يتعارض مع أحكام مدونة الأحكام الشرعية نفسها التي استند إليها في قضايا الأحوال الشخصية.

وأوضح أن المدونة تمنح من بلغ الخامسة عشرة من عمره أهلية اختيار شريك الحياة ما يعني أنها تعترف بقدرته على اتخاذ قرارات مصيرية، بينما يأتي القرار رقم (93)، بحسب رأيه، ليقيد حق الفتى أو الفتاة في اختيار البقاء مع الأم بعد هذا العمر، وهو ما عدّه تناقضاً واضحاً داخل المنظومة القانونية نفسها.

وأضاف أن القرار يفتح الباب أمام انتقال الحضانة إلى الأب لمن بلغ الخامسة عشرة، في الوقت الذي تعترف فيه المدونة بإمكان زواج الشخص في السن ذاتها، الأمر الذي يخلق، بحسب وصفه، ازدواجية في المعايير القانونية تستوجب المراجعة.

ودعا محكمة التمييز إلى إعادة النظر في القرار، مؤكداً أن نقض القرارات التمييزية حق قانوني مكفول لجميع المختصين، وأن العدول عن القرار سيكون خطوة لتدارك ما وصفه بالظلم الذي قد يلحق بالأمهات.

كما انتقد اعتماد القرار على اعتبارات قانونية مدنية في مسألة تنظمها مدونة ذات طبيعة شرعية، موضحاً أن القضاء يأخذ بالأحكام الشرعية في مسائل الإرث والنفقة وغيرها من قضايا الأحوال الشخصية، وبالتالي فإن من المنطقي، بحسب رأيه، أن يجري التعامل مع الحضانة بالمنهج ذاته.

وأشار إلى أن هناك نصاً واضحاً في المدونة يقضي بالرجوع إلى مبادئ العدل والإنصاف عند غياب النص أو وجود تعارض في التطبيق، معتبراً أن هذه المادة لا تحظى بالتفعيل الكافي، داعياً السلطة القضائية إلى اعتمادها بصورة أوسع بما يحقق العدالة ويحفظ حقوق أطراف النزاع، وفي مقدمتهم الأطفال والأمهات.

وتابع جمعة حديثه بالتأكيد على أن العدالة ينبغي أن تبقى الأساس الذي تُبنى عليه الأحكام القضائية، معرباً عن أمله في أن تعيد محكمة التمييز النظر في القرار رقم (93)، وأن تفعّل مبادئ العدل والإنصاف في معالجة قضايا الحضانة بما يحقق المصلحة الفضلى للأسرة والطفل.

رسالة المحاماة: ترسيخ العدالة وحماية الحقوق

المحامي والحقوقي مصطفى البياتي، اشاد، من طرفه، بامتناع عدد من المحامين عن الترافع في دعاوى إسقاط حضانة الأمهات، معتبرا ذلك يمثل موقفاً مهنياً مشروعاً، يندرج ضمن استقلالية مهنة المحاماة وحرية المحامي في اختيار القضايا التي يتولى الدفاع فيها.

وقال البياتي لـ"طريق الشعب"، أن المحامي ليس ملزما بتبني اي دعوى تتعارض مع قناعته القانونية او ضميره المهني، موضحاً أن رسالة المحاماة لا تقتصر على تطبيق النصوص القانونية بل تقوم أيضا على ترسيخ العدالة وحماية الحقوق والحريات.

وأشار إلى أن الجدل الدائر بشأن دعاوى الحضانة والقرار رقم 93 يعكس الحاجة إلى مراجعة قانونية جادة تضمن تحقيق التوازن بين حقوق جميع أطراف النزاع، مع التأكيد على أن تبقى المصلحة الفضلى للطفل هي المعيار الأساس في أي قرار أو اجتهاد قضائي.

وأكد أن اختلاف الاراء القانونية بشأن النصوص او القرارات القضائية يعد أمرا طبيعيا في الأنظمة القانونية إلا أن معالجة هذا الاختلاف ينبغي أن تتم عبر الحوار القانوني والاجتهاد القضائي وتطوير التشريعات بما ينسجم مع مبادئ العدالة ويحافظ على استقرار الأسرة وحقوق الأطفال.